القسم الثاني

الغلاف الخارجي الأول

الغلاف الخارجي الأخير

 

عزيزي القارئ ،

 

لا أكْتُمُكَ سِرًا ما بنفسي ، فكم رَغِبْتُ طويلا ومنذُ بَدَأتْ طفولتي  تَشيخُ ، حَقًّا ، أن أحْكي لك ولِقارئينَ آخَرين ، فَأذكُرُ أنَّ ما سأحكي لكَ ولقرّائكَ ، صائحًا أو هامِسًا ، هو أسطورة صينيّة قديمة، قرأتها قبل سنين في مَسرَحِيَّة قصيرةٍ ورائعة حَقًّا للشاعر والكاتب المسرحي الألماني ، برتولد بريخت ، تأمَّلْتُ الأسطورة والمسرحية بتَمَعُّنِ قارئٍ ، اعتاد طَرْحَ التَّساؤلاتِ على نفسه ، فازددَتُ قناعةً ، إدراكًا ومَعْرِفَةً أنَّ تلكَ الأسطورة هي حِكْمَة حياة مِثْلَ كَثيرِ روايات وكتابات حضاراتنا الإنسانية القديمة وبينَها الحضارة العربية القديمة ، وازدَدْتُ قناعة ومَعْرِفَةً أنَّ هذه الحضارات نَشأتْ مع بدء العقل الإنساني في التَّحَرُّكِ البسيط الواهم والمتخيِّل ، بَدئِهِ عملاً ، فِكْرًا ولملمة تجربًة إنسانية ، فنشَأت الخُرافة والأسطورة وانطلقتا فباتتا حِكايَةً شعبية وقِصَّةً قَصيرة مع نَشأةِ اللغات وبَدء الكتابات وظهور الحروف ، خاصَّةٍ الحروف الفينيقية .

 

ـ  3  ـ

مجموعة قصص قصيرة مختارة

 

بَدَأتُ أعيدُ  طباعة قسمها الأول

قَبْلَ شَهْرِيْن في ملف إصدارات

ونشر القسم الثاني في شهر يناير2022

 

ـــ

حفيدتي لينا والديناصور

 

رَنَّ جَرَسُ الهاتِفِ فجأةً ذلِكَ المَساء . وَكعادَتي رَفعتُ سَمّاعَةَ الهاتِف ،

أجَبْتُ بهُدوء :

هالوا ، هالوا !!

جاءَني مِنَ الطرَفِ الثاني صَوْتٌ مِرْنان ، عَرَفتُ فيهِ صَوْتُ حَفيدَتي لينا الأشبَهُ بضَحْكاتِ طائِرِ الحَسّون ، جَميلُ التغريدِ والغِناء.

قالتِ الحَفيدَةُ  بصَوْتٍ ، تعَمَّدَتْ فيهِ الظهورَ بمَنْ لهُ جَدِّيَّةُ نبْرَةِ الكبير ، مَنْ تقدَّم  سِنُّهُ :

يا جدّي !

سَمعْتُ مِنْ أبي أنكَ تحِبُّ سَماعِ الحِكايات ، فهي تكسِبُكَ خِبْرَةَ حَياة ، تزيدُكَ عِلمًا بما كانَ في أمْسٍ رَحَل ، وما يُحْتمَلُ أنْ يَكونَ في غدٍ سَيأتي .

قالتْ :

حَكتْ لنا المُعَلِّمَة ، ما سأقصُّهُ عَليْكَ ، لا تعْجَبْ مِنْ لُغتي ، فأنا حَفِظتُ الحِكايَةَ عَنْ

 

ظهرِ قلب ، لم اكتبْها ، كتبَها آخرون ، قد تكونُ أنتَ ! وقد يكونُ كثيرونَ سَبَقوكَ

إليْها ، تعلمْتَ الحِكايات أوْ أكثرَها مِنهُمْ أوْ مِنْ شبَهَهِم !

حكت المعلمة :

يا أبنائي !

كانَ الدِّيناصورُ يعيشُ ، في القديمِ القديم ، في الوِدْيانِ ، عَلى مَقرُبَةٍ مِنَ النهْرِ والبَحْرِ ، في الغاباتِ الفسيحَةِ وَحَيْثُ ينبُتُ عُشب ، يكثرُ شجر ، يَجري ماء ، تنسَكِبُ غيومٌ وَينزلُ مَطر .

يَحْكي العارِفونَ أنهُ كانَ ذا بشرَةِ جلدٍ رَقيقة ، تميلُ إلى الخضْرَةِ قليلا ، أسنانهُ لدِنة ، تكسوها طبقةُ لوْنٍ أخضَرَ وَفي تجْويفة فمِهِ لِسانٌ قد يَكونُ طويلا نسبيا ، اعتادَ بهِ يلتقِطُ العُشبَ الأخضَرَ السّاقِطَ عَلى الأرْض ، ذاكَ العالِقَ بَيْنَ فروعِ الشجَرِ أو الطافي فوقَ سَطحِ ماء .

وكانَ يعيشَ في وئامٍ وسَلام ، فلمْ يَعرِفْ خصومَة ، نِزاعًا او احْتِرابا ، حتى كانَ يَوْم ، بَدَأ فيهِ البَعْضُ يَمْكرونَ في عِزِّ الظهيرَةِ وَمِلءَ الأسماع ، يُحَرِّكهُمْ جَشعُ بَطن ، فصاروا عبيدَ رغبة :

لوْ أنَّ كلَّ عُشبِ الأرْضِ يَصيرُ لهُمْ ، فيأكلونَ حتى التخمَة، يأكلونَ مِنهُ ما طابَ لهم ولذَّ ، يفترِشونهُ نهارا وَيَلتحِفونَ بهِ ليْلا ، ليظلَّ لهُمْ يَنعَمونَ بهِ وَحْدَهُمْ وَدونَ غيْرِهِمْ مِنْ خلقِ الأرْض .

مُنذها دَبَّ خِلاف ، افترَقت الدِّيناصورات ، اشتدّت الخصومَةُ بينها ، كسا العُشبَ الأخضَرَ لوْنٌ كالِح ، يَميلُ إلى السَّوادِ قليلا ، سقطتْ أسنانها اللدِنة وَبَدَأتْ تطلعُ مَكانها أسْنانٌ قاطِعة ، باتتْ نيوبًا تنغرِزُ عَميقًا في كلِّ لحْم .

ومُنذها سادَ هَرجٌ وَمَرج ، ضاعَت الطاسَة ، فباتَ الأخُ يَمْكرُ بأخيهِ وَلا يقرَبُهُ .

وذاتَ زمَنٍ كثرَ القتلُ بيْنها ، فغشِيَتْ عُيونُ السَّماءِ مِمّا رَأتْ ، كادَتْ تفقِدُ البَصيرَة وأصيبَتْ أنوفها بزُكامٍ مِنْ كثرَةِ ما تسَرَّبَ إليْها مِنْ رائِحَةِ جُسوم  مُتعَفنة.

أصابَها عطاسٌ شديد ، لمْ تدْرِ مَعَهُ إلاّ وَقدْ تفتتْ حِجارَتها وَراحَتْ تسقط   مِدْرارَةً كالمَطر ، فغطتْ بحِجارَتِها وَجْهَ الأرْضِ وما عَليْها مِنْ بحار ، أنهار ، مغارات ، جبال وعشبِ غاباتِ وبَر ، فلم يَدْرِ ما بقِيَ مِنْ ديناصورات عَلى قيْدِ الحَياة :

أيْنَ المَفرُّ وفاتَ وَقتُ ندَم !

 

قالتْ حَفيدَتي بصَوْتٍ مَحْزون ما حَكتهُ المُعَلِّمة وأرادَتْ أنْ تهمِسَهُ في أذني، أذنِ كلِّ مَنْ يقرأ وكلِّ مَنْ يَسْمَعُ :

لم يبقَ مِنَ الدِّيناصورات ، إلاّ ما يوحي أنها كانتْ .

 

ـــــ

 

ألمرطبان والسمكة الملونة

 

رنَّ جرَسُ الهاتِفِ ، فأسْرَعْتُ أدُبُّ على عكازتي ، لأرُدَّ عَلى المُنادي !

جاءني ، مِنْ بَعيد وَعَبْرَ الأسْلاكِ  المَخفيَّة ، جاءَني صَوْتٌ  طالما أنِسْتُ بهِ وَأحْبَبْتُهُ ، صَوْتُ حَفيدتي لينا .

هَتفتْ ، وَبدونِ  مُقدَّماتٍ  أو مُجامَلات :

يا جَدّي ! حدَّثني أبي عَنكَ ، وَهْوَ ما سَأرْوي  لكَ ، لِتحتفِظَ  بهِ ذاكِرَتي . قالَ :

وُلِدْتَ  في  كوخٍ  من طين ، عِنْدَ  شَطِ  بُحَيْرةٍ ، بناهُ أبوكَ  وَأمُّكَ  مِنْ  طينٍ  مخلوطٍ  بقشٍّ وَبَعْضِ  ماءٍ وَجَعَلوا سَقفهُ مِنْ ذاكَ الطينِ  مَسْقوفَا  بعيدانٍ  مِنْ  قصّيب . وَكنتَ في شهورِ حَبْوِكَ  تحِبُّ اللَّعِبَ  قرْبَ  الكوخِ ، بيْنَ الرَّمْلِ  وَالماء ، ترْعاكَ عينُ والدتك . فتروحُ تحفرُ في الرَّمْلِ  حُفرَةً ، تمْتلأُ  ماءً  فتعبثُ  به . وَمرةً  فوجئتَ ، فصِحْتَ  مُندَهِشًا :

سَمَكةٌ  مُلَوَّنةٌ  تُلَعْبِطُ  في الحُفرَة .

حَضرَتْ أمُّكَ على عجلٍ  وَفي يَدِها مَرْطَبانٌ ، كانَ  فيهِ  حَبّاتُ  زيْتون ، هي بعضُ  أكلِها ، وَوَضعَتْ فيهِ الماءَ والسَّمَكة ، فراحَتْ هذِهِ تحَرِّكُ ذيْلها في الماءِ فرِحَةً ،

أفرَحَتكً  كثيرا وأخذتً  تصَفقُ  بيديكَ مِنْ فرَحٍ  لم يهدأ ضجيجه إلاّ في الكوخ ، وَبتَّ كمن لا يهنأ لك يوم إلاّ حينَ تكحِّلُ عينيْك  برؤياها مَعَ كلِّ صَباحٍ ، حينَ تفيق ، وَمَعَ كلِّ مَساءٍ  ، حينَ تنام .

 

كبُرت السمكة قليلا وِكبُرْتَ أنتَ وكبُرَ بينكما حبٌّ .

حَكى والِدي ، قالتِ الحَفيدَة  بصَوْتٍ  فيهِ بَعْضُ جَدِّيَّة ، حَكى :

وكما في كلِّ حِكاية  يكبُرُ الأوْلادُ سَريعا ، وكانَ زمنًا لمْ ينقضِ مِنْ زمَنٍ ، جاءَ فيهِ جُنودٌ ، في يَدِهِمْ باصِقاتُ نار ، ففرَّ أبوكَ وَأمُّكَ وَناسٌ كثيرونَ مِنْ أهْلِهِما ، فرّوا بَعيدًا شرقًا ، وكنتَ كلَّ مَتاعِهِم الثمين ، فصَحَبوكَ إلى حَيثُ أبْعَدَهُم الجُنود .

 

وحينَ اقتحَمَ الجُنودُ الكوخَ ، لمْ يَجدوا فيهِ أحَدا ، ولم يَعْثروا فيهِ عَلى شيء ، أشعَلوا فيهِ النارَ، هَدَموهُ ، وبَقوْا عَلى مَقرُبَةٍ مِنهُ ، يَشُدُّهُمْ صَفاءُ ماءِ البُحَيْرَة ،  بريقُ الحَصى فيهِ وَنعومَةُ رَمْلِ الشَّطِ .

حَكى والِدي ، قالَ :

مِنْ يَوْمِها لمْ تعرِف عَيْناكَ لوْنَ الفرح ، فأكثرُ ما كانَ يُفرِحُهما انكسَرَ وانكبَّ ما فيه من ماءٍ وما فيهِ مِنْ سَمَكةِ صَغيرةٍ مُلونة ، تحرِّكُ ذيْلها وَتلعْبطُ بفرَحِ أطفال .

توَقفتْ حَفيدَتي عَن الكلامِ طويلا ، حَسِبْتُ أنها كانتْ تبكي في صَمْت ، لكِنْ سَرْعانَ

ما بانَ لي أنها كانتْ تعُضُّ شفتيها بغضب ، أبقيْتُ سَمّاعَةَ الهاتِف مَفتوحَة ، فجاءَني صَوْتها مُختلِفًا هذهِ المَرَّة ، فيهِ نعومَةُ  صَوْتِ  طِفل ، صاحَتْ :

أرْجوكَ يا جَدّي ، انتظرني ، لأكبُرَ قليلًا ، علَّ عودي يشتدُّ، حينها آتيكَ لأهْنا بصُحْبَتِكَ ، فنعاوِدُ البَحْثَ  عَنْ مَرْطبانٍ  زُجاجيٍّ وَما فيهِ مِنْ ماءٍ، سَمَكةٍ صَغيرَة وَمُلوَّنة .

قالتْ ذلِكَ عَلى عَجَلٍ ، أغلقت السمّاعَة  ولم تبقِ لي مُتسَعا لأقولَ ما عِندي .

غمَرَني بَعْضُ فرَحٍ  مُتفائِل ، إذ اتضحَ لي ما عَنتهُ في آخِرِ ما حَكتهُ وَرَجَتني ، فرُحتُ أغفو في كُرْسيِّي الخشبيِّ أتأمَّلُ حَواشِيَ المَرْطبان وما فيهِ مِنْ ماءٍ تحَرِّكهُ

لعْبَطة  مُفرِحَة !

ـــ

بعضٌ مِمّا وشوَشتني حَفيدتي لينا

 

ذُهِلْتُ في ذلِكَ اليَوْمِ وكانَ السّابعَ والعِشرينَ من شهْرٍ مَضى، ارْتحَلَ سريعًا وَحَزينا  لِيُعَجَلَ في رحيلِ عامٍ آخرَ، ذهلتُ إذ بلغني عَبْرَ الهاتفِ  صَوْتُ حَفيدتي لينا خفيضًا ، لَمَسْتُ فيهِ بَعْضَ خوْفٍ  وبعضَ حُزْنٍ  وعهِدْتُ فيهِ غِناءَ حَساسين ، إذ تُغرِّدُ ، وَشوَشتني صائِحَة :

يا جدّي !

احْذرْ هذا الزمَّنَ وَاحْذرْ ما بلغناهُ مِنْ مُنحَدَر !

احذَرْ قضاتهُ وعَسْكرَهُ ،

فبِيَدِهِمِ الحَلُّ والربطُ ومن فمِهِمْ تخرُجُ شرْيعَة غاب !

لكن يا جَدِّي اسمع ما سأقصُّ عليك !

سَالْتُها مُسْتوضِحا : ما لديك لَتحكي لي !

رَدَّتْ عَلى عَجَل :

سَمِعُتُ أبي يَرْوي ، حَكى :

في قديم الزَّمان وسالف العصر والأوان عاش ذئْبٌ شرسٌ في غابة ، اعتادَ يُثيرُ الهَلع  وَالفزَع  فيها ، يَسْطو عَلى ما فيها مِنْ خِراف ، ينتقي السَّمينَ مِنْها ، قليلَ الحَرَكة ، بطيءَ الجري ، عَديمَ الحيلة ، شَهِيَّ اللَحْمِ والدَّم ، يُمَزِّقه بنابه الحادِّ ويلتهمُه بِلذّة النهْمِ  الشرِس .

مرَّتِ السَّنونَ سِراعًا  وهَرِمَ الذئْبُ ، أصابَهُ هَرَمٌ ، فراحَ يبْحَثُ عن حيلة  تمكِّنه مِنْ مُواصَلة ما تعوَّدَ عَليْهِ . اعتلى صَخرَة تُطِلًّ على وادٍ كانَ تسكنهُ الخِرافُ ، ترعى عُشبَهُ وترتوي بمائِهِ ، رأى خِرافًا عند أسفَلِ الصَّخرَة ، حَكَّهُ نابُهُ وحكَّهُ جلده فازْدادَ شَرَهًا  وتدافعَتْ أقدامهُ وسَخُن الدَّمُ في عُروقِهِ ، فنطَّ  يبغي التِهامَ  واحِدٍ مِنها ، لكنَّ رِجْلهُ اليُمنى وقعَتْ عَلى صَخرَةٍ  فانكسرت أو أصابتها وَعْكة موجعَة.

وما أنْ اعْتادَ الألمَ سَحَبَ رِجلَهَ المكسورَة بوَجَعٍ شديد وعادَ يَعْرُجُ  إلى مغارَتِهِ ، ارتمى ونامَ .

 

وحينَ دَبَّ الغسق وراحَتِ العَتمَة تنتشِرُ، أفاقَ مِنْ نوْمِهِ وجَرَّبَ الوقوف ،

لكنَّ العرجَ بقيَ مُلازِمًا لهُ ، فحَمِلَ عرَجَهُ وَراحَ يَجُرُّ رِجلهُ المَريضَةَ ، لكنَّهُ سَرْعانَ ما أدرك أنَّهُ لنْ يستطيعَ الجريَ بها .

جلس أمامَ المغارة يومينِ أو ثلاثة وربما أكثر . عَضَّهُ جوعٌ شديد ، لكن بدلا مِن أنْ

يعتادَ أكلَ العُشبِ ، ظلَّ يبحث بمِنْخرَيْهِ ومن بعيد ، يبحثُ في البعيد عن رائِحَةِ دمٍّ ولحْم .

وفيما راحَ يُقلِّبُ ما لديْه  مِنْ حِيَل ، خلُصَ إلى واحِدَة ،

أنْ يَلجَأ إلى مَحْكمَة الغابة لِتقضِيَ هذِه  عَلى الخِرافِ ما كانَ يَوْمًا في القديم القديم شَرْعًا  فتجلِبُ له كلَّ أسبوعٍ نعجِة سمينة أو حَمَلًا سَمينًا ينعمُ بلحْمِهما قضاةُ المَحْكمَة ويطالُهُ  نصيب .

حدَّث الذئبُ نفسَهُ :

قطعًا سيَفرَحُ القضاةُ بما أطْلُبُ مِنْهُم ، ففي مَحْكمَةِ الغابَةِ يَجْلِسُ ثلاثةٌ ،

أسَدٌ وَشقيقهُ نِمْرٌ وابنُ حارَتِهما ضبْع، ثلاثتهُمْ ، قالَ الذِئْبُ لِنفسِهِ لِيُطمْئِنَها ،

كما خبِرْتُهُمْ أكَلةُ لُحوم .

شَعَرْتُ أنَّ لينا تريدُ تغييرَ مَجرى الحَديثِ ، سألَتني فجأة :

يا جدي!

مَحْكمَة هذهِ شخوصُها وهذهِ شرْعَتها بيِّنةُ القضاء، لكنَّ ما يُشغِلني هو سؤال :

لِمَ تبقى الخِرافُ خِرافًا  ؟!

قلْتُ ، يا لينا : ما ذنبُ الخِرافِ إنْ لم تنبتْ لِنفسها نيوبًا . ألمَسْألة هِيَ كَيْفَ ننزع نُيوب القضاةِ  وما اختاروا لأنفسِهِمْ مِنْ عَسْكر ! لا أنْ نُنْبِتُ نيوبا  لِمَنْ ليْسَ لهُ نُيوب !

قالتْ لينا بصوت جهوريٍّ ، هذِهِ المَرَّةَ ، وَبلهْجَةٍ جادَّة :

لكنْ يا جدّي !

أخشى مَآلَ الغنم ، فقد يطولُ  زمنٌ  قبْل أن يفلحَ العقلُ في نزْعِ  نُيوبِ القضاة !

خشيتُ لحظتها أنني على وشك أن أفقِدَ كلَّ حجَّة ، يمْكِنُ أنْ أخففَ بها خوْفَ حَفيدَتي و خوْفي، هَرَبْتُ إلى صَمتي.

 

لاحظتْ لينا صَمتي ، سألتْ :

ما بالكَ يا جَدّي صامِت ؟ أخافُ صَمْتك ! الْزم الحَذرَ حينَ تصمِتُ وحَكمْ عَقلكَ حينَ تفكِّرُ !

شعَرْتُ أنَّ هذا هُوَ أوانُ التِزامِ الصَّمْت بَحْثًا عَنْ جَواب ، أقدِّمُهُ لِحَفيدَتي لينا ، ادَّعيْتُ أنَّني لا أسمعُ ، فثمَّة خللٌ في السماعة .

وفيما رُحتُ أفكر في السؤالِ :

مَتى يفلحُ العقلُ في نزعِ نيوبِ القضاةِ وَعَسْكرِهِمْ ؟

أغلقتُ بلطفٍ سَمّاعَةَ الهاتف وَرُحْتُ أجهِدُ عَقلي أوْ ما تبقى فيَّ مِنْ عَقل ،

علّي أجدُ جوابًا مُفَكِّرًا وتحَرُّكَ إقْناع !!

ــــ

الجد الطيِّب بابا نويل

 

فاجأتني حفيدتي لينا ، فوْرَ رَنَّ جرس الهاتف وبلغني صوتها الوافد من بعيد ، فاجأتني إذ بادرتْ إلى سُؤالي وَكنتُ سارِحَ الذِّهْن بما سَألهُ أبو الطيِّب عَشِيَّةَ عيد :

" عيدٌ بأيةِ حالٍ عُدْتَ يا عيدُ ...."

سألتْ بصوتِ طِفلة لمّا تبلغِ الخامِسَة :

يا جدي !

أتعرِفُ مِنْ أيْنَ جاءَ  الجَدِّ الطيِّبِ ، جَدِّ الأطفالِ الحَقيقي ، بابا نويل ، الذي استبْدَلَ جرابَ صَيْدِهِ  بجرابِ حَلوى وَراحَ يَحْمِلهُ عَلى كتفيْهِ ، مُحَمَّلًا

بالهَدايا ، يَطوفُ العالمَ الواسِعَ لِيُشيعَ السَّعادَةَ في عُيونِ أطفالِهِ ؟

أجبْتُ في عَجَلٍ وَبلا ترَدُّدٍ :

كلا يا حَفيدَتي الجَميلة ، حقيقةً لا أعْرَفُ !

قالتْ :

ألا يُعيبُكَ أنَّكَ لا تعْرفُ !

قلتُ :

ما قلتهُ هُوَ الحَقيقة ، وَهْيَ لا تعيبُني ، فليْسَ العَيْبُ في كوْني لا أعْرفُ ،

العَيْبُ إنْ رَضيتُ العَيْشَ لا أعْرفُ !

وَوَعَدْتها أنْ أسْألَ مَنْ وَما هُوَ أخبَرَ مِني وأكثر مَعْرِفةً وعِلماً بما كان !

ليلتها لمْ تعْرفِ النوْمَ عُيوني ، بقيتُ ساهِرًا أنبُشُ ذاكِرَتي ، أعْصُرُها بحْثا عَمّا قرَأتُ ذاتَ زَمَنٍ ارْتحَلَ إلى بَعيدٍ ولنْ يَعود ، تذكَّرْتُ بُعَيْدَ طولِ تذكُّر

ما قرَأتهُ في بُطونِ كُتبٍ مُصْفرَّةِ الوَرَقِ عمَا حَكتهُ امْرَأةٌ عَجوزٌ  عاشتْ طويلًا فعَرَفتْ سِرَّ فرَحِ الناسِ وترَحِهِم ، مَبْعَثَ غمِّهِمْ وَحُلمِهِمْ .

يوْمَها قرَأتُ :

كانَ الجدُّ بابا نويل الحَقيقي طيِّبَ القلبِ والنوايا إنسانًا ساذِجًا وَبَسيطًا مثلَ أكثرِ الناسِ في زمَنٍ مَضى أو زَمَنٍ سَيَأتي ، يَعيشُ في بَيْتٍ هُوَ وَزوْجَتاهُ وأولادُهُما العشرَةُ ، في بَيْتٍ غرَفهُ قليلةٌ وَضيِّقة ، يقعُ وَسْطَ غابَةٍ تقعُ بَيْنَ نهْرٍ وبَحْر ، بَيْنَ مُرْتفعاتٍ جَبَلِيَّةٍ عالِيةٍ شديدَةِ خضْرَةِ الشجَرِ وَصَحْراءَ لاهِبَةٍ تضيعُ في رمالِها مِياهُ الوِدْيانِ المَوْسِمِيَّة . وكانَ يُحِبُّ صَيْدَ سَمَك البَحْرِ وَغزلانِ البَرِّ .

تقولُ الحِكايَة إنهُ رَأى غزالةً ، فراحَ يَرْكضُ وَراءَها ، حَتى أجْهَدَتهُ عَبَثًا  وَكادَ

يُجْهِدُها ، وَما إنْ حانَ وَقتُ مَغيبٍ ، اختفتِ الغزالةُ كأنها استحالتْ واحِدَةً مِنْ شجَرِ الغابَة أوِ ابتلعَتها . نظرَ قريبًا وَنظرَ بَعيداً ، نظرَ شِمالًا وَنظرَ جَنوبًا ، شرْقًا وَغرْبًا ، شعَرَ كأنها فصُّ مِلْحٍ وذاب ، فقفل عائدا ، خاوي الجراب إلى بيته.

وما أن فتحَ بابَ البَيْتِ رَأى أفعَىً زرْقاءَ ، يَكسو زُرْقةَ جلدِها خيوطٌ بَيْضاءُ ، ألَمَّ بهِ خوْفٌ شديدٌ ، خوْفٌ مِمّا رأتْ عَيْناهُ وتوَجَّسَ عَقلهُ .

أغلقَ البابَ وَلمْ يَدْخلْ كعادَتهِ وَراحَ يَجْلِسُ تحْتَ شجَرَةٍ  ، يَفرِكُ يديْهِ وَقدْ عَقدَ الخوْفُ لِسانهُ ، لكِنَّ الخوْفَ لمْ يَمنعْهُ عَنِ التفكيرِ فيما هُوَ فاعِلٌ .

وبَيْنما هُوَ جالِسٌ ، غارِقًا في خوْفهِ وتفكيرِهِ الخائِفِ والمَهْموم ، ظهرَتِ الغزالة  فجأةً ، كأنها ساحِرَةٌ أوْ مَسْحورَةٌ أوْ طلعَتْ مِنْ وَراء حُجُبٍ  غير  مَرْئِيَّة ، ذُهِلَ الجَدُّ بابا نويل ، لكنهُ لمْ يفقْ عَلى نفسِهِ لِيَسْألها مِنْ أيْنَ وكيْفَ جاءت ؟ أو كيْفَ سيَتقي شرَّها ويُبْعِدُهُ وأصابَهُ ذُهولٌ أشدُّ حينَ سَمِعَ الغزالةَ تحكي :

يا جدنا الطيب بابا نويل !

خذ حذرك !

هذي أفعىً شِرّيرة خرجت من فم ساحرة رقطاء ، تسكن في أعماقِ جُحْرٍ يقع في

الشمال المعتم البعيد ، أتت ذات يوم ولم أحذرها فسحرتني غزالة ونطقت باللعنة عليَّ ، ومن يومها أعيش في فرح حياة وخوف  موت ، خوف أن  يصيبني سهم طائشٌ يطلقه نحوي واحد من إخوتك الصيادين ، فيخلو ميدان الغابة لحميدان الساحرة الرقطاء وابنتها الأفعى الشريرة.

ابقَ مكانك ، حيثُ وُلِدْتَ فلا تتركه ، بيتك مسحور وتسكنه أفعى ، تعيش زوجتاك وأولادك العشرة أحياء في بطنها ، ابتلعتهم وحسبتهم لقمة سائغة ، لكن أصابها عسر هضم وسرعان ما ارتخت عضلاتها وفقدت كل حركة وباتت مثل ذلك الواوي الذي ابتلع منجلا ، فلم يعد قادرا على بلعه أو التخلص منه !

وَما إنْ انتهَتْ مِنَ الكلام عادَتْ واختفتْ مِنْ جَديد ، لكنها سَرْعانَ ما عادَتْ وظهرَتْ ، تحْمِلُ بيدِها ابريقَ شايٍ ، مِلْعَقةً فِضِّيةً وَكوبًا خزَفِيّا .

فوجئَ الجَدَ الطيِّبُ بابا نويل إذ رَأى ، أو هذا ما شبِّهَ لهُ وَقتها ، أنها باتتْ مُنتصِبَةَ القامَةِ ، نِصْفها العُلوِيُّ جَسَدُ امرَأةٍ غايَةِ في الجَمال يَلفهُ زيقٌ مِنْ عُشبٍ أخضَرَ ، أما نِصْفها السُّفلِيُّ فحَوْضُ غزالةٍ وقدَماها .

ناوَلتهُ عَلى عَجَلٍ كوبَ الشايِ وَمِلعقةً  فِضَّيَةً وَراحَتْ تقرُبُهُ بلا وَجَلٍ وَلا حَذرٍ ،كانا بَعْضَ ما اعْتادِتْ . وطلبَتْ مِنهُ أنْ يَحسو الشايَ عَلى مَهْلٍ  ،  يرْتشِف بلذَّةٍ مُسْموعَة

، وَبَعْدَ كلِّ رَشفةٍ يقرَعُ الكوبَ بالمِلعَقة ، قرْعًا  مُنغَّمًا ويُغلِقُ عَيْنيْهِ فلا يَرى ما حَوْلهُ.

وفِعْلًا كانَ هذا  ما قامَ بفعلِهِ الجَدُّ الطيِّبُ بابا نويل ، سَمعَ النصيحَةَ ، قوْلَ

الغزالةِ ، وراحَ يُغلِقُ عَيْنيْهِ ، شعَرَ مَعَها أنَّ فرَحًا لمْ يَعْهَدْهُ باتَ يَغمُرُهُ ، كلَّما رَشفَ رَشفةَ وقرَعَ بالمِلعَقةِ حَوافي الكوبِ ، وَحينَ أنجَزَ النصيحَةَ فوجئ بابا نويل مِمّا رَأى :

 

الغزالة عادت إلى ما كانت امْرَأةً فاتنة ، بهية الطلعة وَبادِيَة الطِّيبَة ،

انفتح الباب فجأةً وخرج منه الزوجتان وقد أمسك الصغار بثوبيهما ،

راحت أشجار الغابة تكتسي ثلجا مُشِعًّا تلهو سناجب بين أغصانها

وامتلأ جراب الصيد أكياس حّلوى .

يوْمَها بَدا كلُّ ما في الغابَةِ ضاحِكًا حتى شجَرُ الصَّفصافِ الحَزينُ وَالحاني فوْقَ ماءِ الوِدْيانِ استعادَ بَسْمَةَ أغصانهِ ، شديدةِ الخضْرَةِ ، وَعَمَّتِ الفرْحَةُ بَيْتَ الجَدِّ الطيِّبِ بابا نويل فطلبَتْ زوْجَتاهُ مِنَ المَرْأةِ الغزالة ، بادِيَةِ الطيبَةِ وَالجَمالِ ، أنْ تبقى لتأكلَ مَعَهُمْ كعْكَ العيدِ ، لكِنَّ المَرْأةَ الغزالةَ شكرَتهُمْ جَميعاً ، فرَكتْ أصابعَها فجأةَ وَكأنَّ خاتمَ "شُبّيك لُبّيك" كانَ في يَدِها فحَملها بوَمْضةِ بَرقٍ وَرَفَّةِ عَيْنٍ وَطار .

أسِفَ الجَميعُ لأنَّها عادَتْ إلى ما حَنّتْ إليهِ ، لكن فرْحَةَ لمِّ الشمْلِ وَعَوْدَةِ الحَياةِ إلى العُيونِ كانتْ غامِرَةً و ضاجَّة .

ناموا ليْلتها ليْلةَ هَنيَّة ، نامَ الجَدَّ الطيِّبُ بابا نويل وَقدْ ضمَّ بحَنانٍ فائِقٍ زوْجَتيهِ وأبقى في سَريرِهِ الضيِّق مُتسَعًا لِصِغارِهِ ، ليَطيبَ لهُمْ نومٌ قربَهُ ، حَوْلهُ وبَيْنَ يَدَيْهِ وَرِجليْهِ .

وحينَ أفاقَ ، صَبيحَةَ ثاني أيّامِ العيد ،راحَ يُصْغي لصَوْتِ الحَساسين جَذلةً تُغرِّدُ ، رَأى جرابَ الصَّيْدِ ملآنا أكياسَ حَلوى وَظهَرَ لهُ الإبريقُ الخزفِيُّ وقد طفحَ شايًا وقرْبَهُ يَسْتريحُ كوبٌ وَمِلعَقة.

نهضَ مِنْ نوْمِهِ وأبقى كلَّ السَّريرِ لزوْجَتيْهِ النؤومَتيْنِ وَصِغارِ أوْلادِهِ لينعَموا بالنوْمَةِ الصَّباحِيَّة ، تحَسَّسَ الجرابَ ، ألقى نظرَةً خاطِفةً إلى الإبريقِ الخزفِي ، الكوبِ والمِلعَقة ولمْ يَعُدْ إلى نفسِهِ إلاّ وَراحَ يُقسِمُ أنَّهُ لنْ يَعودَ إلى صَيْدِ بَحْرٍ أوْ صَيْدِ بَرّ ، فسيكتفي بما تجودُ الغابَةُ عَليْهِ وَعَلى أهْلِهِ مِنْ عُشبِ برٍّ وثمَرِ شجَر .

ولمْ تمْضِ إلاّ لحَظاتٌ قليلةٌ مِنْ عُمْرِ الزَّمَنِ أفاقتِ الزَّوْجَتانِ واستفاقَ الأوْلادُ وَغسَلوا وجوهَهُمْ وفرَكوا أسْنانهُمْ ، لبسوا مَلا بسَهُمُ النهارِيَّة وَالتفوا حَوْلَ مائِدَةِ العيد .

ما إنْ انتهَوْا مِنْ إفطارِهِمْ ، نهضَ الجَدُّ الطيِّبُ بابا نويل عَلى قدَمَيْهِ ، تناوَلَ الجرابَ

، شعَرَ أنَّهُ كانَ خفيفَا ، ألقاهُ عَلى كتفيْهِ وكانَ لبسَ قبَّعَةً حَمْراءَ ،

انتعَلَ حِذاءً دافِئًا ، لبسَ مِعْطفهُ القديمَ ، سارَ وخرَجَ قاصِداً أوَّلَ مَدينةٍ في طريقهِ

 

الطَّويل . وَصَلَها وَراحَ يَطوفُ البُيوتَ سِرًّا ، يبقي عِندَ كلِّ بابٍ كيسَ حَلوى وَيَعودُ إلى بَيْتهِ ، لتصْبحَ هذِهِ عادَتهُ في كلِّ عامٍ ليلةَ عيد .

كانَ في مَساءِ تلكَ الليْلةِ يُحْضِرُ إبريقَ الشايِ ، الكوبَ الخزفيَّ والمِلعَقة ،

يُكرِّرُ ما أوْصَتهُ تِلكَ المَرْأةُ الغزالةُ ، بادِيَةُ الطيبَةِ والجَمالِ وَفي صَبيحَةِ اليَوْمِ التالي يَأكلُ كعْكةِ العيدِ وَعائٍلتهِ ، ثمَّ ينهَضُ عَلى قدمَيْهِ وَيَسيرُ قاصِدًا  أوَّلَ مَدينةٍ ليَطوفَ بُيوتها سِرّا ، كما في كلِّ عيد ، يبقي أكياسَ الحَلْوى لأجمَلَ مَنْ فيهِ ، صِغارِ البَيْت .

لحظةَ انتهَيْتُ مِنَ التذكر، شعرْتُ بسَعادَةٍ غامِرَة ، إذ أسْعَفتنِيَ الذاكِرَة ،

أعادتْ لي كلَّ ما قرَأتُ في الكتبِ مُصْفرَّةِ الأوْراقِ وَالحَواشي .

لحْظتها رُحْتُ في غفوَةٍ شفيفةِ وَناعِسَة ، رَأيْتُ نفسي وقد رُحْتُ أسْرُدُ لحَفيدَتي لينا كلَّ ما قرَأتُ .

وفيما أنا في غفوَتي الحالِمَةِ سَمِعْتُ صَوْتًا أشبَهَ بصَوْتِ طِفلٍ يُحَدِّثّ ببَراءَةٍ كمْ كانتْ فينا حينَ كنا صِغارًا ، قالَ الصَّوْتُ :

لكن أحْسَبُكَ يا جَدِّي نسيتَ ما كانَ وصارَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَوْتِ صِغارِهِ !

تقولُ تتِمَّة الحِكايَةِ وَهْوَ ما لمْ ترْوِهِ ، كتب الجدُ لحفيدته ولكُلِّ قارئٍ :

اختفوْا ، الجَدُّ ، الزَّوْجَتانِ والأولادُ حينَ كبُروا ، اختفوْا مِنْ زَمَنٍ بَعيدٍ في بَطنِ الغابة . يومَها امتلأتِ الغابَةُ تجّارًا جَشِعينَ ، طلعوا كالفِطرِ بَعْدَ كلِّ مَطر ، وَراحوا يَلبسونَ قبَّعَةً تشبهُ قبعتهُ ، مِعْطفًا زاهِيًا لا يُشبهُ مِعْطفهُ ، حِذاءً أبْعَدَ ما يكونُ عَنْ بَساطةِ حِذائِهِ وَخِفَّتِهِ ، يُطيلونَ لِحاهُمْ وَيَرشونها بلوْنٍ أبْيَضَ ، لنحْسَبَهُ وَقارَ شيْخوخة ، وراحوا يُفرِغونَ جُيوبَ الأهْلِ والصِّغارِ ليَمْلئوها بكثيرِ ما توَفرَ في خزائِنِهِمْ .

هتفَ الصَّوْتُ ، وَكانَ صَوْتُ طِفلٍ عَرِفتُ فيهِ صَوْتَ لينا وَقدْ جاءَني مِنْ بَعيدٍ ليَمْلئني سَلوى ، هَتفَ سائِلًا :

يا جَدِّي !

كمْ تتوقُ نفسي إلى طلةِ عيدٍ سَعيدٍ ، يَزورُنا فيهِ سِرّا الجَدُّ القديمُ ، الجَدُّ الحَقيقي ، الجَدُّ الطيِّبُ بابا نويل ، فيُبقي لي ولكلِّ الأوْلادِ أكياسَ حَلْوى زاهِيَةَ اللوْنِ وَطيِّبَةَ المَذاق .

 

سَمعْتها كمَنْ راحَ يَهْمِسُ :

كلُّ عامٍ ونحْنُ بخيْر!

لكِنْ سَرْعانَ ما بَعُدَ الهَمْسُ ، فعُدْتُ إلى خلوَتي أرَدِّدُ ما هَتفَ به صاحبي و مُعَلِّمي أبو الطيِّب  ، ذاتَ زَمَنٍ ، سائِلًا بحُزْنٍ شفيف  ....

" عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدْتَ يا عيد "

 

ــ

 

الديك والقطط الخمس

 

هاتفتني حفيدتي لينا وكانت تقترب من عامها الخامس ولا تزال تنعم بصف الروضة !

قالت بلهجة تصطنع فيها جدية المربية والراوية العجوز حين تشرع في الكلام،

قالت :

سأقصُّ عَليْكَ يا جَدّي ما سَمعْتُه ، أمس ، في الرَّوْضة.

كنا لحظتها ، ككل الأطفال ، نلهو ونتشاجر بوُدٍّ . دخلت علينا امرأة عجوز، طرحت على المعلمة تحية الصباح ، ثُمَّ التفتتْ إلينا وبلا مقدمات ، تُطْلِعُنا فيها من وما تكون ؟ راحتْ تروي :

يا أحبابي جئتكم من بعيدٍ وكلُّ ما في يديَّ سلة أحفظ فيها ما توفَّر لي من حكايات ، بعضها جديد وأخرى غاية في القدم ، قدم الإنسان مذ وُجدَ ، فهي كانت حاجته الأولى، تسلّي نفسه ، تهذبها وتعينه في الكشف عن فهمه لعالمه وتجاربه.

 

وكما ترون، حدَّثت المرأة العجوز، بشوشة المحيا ،

أحمل في اليد الثانية سلة حشوتها ما طاب من زبيب وحلوى لأقدمها لكم !

فجأة انقلب صمتنا إلى ضجيج فرح طفولي ، عدنا بعدها إلى هدوء مترقب ، فكنا نترقب ما ستحكي ، وصارت غرفة ألعابنا مثلما يحكون عادة :

إرمِ الإبرة بترِن !

أعطت العجوز المُعلمة سلة الحلوى ، فغمرنا سرور هامس ، وراحت تحكي ما لديها، سألت :

يا مِسْتِمْعين الكلامْ ! نِحْكي وِلاّ ننام؟

رَدَّ الأطفال بصوت واحد ، صائِحٍ وضاج وهم يخبطون الأرض بأقدامهم الصغيرة:

هذي ساعة لا يجوز فيها نوم !

كشفت العجوز عن ابتسامة راضية ومُطمئنة ، تابعت حكايتها :

ما سأحكي لكم حدث في زمن بعيد ، كان فيه فلاح ينعم بحاكورته ، يشاركه فرحه خمس قطط ، تذكُرُ الحكاية أنهم ولدوا في الحاكورة وفيها كبرت جدتهم الأولى ، تعلموا كيف يعتني كل قط بنفسه ويرعى إخوته الباقين .

وفيما كان الفلاح وقططه الخمس يحيون  في " لِذ وِنْعيم ، طيَّبَ اللهُ عيش السامعين " ،

فوجئوا ذات صباح بديكٍ يعتلي قمة أعلى شجرة في الحاكورة ، كان نافِشًا ريشه

بصلفٍ غرورٍ لم يعرفوه ، ينبش بمنقاره الحاد غصنا راح يجلس فوقه ، وكان كاشِفا عن مخالبَ شديدة اللمعان !

وسرعان ما نزل يمشي في الحاكورة ، يلتهم ما فيها من عشبٍ أخضرَ ووَرْدٍ مُتعددِّ الألوان ويتيه كبرِياءً أقلق القطط الخمس ، فراحت تتحاشاه ، تقترب منه بحذر محاولة معرفة من أين جاء وما يريد ؟ واتقاء شر منقاره وأظفاره !

سرعان ما لاحظت القطط أنه راح يعبث بكل زاوية في الحاكورة ، يقلب الحصى فيها وينبش ما فيها من تراب بحثا عن " أبو مغيط " ليتلذذ بأكله ، حتى كاد يقضي على ما فيها من أحياء صغيرة كالنمل ، وما عاد العشب ينمو ولا الورد وانعدم الأمان في محيط الحاكورة وبين شجرها.

فكَّرَتِ القطط طويلا وتبادلت فيما بينها المشورة ، فراحت ترقب كل حركة منه وآثرت ألاّ تعمد إلى مواجهة منقاره ومخالبه .

ذات ليل رأت أنه راح يغط في نوم عميق ، اقتربت من موقع نومه ، لاحظت أنه أخفى رأسه بين ريشاته وكان الليل تجاوز منتصفه ، نام الفلاح ولم تعد ثمة حركة في الحاكورة ، كل ما فيها خلد إلى النوم إلاّ القطط الخمس !

وحين تأكدت هذه أن هذه ساعة انتظرتها طويلا ، انقضَّتْ عليه تضربه بأسنانها

القاطعة وتخمشه بمخالبها الحادة ، وكانت المفاجأة ، هَبَّ الديك من نومه مذعورا وبلا تفكير طار بعيدا واختفى في عتمة الليل ، كان مثل فصِّ مِلْح وضاع كل أثر له.

بعدها نزلت القطط الخمس أرضا ، نزلت ، لترى أين وكيف اختفى؟

وما إن طلع النهار وبدأت أولى خيوط الفجر تبين ، ظهر للقطط حقيقة أنَّ الديك لم يطر بعيدا في العتمة ، طار قريبا واصطدم بغصن شجرة عالية ، تقع عند طرف الحاكورة، كانت الصدمة قاسية ، سقط من علٍ وهوى . رأته مطروحا تحت تلك الشجرة ، وقد لوى عنقه فاقدا كل حركة.

عندها أدركت الحقيقة :

أسقطته الصدمة ، هوى ومات.

حكت العجوز أن القطط ، وإن كرهت ذاك الديك ، كرهت فيه الصلف ونفش الريش ، إلاّ أنَّها لم تبغِ موْتهُ ، فلم تكن ترى في القتل حلا ، فالقتل مجلبة لقتل وسرعان ما تتسع دائرته ، حزنت لما أصابه وما جرَّ عليه التسلل إلى حاكورة ليست له ، تعفير التراب ، التهام العشب وما نما في الحاكورة من ورد جميل !

قالت العجوز بشكل فاجأنا :

"حُكايْتي حَكيتها وْعَليكمْ رَميتها ، لو كان موعد عودتكم قريب ، رميتكم بكمشات زبيب "

وابتلعها باب غرفة الروضة ، اختفت كما جاءت ، ولم تبقِ مكانا لأسئلة كانت وظلَّتْ تدور في فلك عقولنا الصغيرة!

همست الحفيدة بألم وصوت شبه مخنوق:

 

يا جَدّي!

اختتمت العجوزُ حِكايتها بصورَةٍ مُفاجئة!

شعَرْتُ أن الحفيدة وَدَّتْ مَعرفة ما عنتهُ العَجوزُ حينَ قالتْ:

"لو أن موعد عودتكم قريب ..."

سألتِ الحَفيدةُ محزونة قبلَ أنْ تغلِقَ سَمّاعَة الهاتف بطرقةٍ خفيفة :

" يا جَدّي مَتى سَننالُ كمْشاتِ زْبيب "؟.

واختفى صَوْتها السائِلُ في البعيدِ المجهول .

 

ـــ

ألطِّفلةُ الذَكِيَّةُ

 

 

طِفلة  ذكِيَّة  وَجَميلةٌ . كنا ، زوجَتي وَأنا ، نُحِبُّها  كثيراً ، ونُعْجبُ بذكائِها  الفِطريِّ  كانت  تُدرك  ذلِك. كانت  تِلميذة  في الصَّفِّ  الخامِس . اعتادَتْ  تزورُنا  كثيراً ، فكنا  نفرَحُ بِها ، كانت كالحَفيدة  وَكنا  في  أمَسِّ  الحاجةِ  إلى  شقوَنتِها ، التي  تُعيدُ  إلينا  بَعضَ ما افتقدناهُ  مع  تَقَدُّمِ  العُمْر  وبدء إطلالة  طُفولَتنا  الشّائخَة : افتَقَدنا  الطُّفولة  بذكائِها  وَصِدقِها  وَوَلدَنتِها .

حَضَرَت  يَومًا  فرِحَةً  وَباسِمَة ، كعادتِها. قالت :

كتبَتُ  قِصَّة  قصيرَةً ، أتحَدَّث  فيها ، بمشاعِرَ  ألمٍ  ، عَنْ مَوْت عُصفورٍ .

وطلبَت  مِنِّي  أنْ  أراها  وأقْرَأَها .

حَكت : سَمِعَتْ  مَرَّة  عُصفوراً  يُغنِّي . اقترَب  مِنها  فحَمِلتهُ  بَين  يَدَيها ، بِلين .

كان  المِسكينُ  تلقَّى  ضربَة  قِطٍّ  ، أعطبَتِ  الضَّرْبَةُ  جَناحَيهِ. نجا  مُصادَفة  مِن  بَراثِنِهِ ، لكنه  افتقدَ  القدرَةَ  على  الطيران . خسِرَ  أجمَلَ ما كان  يَملِك : ألمقدرَة  على الطيران  طليقاً.

 

سألته  عَن  اسمِه  ! قالَ :

يَدعونني المَحبوب  كوكو!

وَعَرّفتهُ  هي عَلى شَخصِها.

حَمِلته  بحَنانٍ  إلى  البيت ، وَفي  البيتِ حاوَلَتْ تُطعِمُهُ  وتَسْقيه ماءً ، لكنهُ  امتنعَ عَن ذلِكَ.

استسلمَت الطفلة   لِحُزنٍ  خفيف ونقلتهُ  ، لِيَنام  في الحَمَّام ، كما أمِلَت ، أن  ينامَ  بأمانٍ  وبعيداً  عَن  مَخالِب  القِطِّ ، بَعد أن  ذهَبَتْ سُدىً  مُحاوَلات  إطعامِهِ . و لسوءِ  الحَظِّ  حين  استيقظتْ  يارا  من  نومِها  وَجَدَتِ  العُصفورَ  مَيِّتًا  في  الحمّام  فبكت  طويلا   وحمّلت  أباها  مسؤولية  موته ، لأنه  لم  يُساعِدُها  في  إطعامِه .

كتبَتْ : أنَّ  العُصفورَ  ماتَ  جائِعاً. وَهذا  ما  أحزَنها : أنْ  يَموتَ  أحَدٌ  جوعاً.

قرأتُ  القِصَّةَ ، فاسْتلطفتُ  الفِكرَة .

قُلْتُ :  جَميلٌ  أنْ تعْطي  قِصَّتكِ  نِهايَة  مُختلفة ، لكن  هذا شأنكِ والرَّأيُ  رَأيُكِ .

أبْدَتْ  عِناداً، سَبَق  وعرفتهُ  فيها، عِنادَ  الأطفال ، حينَ يقتنِعونَ بشيء. لكنْ لم  أتصَوّرْ أنْ يَبلُغَ  بها العِنادُ  مِثلَ  هذا  الحَدّ ! فالعِنادُ في بَعضِ الحالاتِ  مُجدٍ ، لكنْ  ليسَ  دائِما ، فالتمَسّكُ  بالرَأيِ  يكونُ أحيانا أمْرا حسنا ، لكنْ  يَجْمُلُ  بنا  أنْ  نكونَ  مَرِنينَ ، نُحْسِنُ الإصْغاءَ  للرَّأيِ  المُغاير .

ضحكت ، استحسنت  قولي، لكنّها  تمسَّكتْ  بقولها. ونظرت  إليّ  بابتِسامَةِ  الواثِقِ  .

ثمّ سَألتْ : لكنْ أية  خاتِمَة  تقصُد ؟!

لاحظتُ  أنها  بَدَتْ ، كمَنْ  يَلينُ . قلتُ  مَثلا  ، كأن  تكتبي :

مات العُصفورُ ، لأنَّهُ  افتقدَ  حُرِّيَته .

حاوَلتُ  أن  أقنعِها  بأنَّ المَوتَ  الحَقيقي  والمُحْزنَ  يكونُ  حينَ يفقِدُ الإنسانُ  أو  العُصفورُ  حُرِّيَته . فالحَياة  بِلا  حُريّة  هِي  مَوتٌ.

واصَلتْ   عِنادهاً ، أكثرَ مِنْ  قبل ، فوجئتُ ، لكنني  تفهّمتهُا وفهمْتُ  سِرَّ  عِنادِها .

أصَرَّتْ  بعقلِها  الفِطريِّ  الصَّغير : على  أنَّ  أكثرَ  ما  يُحْزنُ  هُوَ  المَوْتُ  جوعاً ، وأن  كوكو يُحْزِنها  كثيرا لأنهُ  ماتَ  جائِعاً .

في  الحَقيقةِ  فاجأتني الطِّفلة الجارة ، بدأتُ  أفكرُ ، أسألُ  نَفْسي :

علّها  مُصيبَةٌ  في  رأيها ، ففيهِ  كثيرٌ  مِنَ  الصَّوابِ ، شيءٌ  مُحزِنٌ أنْ  يَعيشَ  الإنسان جائِعاً ، أو أنْ يَموتَ جوعاً ! لكنْ بقيتُ  على  قَناعَتي :

يكون  المَوْتُ ، المَوْتُ  الحَقيقيُّ ، حينَ  يفقِدُ  الإنسانُ  أوِ العُصفورُ  حريته .

قلتُ  لَها :

يَسْتطيعُ الإنسانُ  أنْ  يشتري  خبزَهُ  ببعض  الشواقل  ولا شيءَ يُمْكِنُ  أنْ يَعدل  ثمَنَ  الحريةِ .

لم تمكّني  مِنْ  إتمامِ  حُجَّتي، قالت :

هذا إذا كانَ  لديْهِ  شواقل .

مَسحَتْ  دَمْعَة  حُزنٍ  سَحّتْ  على  خدِّها . استودعتنا ، بحنان  حفيدة .

بَدا  عليها  أنَّ  حُزنها  تراجَعَ  قليلا  وغابت  مُنطنِطةً خلفَ السِّياج .

وتركتني   لهَواجِسي  وأفكاري :

هلْ  يمكن  أنْ  يَعيشَ  المَرْءُ  جائِعًا، فما  أمرّ  أنْ  يَموتَ  المرءُ جوعا . وسَألتُ  نفسي  وأنا  أودّعُها  بعَيْنيَّ  المُتسائِلتين  :

هَلْ  تكونُ  حَياةٌ  بلا  حُريّة . وهلْ  تكونُ  حُرِّيَة ، حينَ  يَكونُ  جوعٌ  .

ـــ

 

ألمبتدأ  والخبر

 

 

حَدَثَ ذلِكَ قبلَ وَقتٍ طويلٍ ، لكِنْ بعدَ أنْ كانَتْ ريحٌ صَرْصَر فاٌجأت أهل البلدة وخرَّبّتْ معظمَ ما كانَ لهُمْ مِنْ ضرْعٍ وزرعٍ . يومَها كانتِ الخِربَةُ الشَّمالية لاتزالُ ، كما كانتْ ، أرضاً مَشاعاً ، يَقصُدُها النَّاسُ في قريَتي لِقضاءِ العُطل ، أيامَ الأحَدِ ، أحَدِ النَّصارى ، كما كانوا يُسمّونَهُ .

فرِحَ التلاميذُ فرَحاً كبيراً ، حينَ سَمِعوا الأسْتاذ خالِد يتكلَّمُ .

خَبَطوا الأرضَ بأقدامِهِمْ والَمقاعِدَ الدِّراسِيَّة بأيديهِمْ . هَتفوا :

عاشَ الأستاذ .

فرِحَ الأولادُ ، لم ينزعِج المُعلِّمُ ، اعتبرَ الفرحَ انفِجارَ فَرحٍ عادِّيٍّ وطبيعي، وَحين عادَ التلاميذ الى الهُدوءِ المَشْحون بالفرَح وَتجَلِّياتِهِ ، قالَ الأستاذ :

اليَوْم دَرْسُنا في قواعِدَ اللُغة العَربيةِ عن المُبتدَأِ وَالخبَرِ ، لكِنَّ اقتِراحي أنْ نتناوَلهُ في الخِرْبةِ الشماليةِ ، فالنَّهارُ مُشمِسٌ وَالطقسُ جَميلٌ ،مُنعِشٌ ومُحْتمَل . سَنقضي النَّهارَ الدِّراسِي في الخِربةِ ، عِندَ النبْعَةِ .

لم يُفاجئْهُمْ الأستاذ خالِدُ في اقتِراحِهِ . كانَ يُدرِكُ أنَّ الأمْرَ لن يَروق لِمُديرِ المَدْرَسَةِ ، الذي اقترَحَ عَليهِ السَّفرَ إلى حَديقةِ الحَيواناتِ في تل أبيب . لكِنَّهُ لمْ يُشارِكْهُ الرَأيَ ، وَآثرَ أنْ يَذْهَبوا سَيْراً عَلى الأقدامِ ، فذلِكَ غيرُ مُكلِفٍ وَرِياضةُ  مَشي وَتعَرّفٌ عَلى ما يُحيطُ بقريِتنا. تعَودّوا ، أنْ يَأتِيَهُمْ بمُبادَراتٍ مُفرِحَة ومُفيدَةٌ.

قال الأستاذ خالد:

ما جمعناه من نقود للصف يكفي لشراء خبز وجبنة وما يلزمنا مِن خُضارٍ وَفواكِهَ ومَشروباتٍ ، لِنأكُلَ في العَراءِ ، في الطبيعَةِ ، وماءُ النبعَةِ مُنعِشٌ، وقد صَدَق فيه القوْل  : ماءُ النبعَةِ يُحيي المَيِّتَ.

قال  لِتلاميذِهِ : لنْ تكون الرِّحْلة مُكلِفةً .

شَعَرَ التلاميذ بارتِياح  .

بَعْدَ بُرْهَةٍ قصيرَةٍ ، خرَجَ الأوْلادُ في الطريق الى الخِرْبَةِ .

قالَ الأستاذُ :

لن أفرِضَ عَليكُمُ السَّيْرَ في صُفوفٍ مُنتظمَةٍ ،لكِنَّ الانتِظامَ مُفيدٌ ، الانتِظامً في  الحَياة مَنفعَةٌ وَخيارُ سُلوكٍ .

وَحينَ وَصَلوا إلى النبْعَةِ في الخِربَةِ ، نجَحَ الأستاذُ في جَمْعِ التلاميذ ، فالفرَحُ كانَ لا  يَزالُ يَغمُرُ العُيونَ وَيُشيعُ نوعاً مِنَ الفوْضى المُحْتملة. فالطبيعَةُ الجَميلةُ تُوَسِّعُ  الشُّعورَ بمُتعَةِ الحُريّةِ.

قال الأستاذُ :

لِنبدأ الدَّرْسَ ، وَلنتعامَلَ مَعَهُ بقليلٍ مِنَ الجَدِّيةِ . اليومَ دَرْسُنا عَن المُبْتدأِ  والخبر.

لفّ الأستاذ شُعورٌ مُريحٌ ، أحَسَّ مَعَهُ أنَّهُ يَسْتطيعُ التكلُمَ بحُرِّية . سَألَ تلاميذهُ :

مَنْ  يُعْطينا مثلا .

قالَ أحَدُ التلاميذ بعَفوِيَّةٍ صادِقة:

الوَطنُ جَميلٌ .

هزّ الأستاذ رَأسَهُ مُسْتحْسِنا المَثلَ وَمُؤكّداً صَوابَهُ . قالَ :

الوَطنُ مُبْتدأٌ مَرْفوعٌ .

لكنهُ وَجَدَ نفسَهُ مُندفِعاً في مَشاعِرِهِ ، قالَ موضِحاً :

وَلكِنْ بهِمَّةِ بَنيهِ ، فإمّا أنْ يَعلو وإما أنْ يَهْبط .

ضَحِك التلاميذ . إنفجَروا في الضَّحْكِ . ضَحِكَ الأسْتاذ أيضا . شارَكهُمْ ضَحْكهُمْ .

قالَ الأستاذُ ، وكانتِ الشَّمْسُ تبعَثُ الدِّفْءَ المُنعِشَ في نفسِهِ ، سَأعْطيكُمْ مَثلا آخرَ :

الحُريةُ حَياةٌ .

استحسَنَ التلاميذ الَمَثلَ .

 

قالتْ تِلميذةٌ ، سُمْرَتُها جَميلةٌ ، وَلكِنْ  ببَعْضِ حَياء :

أستاذ ، لا حَياة بدون حُرِيَّةٍ .

قال المُعَلِّمُ ، مَزهُوًّا وفرِحاً بجُرْأةِ التلميذةِ الخجولةِ قليلا  :

لِنعُدْ إلى دَرْسِنا .

ألحُرِّيّةُ مُبتدأ وَالحَياةُ خبرُها .

قالَ ، مُستدرِكاً :

ألأصَحُّ ، أنْ نقولَ :

ماهِيَّتها .

وَوَجَدَ نفسَهُ مُنساقةً ثانِيَةً ، أكَّدَ :

بالحُريَّةِ نبتدِئ كلّ شئ ، فهْيَ أوَّلُ الاشياءِ .

تذكَّروا ، قال :

المُبتدأً والخبرُ جُمْلةٌ إسمِيَّةٌ ، وقد تكونُ فِعْلِيَّة ، مَثلاً ، راوَدَهُ شُعورٌ قوِيٌّ ، أنَّهُ في  هذِهِ الطبيعَةِ المُتفتِّحَةِ كالحَياةِ يسْتَطيعُ بَقّ الحَصْوَةِ ، كرَّرَ قوْلَهُ ، مَثلا :

ألوَطنُ لا يُباعُ .

ألوطنُ هُو المُبتدَأُ، وَلا يُباعُ فِعْلٌ مُضارِعٌ وَالفاعِلُ مُضْمَرٌ في مَحلِّ خبرٍ مَرْفوع ، إنَّها  الخَبَرُ، ببساطةٍ ، يُخبرُنا الخبَرُ أنَّ الوَطنَ لا يُباعُ .

سَألَ تلميذٌ ، عُرِفَ بذكائِهِ ، ولكِنْ أيْنَ هُوَ الوطنُ ؟ قالَ تلميذ  آخرُ ، قال بألمٍ ، لكِنَّ الوطنَ سَرَقوه .

إشتدَّ النقاشُ بيْنَ التلاميذِ :

اذا كانَ الوَطنُ لايُباعُ  ، فهلْ يُمْكِنُ أنْ يُسْلبَ .

سألَ أحَدُ التلاميذ ، وقد جَلسَ في طرَفِ النَبْعَةِ :

وإذا سُلِبَ عِنوَة فهل نتنازلُ عنه ؟

صَمَتَ قليلا ، كانَ كمَنْ يَسْتعيدُ أنفاسَهُ ، أوْ كمَنْ يُرَتِّبُ أفكارَهُ ، سَألَ ، عَمّا يُشغِلُهُ كثيرا وَيُشغِلُ آخرينَ :

ولكن ، أستاذ ، هل تكونُ حُرِّيَّةٌ بلا وطنٍ .

قالَ آخرُ :

حقا، هلْ تكونُ حُرِّيَّةٌ بلا وَطنٍ ؟  فمَنْ لا وَطنَ لهُ لا حُرّيةَ له ، لا يَكونُ المَرْءُ حُرّا بلا وَطن .

قالَ الأستاذُ :

جَميلٌ ما تقولونه ، لكِنْ لِنبْقَ في مَوْضوعِ الدَّرْسِ :

ألمُبتدأُ وَالخبرُ .

قالتْ تلميذةٌ ، لاحَظَ الأستاذُ انشِغالَها بقطفِ الزُّهورِ ، فكانتْ كمَنْ كلِّ هَمِّها تشكيلُ قِلادَةٍ ، قالت :

حَقيقةً ،مَوضوعُ دَرْسِنا ألمُبتدأُ وَالخبرُ ، ولكِنْ قلْ لنا أينَ نبدأُ ،لِنعْرِفَ خبرَ طريقنا . ألحُرِّيَّةُ والوطنُ ،هلْ يُمْكِنُ بُلوغَ الحُرِّية بلا وطن ؟

وهل يُمْكِنُ بناءَ وَطن بلا حُرِّيَّة ؟

صَمَتتْ قليلا ، وَعادت إلى الانشِغالِ بحَبْكِ قِلادَةٍ مِنَ الزُّهور .

وَقعَ لغطٌ كثيرٌ . ارتفعَ الهَمْسُ ، اشتدَّ قليلا ، صارَ صُراخاً.

لمْ يَدرِ الأستاذُ إلاّ وَقدْ انتصَفَ النَّهارُ، تشعَّبَ الحَديثُ . وكانَ مَوضوعُهُ الوَطنَ  والحُرِّيَّة.

فرِحِ الأستاذُ بتلاميذِهِ ، ترَكهُمْ يتناقشونَ فيما شاؤوا ، تأكَّدَ أنَّهُمْ سَيَصِلونَ إلى حَقيقةٍ ، وَإنْ أخطأوا سَيَتعَلمونَ بالحِوارِ والتجْرِبَة . أسْكتَ نفسَهُ. ولكنْ حينَ لاحَظ انتِصافَ النَّهارِ، طلبَ إليهِمِ الصَمْتَ قليلا ، فالوَقتُ حانَ لآنْ يتناولوا طعامَهُمْ في هذِهِ الطبيعَةِ الجَميلة . ألغِذاءُ  يُكسِبُكُمْ قوَّةً ، قالَ ، بلا تفكيرٍ:

هِي ما نحتاجُهُ ، دَقّقَ كلامَهُ بعَفوِيَّة :

قوةُ إرادةٍ واعِيةً ، هِي  ما نحتاجُهُ .

وقامَ يَغسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بماءِ النَّبْعَةِ المُتدفقِ في وَسَطِ الخِرْبَةِ . شعرَ بحاجَةٍ قوِيةٍ لِطرْدِ الكسَل العالق في عَيْنيهِ وَالتخلصِ مِنْ اثارِ نوْمِ الليل الماضي ، غمَرَهُ  شُعورٌ لطيف . وَوَدّ لو أنَّهُ يَستطيعُ النوْمَ طويلا ، لكنْ بحريَّةٍ وَفي وَطن  .

غمَزَ طلابَهُ بدُعابةٍ لطيفة ، وهو يغسِلُ وَجْهَهُ ويديهِ :

النومُ طويلا  يُعَلِّمُ الكسَلَ .

وَدَّ لَوْ يَهتِف بهِمْ :

اسْتيقِظوا .

 

ــــ

 

رْباع الذهَبْ

 

 

قالَ راوي الحِكايَة ،

وَما عَلينا يا أصدِقائي الصِّغارَ ، قال سعيد ، إلاّ تصْديق الرّاوي ، قالَ :

كما في كلِّ الحِكايات كبُرَ حَفيدُ جَدَّتِهِ سَريعا وكأنَّ الحياةَ لحظة وسَرْعانَ ما تنقضي ، أو كما يقولون جُمْعَة مِشمْشِيّة . حينَ كَبُرَ راحَ يعملُ في الوَعْرَة ، زرعها بَصلا  وَجادَتْ عليه بأكثر العشبِ البَرّي خضرة ، أكثر الأزهار فتنة وأطيَب الثِمارِ مذاقًا .

أحبَّ فيها تغريدَ العَصافير، طَنينَ النحل وَرَقصَ الفراشات ، فكانتْ كلُّها تغمُرُهُ سَعادَةً وتمْلأ حَياته فرحا وتتركهُ يرضى بقليلِ خبزِهِ وبصلِهِ .

لكِنَّ ساكِنا وَحيدا في الوَعْرَةِ عكَّرَ صَفوَه ، فحدَّثَ جدَّتهُ عَنْ ذلك السّاكِنِ الوَعْرَةَ ولا يطيبُ له إلا قضْمَ ما فيها من بصلٍ أخضرَ وَبَصَلِ زَهْر بَرٍّ كالزنبَق البريِّ الأحْمَر الجَميل .

قالتِ الجَدَّة في فرَح العارِفِ وقد علَّمَتهُ الحياةُ سِنينا  طويلة وشبَّ فوْقَ مقعَدِها الدِّراسي :

يا حَفيدي !

هذا الساكِنُ هُوَ الخُلُندُ ، ومُذ أتيتُ إلى الحياة كانَ فيها ، فحذارِ أن تقتلهُ ، أبْعِدْهُ قليلًا ، لِيَهْناَ بزهر البَرِّ وبَصَلهِ .

وَكانَ ما أرادَتهُ الجَدة .

وَذاتَ يوْمٍ كانَ الحَفيدُ يبْحَثُ في أكوام التراب التي خلّفها الخُلُندُ في الوَعْرَة وَقريبا مِنْ مَوْقِع يكثُرُ فيهِ بَصَلُ الزَّنبَق الأحْمَرِ البَرّيَّ حَدَثتِ المُفاجَأةُ السَّعيدة :

فيما راح الحَفيدُ ينبشُ أكوامَ التراب ، سَمعَ رنينًا أفرحَهُ ، نظرَ جَيِّدا ،فكادَ يَطيرُ  فرحًا :

قِطْعة ذَهَبية . دَسَّها في جيبهِ سرًا ولمْ يبُحْ بسره لأحد ، ولا حتى لجدَّته. وراحَ بَعْدَها يَفلحُ الوعرة باجتهادٍ فائق ، فرَحٍ وحُب !

وقد دُهِشَ كثيرًا حينَ لاحظ أنَّ الخلندَ اختفى ، كان أشبهَ بفصِّ مِلْحٍ وذاب !

ولكن ما أن أطلَّ الرَّبيعُ وعادَ الزنبقُ يزَيِّنُ الوَعَرَة وفضاءَها ، حَتى عادَ الخلندُ إلى الظهور ، ينفخُ بَطنَ الأرضِ ، فيَمْلأُها أكوامًا بنية كلوْنِ التراب، وَسَرْعانَ ما عادَ الحفيدُ يَدفعُه بَعيدًا ، ليحمِيَ البَصَلَ مِنْ أسنانِهِ القاطِعَة . وفيما كانَ يَعْمَلُ مُجْهَدًا ، سَمعَ الرَّنينَ  ثانية :

قِطْعَة ذَهَبية صفراءُ كوَهَجِ الشمسِ .

كانَ فرَحُ الحفيد غامِرًا هذه المرَّة ، فلم يستطِعْ إبقاءَ ما كانَ مَعَهُ سِرًّأ .

حدُّثَ جدَّته بالأمر ، لاحظ أنها لم تندهِشْ ، فعجب أمرها ،لكنها عاجَلَتهُ ، فقالت :

لا أخفيك يا أعَزَّ مِنْ وَلَدي ، اعتادَ جدُّكَ يَحْكي أنَّ هذه الوَعْرَةَ أسموها منذ القديم : " رباع الذَّهَب " أمّا لِماذا أسْمَوْها كذلِك ، فلمْ أفهَمْ ما عَناهُ جدُّكَ وَمَنْ سَبقوه إلى هذِه الحَياة ، حتى جاءَ مَنْ قالَ لي إنّهُ جاءَ ليبْحَثَ عَنْ كِنزٍ فيها لن يفتحَ أبوابَه إلاّ لكَ ، وهذا ما كان ، وَعادَتْ إلى الصَّمْتِ .

أمّا الحَفيدُ ، فهزَّ رَأسَهُ وَنظرَ إلى المَنكوش ، حَملهُ فوْقَ كتفيْهِ وَعادَ إلى الوَعْرَة .

ـــــ

 

ديك الحجل

 

حدَّث جمال السعيد أحفاده ذات يوم ، وكانوا يلتفون حوله مثل صيصان قرقة.

حكى: كان ذلك في زمن ارتحل منذ زمن طويل ، كدنا ننساه وإن كنا لانزال نتوَجَّعُ من جراح ما كان.

أذكر كانَ أبي يُحِبُّ صيد البر، فكان فيه بعض زادنا ، ما نأكله وبعض سلواه.

كان يخرج ، خاصة في الخريف ، يومين أو ثلاثة ، يقضيها خارج البيت في منطقة قريبة وأخرى بعيدة ، يخرج مرتين كل شهر ليزودنا بما اصطاده ،

يخرج عصرا إلى وادي القرار القريب ، حيث كان لا يزال يتجمَّع ماء في أجران صخرية ، يبحث عن ديوك حجل ، ملون الريش ،عن رقاطي ، حمام البر، دُيوك السُّمَّن وعن بعض أرانب برية ، يصطاد منها ما طالت بندقيته ، حين يحسن التصويب ، وكان يخرج صباحا برفقة صحب له إلى غور الحولة عند النهر وبعيدا إلى الشرق ، شماله وجنوبه ، يصطاد فيها بعض طيور مهاجرة وبعض ما يتوفر من طيور تلك التي كانت بلادنا .

وكان إذا أصاب صيدا وفيرا وبَسُمَ له الحظ ذلك اليوم ، يُبْقي أكثر صيده لأصدقاء هناك من عرب " البقّارَة "، الحسينية أو الخالصة أو بعيدا في قرى الهضبة السورية ، حيث كان يبيت بعض الوقت ، ثم يعود وصحبه ، فيكون يومها حفل وتعمر موائد ويملأ فضاء بيوت القرية بعض دخان .

لاحظ الجد جمال السعيد أن دمعة ساخنة فاجأته عندها ، فكشفت للأحفاد حزن الجدِّ ، لأن ذلك الزمن ارتحل من زمن طويل وحل مكانه ما لا يفرح القلب ولا العين.

حزن الصغار ، لكنهم لم يذرفوا دمعة ، كان همهم أن يسمعوا ويعوا بعض ما كان.

مسح الجدُّ تلك الدمعة الساخنة بطرف كمِّ قميصه وتابع ما ابتدأ من حكي ، وكان الصغار كما في كل الحكايات يصغون .

حكى : في ذات يوم سقطت قريتنا أسيرة في قبضة جند أتوا من البحر، من الناحية الغربية للقرية ،

تعرفون ما ومن أعني ؟سأل الجد !

ثم راح يواصل حديثه ، فكان لا يتوقع جوابا على ما هو معروف ، يدركه حتى الصغار أشباه أحفاده ، قال : يومها أخذ الجند بندقية أبي ، فحزن طويلًا والتزم البيت.

مرت الأيام سريعة،

قضيناها بين همٍّ وغم،

زرع وقلع،

لاحظنا ثمة من راح يجيء لينعم بما فقده من رُحِّلَ وأبْعِدَ عَمّا كان مراحَ صباه .

وبعد عشر سنين كبرْتُ وَوَعيتُ جَيِّدا ًما كان وما أصاب أبي يوم فقد بندقيته ، أحكموا حول قريتنا الخناق وسدوا عليها النوافذ ، فباتت لا ترصد حتى لحظة هبِّ نسيم وبات هُوَ يحلم بخفقة جناح .

جاءني أبي حينها ،

قال :

أريدك ،

يا ولدي ،

أن تجيء معي إلى من فرضوه حاكما علينا ، علَّهُ يتفهم حاجتي لبندقية صيد ، علني أعود إلى ما كنتُ ، رُبَّما الحاكم لا يفهم لغتي ، علك تعينني في سؤال اللغة ، فأنت أدرى بلغته!

تابع الجد كلامه :

رحب الحاكم بنا وقال لي شرط لإعطائك تصريحا باقتناء بارودة صيد ! شرطي بسيط وهَيِّن :

أن أصحبك إلى الصيد ، لأعرف حسنا أماكن الصيد وأوانه !

 

قبل أبي الشرط وخرجنا عائدين إلى البيت.

لما يمر وقت طويل ، اشترى والدي بندقية صيد ومرخصة.

وكان أن أقبل يوم خريفي ، تأهب فيه والدي للخروج معا للصيد في وادي القرار ، المطل جنوبا على قرية شعب ، شرقا على قرية مجد الكروم وشمالا على موقع قريتنا.

 

أذكر :

 

ليلتها لم يخفِ أبي مخاوفه ، فذلك الحاكم اعتاد في شبابه صيد ناس لا صيد طير بر،

أخاف أن تسهو بصيرته ، فينسى ما نحن فيه ، يحسبني صيده ، يطلق الرصاص عليَّ ويرديني قتيلا!

 

وجاء يوم ، خرج فيه والدي ، يصحبه الحاكم إلى موقع وادي القرار .

وبعد مضي ساعات عاد بلا بندقية وبلا صيد،

عاد وفي عينيه يلمع فرح حزين.

 

سألته أمي لحظة اجتاز عتبة بيتنا القديم :

 

يا سعيد !

خير إن شاء الله !

ما الذي حدث ؟ أين البندقية.

 

ساعتها ، لم يجب والدي ، ألقى بجسده المتعب قليلا وطلب أن نأتيه بفنجان قهوة !

انجمعنا حوله وكلنا سؤال قلق :

ماذا جرى ؟

 

أذكر ، قال الجد جمال السعيد لأحفاده :

 

بعد أن احتسى فنجان القهوة ،نظر إلى الحضور ، تأمل سقف البيت قليلا ، ثمَّ فتح فمه وتحدث :

حين وصلنا أعالي وادي القرار عند موقع الليّات ، ذهب كلٌّ منّا في سبيله ، حملتني رجلاي إلى منخفض الوادي ، حتى بلغتُ وادي الحلزون الواقع بين قريتي البروة والدامون ، لاحظتُ أن ديوك الحجل طارت بعيدا ، اتخذت خرائب ما كانت الدامون

أعشاشا تبيت وتفقِّسُ فيها ، وبعد تعب جري في أثرها ،أفلحْتُ في صيد ثلاثة منها ، عدتُ بعدها إلى حيث افترقنا ، أنتظر عودة الحاكم!

 

كانت المفاجأة ، أوضح أبي ، لم يذهب الحاكم بعيدا ، اتخذ له مخبأ ًعند جرن ماء صخري ، وضع قربه ما جلبه معه وأخفاه عني ، قفصا فيه ديك حجل أسير ، فراح هذا يغرد لافتا انتباه الديوك البعيدة ، تأتيه زرافات ودون وعي بما يراد بها ، فتقع فريسة صيد سهلة.

 

وهو ما حدث.

كان الديك الأسير ينادي أشباهه ليقعوا في مرمى رصاص الحاكم .

انفجر أبي غضبا ،

حين أدرك سر اللعبة ،

وأن هذا الديك الساذج يُسَهِّلُ أمر صيد من كانوا شبهه .

لم يضبط أبي أعصابه ، حدَّث الجد ، ألقى أرضا بما كان في جعبته من ديوك ثلاثة ، ودون أن يدري أو أن يطلع الحاكم بما نوى ، فاجأهُ إذ أطلق النار على ذاك الديك الأسير، وقذف بعدها ببندقته إلى عمق الوادي ، تاركا الحاكم في ذهوله ، وراح يمشي صوب القرية.

لاحظ جمال السعيد أن الأحفاد ذهلوا مما سمعوا من جدهم وكيف سمح أبوه لنفسه بقتل أسير ولو كان ديك حجل ،

اختلفوا في الرأي فيما بينهم وعلا صراخهم .

 

أما الجد جمال السعيد ففرح في سره حين سمع احتجاجات الأحفاد الصارخة،

لكنه أسرَّ لهم هامِسًا :

حدثني أبي قبل موته أن أكثر ما آلمه هو قتل ديك الحجل وهو في القفص وقد أكد لي بما يقارب الندم أكثر من مرَّة :

يحزنني ما لقي الديك الأسير، لكن من يسهِّل ، بغبائه ، قتل أترابه لا يستحق حياة !

أحسَّ عندها الجد جمال السعيد أنه قال للأحفاد كلِّ ما كان وما سيكون ، رتب هندامه قليلا ونهض ليهرب بعينيه من نظرات أحفاده

 

* ـ هذه واحدة من مجموعة قصص قصيرة لجيل ما بعد الطفولة ، اسمها " حفيدتي والديناصور " ، صدرت عام 2009 وستكون مستقبلا واحدا من نصوص عمل قصصي طويل نسبيا ، آمل أن أنجزه طالما طال عمري قليلا ولم يخنّي عقلي وما فيه من ذاكرة وتجربة حياة وبدأت بالانشغال بنصوصه .

ـــ

البرتقالة

 

 

حدثني صديق ، عملت بصحبته طويلا ، قاسمته ألم الشقاء في الحياة وحلمها وكنت أحب حديثه ، إذ  أدخل البهجة إلى نفسي ، في زمن لم يبق فيه مجال للبهجة الحقيقيَّة .

جاءني ، يومها ، منهكا ، لاهثا ويقطر العرق من جسمه.

قال :

شُبِّه لي ما حدث يصعب تصديقه ، لكنّه حدث .

وجدت نفسي أسوق سيّارتي الخربة على الدرب  المحاذي للبحر وحيث كان ، مرة ، يقطن ويتوالد ويموت ناس الطنطورة وكفر لام وزمّرين وعين  غزال وسيدنا علي، في أرض، اسْتُبْدِلَ أهْلُها، ذات يوم كانت فيه الناس في كبوة نهارية.

فاجأني ما رأيتُ.

كانت تتقدّمني شاحنة محملة ببرتقال، خلته مقتلعا من بيّارةٍ ، كانت، ذات يوم ، عامرة ، عند نبعة  العسل في أرض الكابري. أو هكذا ظننت، فربما كان من أرض، بات اسمها وسماءها مَنهوبَيْن . أذكُر منهما يافا وشَطَّها المحزون .

رأيت برتقال الشاحنة يتساقط على الدرب، الذي كان يوجّه سيارتي . وقد فاجأني، أن كثيرين، ممن  لا افهم لغطهم، استقلوا سيّاراتهم، خاطفة العيون ببريقها، وراحوا يجرون وراء حب البرتقال المتساقط من الشاحنة ويزدردونه بنهم ، لم أر له شبها.

وما إن رأيتُ الحالة، نسيتُ أنَّ للبرتقال أصحابه، وكنتُ أحدهم، تركت مقود سيارتي وانضممت إلى الجارين وراء حبات البرتقال، ولكن مشيا. ولم أكن أدري ! أكان جريي لغرض المشاركة ، لو الهزيلة ، في قضمها وازدرادها أم لالتقاطها، منعا للضياع ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ذلك اليوم .

رأيت حبّة برتقال صفراء، شديدة اللمعان، تتدحرج أمامي، فركضت خلفها، وبي رغبة جنونيّة للإمساك بها. ولكن كلّما كنت أقترب منها، تأتي ريح قوية، فتدفعها وتفلت من بين يدي، فلا أطالها، فأعود إلى الجري من جديد.

وأعاود جريي ، وكأنّه قدري، حتى بتّ أخشى أن أصاب  بخلل في عقلي وأومن كالآخرين أنَّ لي  قدرا، وكنت قبلها أيقنتُ أنَّ ما يحدث لي هو من صنيع آخرين وصنيع يَدَيْ بعض من حسبتهم إخوة، تربطني بهم رابطة دم لا أكثر .

وكانت المفاجأة، حين قادني جريي إلى ما كانت يوما ملحقة، فصارت سيّدة في غفلة من زمني، اختفت عندها الشاحنة عن عيوني، إذ استطالت، فصارت سفينة كبيرة، تقلع في بحر، لا آمن شطآنه  واختفت كذلك حبّة البرتقال الوحيدة، التي طالما كنت أرعاها بعيني، كيلا تغيب عن نظري وأنا  أجري، مشيا، وراءها ويكبر داخلي شعور أنَّ فيها خلاصي مما أنا فيه.

وها أنا أجيئك، متعبا وما هدّني الجَرْيُ، ولكن هدني الخوف من احتمال ضياع حبّة البرتقال،  فامض، قال:

أرجوك !

امْضِ طلبا في البحث عنها ولا تتهاون حتى تجدها، ولمّا يزدردها البحر، فتعود بها إليَّ وأعود .

 

 

حسن الممروش لم  يتناول عشاءه  ذلك  المساء

 

في مكان ما على الطريق العام ، الذي لم يعد ملك أصحابه والصاعد من عكا الفينيقية والواقعة  غربا على البحر ، عند القرن الشمالي من صخرة الخليج  ، الى مدينة صفد الكنعانية الممتطية ، بشموخ ، ظهر جبل كنعان والمطلّة على وادي عامود ، الذي كان عشا للنسور والرعيان من بدو  ظهر الجبل والغني بمائه العذب قبل أن تغمره المياه العادمة – كريهة الرائحة –  لمدينة صفد الجديدة ، تقع وعرة الدّبة التي ابتنى فيها وعلى مرتفعها حسن الممروش بيته الجديد ، بعد أن أبعد قسرا عن  كفر عنان في ذلك العام الذي يحزنه كثيرا ما كان فيه ، فلا يحب تذكره وذكره .

ألقى حسن الممروش بجسده المتعب على الحصيرة التي افترشتها زوجته عند مسطبة الباطون أمام مدخل بيته .

كان الطقس ، في ذلك المساء الجليلي ، لطيفا  وباردا بعد نهار شديد الحرارة .

أحسَّ حسن الممروش بتعب العمل ، ذلك النهار ، في المحجر الذي بقي لأبي يعقوب البعناوي والواقع على الطريق الوعري في منتصف الدرب الترابي القديم ، الذي يربط بين قريتي نحف  وساجور، على أرض مصادرة ، لم يعد أحد يتذكر أهي من نحف أم ساجور ، أم البعنة أو الدير ، وقد  باتت ، بقدرة قاهر ، ملكا لشازور وكرمئيل المشيدتين حديثا.

لم يتمكن حسن الممروش في ذلك المساء الجليلي الجميل النوم كالعادة . وقع فجأة فريسة أفكار وهموم ، ازدحمت في مخيلته وأبعدت عنه النوم الذي كان جسده المتعب في أمسّ الحاجة اليه .

* * *

 

هبّت ، ذلك المساء ، ريح خفيفة ، داعبت جسده المتعب وكادت تنسيه حرّ ذلك النهار وتريحه قليلا من  تعب العمل في المحجر وكادت تدفعه الى أن

يصيح بأعلى صوته :

ما أجملك يا وطن .

لكنّه لم يفعل ذلك ، فلم تغب عن باله ذلك المساء وكل مساء حقيقة أنهم سرقوه . وظلّت الأفكار ترِنُّ في عقله وأذنيه وتزدحم أمام عينيه ، اللتين هرب منهما النعاس ، صور شخوص يعرفها جيدا وأخرى  يعرفها قليلا ، لكنها حضرت مجتمعة ذلك المساء :

أبو حسين لمباركي من النهر ، حميد أصلان من أم الفرَج ، حسن هواش من البروة،  خليل دباجة من عمقا ، أبو بدر خطيب من كويكات ، دياب عوض المغربي من الغابسية ، سلمان العلي من فراضية وقاسم الشلبي من صلحة وغيرهم كثيرون ، اعتاد يلتقيهم عند صلاة الجمعة في جامع الجزار الذي حرمته الأبنية الجديدة الشاهقة في عكا من متعة الاطلالة على مشهدية الجليل الجميل .

كانت الريح الخفيفة ، المنعشة قليلا ، آتية من موقع المرجة عبر الجرف الصخري ، شديد الانحدار ، الواقعة عند مفترق الطريق الموصل الى بيت جن شمالا والى البقيعة غربا ، القريتين المدهشتين بطيبة أكثر ناسهما وبجمال طبيعتهما ، والواقعة عند أقدام جبل حيدر ، الذي التصقت بمنحدره الجنوبي قرية الرامة، التي بدت لحسن الممروش ، ذلك المساء ، مثل عروس عاشقة وملتهبة العشق ممسكة بأطرافه .

 

* * *

 

أدركت زوجة حسن الممروش أن  زوجها لم يسترح لسكنى بيته الجديد في الدّبّة ولن يألفه مهما  يطل الزمن ، بناه حين صار لاجئا  وظلّ فيه لاجئا . شعور قوي ظلّ يعيده ويشده الى كفرعنان . وكما  أكد لها مرارا :

لا شيء يعدل الوطن . صحيح لم يذهب به الرحيل بعيدا ، وما زال في وطنه الأكبر، لكن كفرعنان ،  قريته الصغيرة ، ناسها الذين رحّلوا قسرا ، ظلّوا وطنه الذي يفتقد .

حدّثها أكثر من مرّة :

ناسه هم الوطن ، أترابه الذين كبر بينهم وقاسمهم اللعب والشيطنة في حواكير كفرعنان والتي خبر جيدا كل تينة وزيتونة فيها وعرف كل موكرة أرانب وأين تقع أعشاش الطيور ومواعيد تفقيسها وأين تقع نبعة الماء ، التي يردها العجّال وتردها الصبايا في  الأماسي ...

هذا  العالم ، قال لها مرة ، هو الوطن .

وهو ما يفتقده في الدبة وناس التلة ، القرية المجاورة . أحب ناس  التلة ، بعجرهم وبجرهم ، بطيبتهم وسيئاتهم ، لكنه أحبّ أكثر قريته كفرعنان ، ماءها وهواءها ، بيوتها الطينيّة وأزقتها الضيقة ، أحبّها بفقرها وشظفها ، لأنه أحبّ ناسها ومهد صباه.

في كفرعنان عرف حبه الأول ، الفتاة التي صارت زوجه .

 

 

* * *

 

 

عرفت زوجة حسن الممروش زوجها جيّدا ، خبرته طويلا ، فقد ربط  بينهما العيش والملح والاولاد ولذّة افتراش الأرضيّة والتحاف العراء في الليالي المعتمة . وربط بينهما حلم جميل بعالم سعيد طال انتظاره ولمّا يلح فجره في الأفق . قاسمته مرارة الحياة وقليل حلوها ، ترحها وفرحها ، منغصاتها وهنائها ، فصارت تعي وتعرف كل  بادرة تنمّ عنه ، تقرأ كل اشارة في  عينيه وكل حركة في جسمه ، الذي طالما انشدّت اليه واحتضنته بشدّة .

لاحظت ذلك المساء أن زوجها يؤثر البقاء فوق الحصير المفروش فوق مسطبة الباطون التي  أحاطها بتراب جلبه ، خلسة وعلى دفعات ، من الأرض، التي كانت لهم ، العامرة بكروم التفاح في  حضن الوادي الخصيب والواقعة على الطريق الصاعدة الى جبل حازور ، الذي يحتضن بحنان أم قرية المغار المهووسة بعشق بحيرة الجليل ، فتديم النظر اليها ، ليل نهار ، والى ما كان من كروم  الزيتون التي ابتلعها الغول ، في غفلة من الزمن ، هي وشبيهاتها من أرض طيّبة في عين لبون ودير  حنا وعرابة  وسخنين .

وضعت العشاء على أرض المسطبة ، قرب الحصير ، الذي  افترشه حسن الممروش فور عودته الى البيت متعبا ، ورجته أن يتناول عشاءه ساخنا وقبل أن تطاله برودة المساء .

لكنّ حسن الممروش كان مشغولا بأفكاره ، التي أنسته أو كادت تنسيه تعب ذلك النهار ، فلم يتناول عشاءه ذلك المساء . ولم يقربه ، رغم أنّه كان يحب ما أعدت له من طعام عشاء :

صحنا من البامية  الطازجة مطبوخة بالبندورة وبالثوم – قوي الرائحة – ورغيفا أسمر من خبز القمح ، الذي أعدّته في  موقدة الحطب جارتهم أم محمّد من فرّاضية ، ورأس بصل وكوب ماء جلبت ماءه المنعش من نبعة الدبة.

 

***

لم يشعر حسن الممروش كيف غابت الشمس واختفت وراء الجبل الراكع مثل عابد خاشع أمام قرية مجدالكروم ، العامر بتينه وزيتونه وقد بدأت تمتدّ اليه يد خفيّة وأخرى مرئيّة ، تطلّ أحيانا من مباني  كرمئيل الشاهقة وأحيانا أخرى من فيلات تسوريت وغيلون المطلة على شعب في الجنوب ، التي  نجت يومها من مصير أخواتها – ميعار والرويس والدامون ، والمطلة كذلك على مجدالكروم في  الشمال.

لم يدر كيف انقضى الوقت سريعا ، سرقه دون أن يدري ، حدّث نفسه ، حين أفاق:

يا زمن ، ماذا أنت فاعل بنا ؟ .

 

***

 

استدار بجسده المتعب، عدّل من جلسته واعتمد في الجلوس على يساره .

وكان اعتمد طويلا على  يمينه الذي أتعبه فاستبدله ، علّه يرتاح قليلا . لكنه لم يطل الاعتماد على يساره ، سرعان ما عاد الى  الاعتماد على يمينه . علّل نفسه بعض الشيء . لم يتركه التعب ، لكنّه اعتاد الجلوس متكئا على يمينه , فهذه عادة ألفها منذ صغره ، أو أنه حُمِّلَ على أن يألفها . اعتاد الأكل بيمينه والكتابة والخربشات  المختلفة بيمينه ، اعتاد تحريك عينيه ، عند القراءة ، من اليمين ، حتى أنه ظنّ أن أهل الجنة سيكونون  ممن حملوا كتابهم بيمينهم .

شعر أنه ذهب في هواجسه بعيدا، طلبا للراحة ، بعد ذلك اليوم المضني من العمل في المحجر .

 

***

 

لفت انتباهه أنّ القمر كان بدرا في ذلك المساء . وقد بدأ نوره يتسلل الى البقعة الجميلة طالعا من وراء جبل كنعان ، كان جميلا يضيء عتمة البقعة . نظر يتأمل الشارع الممتد بتعرجه الجميل وسط  كروم زيتون الرامة القديم وشديد الخضرة . رآه مدهشا بجماله .لاحظ أنه لم ينتبه كفاية الى ما فيه من جمال . تعب العمل اليومي كاد يهدّه ، فلم يُبقِ له متسعا من الوقت للتفكير السليم والتمتع بجمال  المكان .

اعتاد السير على الشارع مشيا في طريقه لزيارة ما كان يوما بلده ، أرضه وقريته . يمر وسط الكروم  كل يوم ، لكنه لم ينتبه لجمال المكان وجلال هيبة الزيتون " العماري " القديم . كان جمال كفرعنان أكثر  ما  يشغله .

أمعن النظر قليلا ، رآه كيف راح يزحف ببطء متفرعا الى أماكن عِدَّة طالما زارها :

وادي سلاّمة الجميل ، الذي لم تسلم طواحين مائه من ريح صرصر ، فصارت خربة ، يسكنها الغربان نهارا والبوم ليلا ، والطريق القديم الصاعد الى جبل حازور الغارق في بحر زيتون ، والجديد الذي يشق ظهر الجبل ، عند كفر عنان ، مشرّقا الى حوض البحيرة وسهل الحولة في الغور المنخفض وشديد الحرارة ، وذلك الصاعد الى صفد مرورا بعين الأسد وفرّاضية وعين زتون والصفصاف .

أخرج تنهيدًا قويًّا ، طلعت من أعماق صدره المتعب . انتابته حسرة مفاجئة ، لكنها مزمنة . سأل نفسه لحظتها :

كيف لم ينتبه من قبل الى جمال هذا المكان ؟.

حدَّثَ نفسه :

كل بقعة في هذه الأرض ولها جمالها .

كل مكان يجمل في عينيه .

يكفي أنه جزء  من وطن .

لكن تقدّمت به السنون قليلا دون أن يشعر ، ليته كان الزمن يتوقف عند كفر عنان . بات يحس بالتعب ، ذهب الشباب ، يوم رحّلوا شمالا . أخذ تعب العمل واقتطاع صخر المحجر ينال منه ويهده.

شعر لأول مرّة ذلك المساء ، أن العمر مرَّ سريعا ولم تلح أول الطريق العائدة الى كفر عنان . بلغ من العمر الستين . قضى نصفها في كفر عنان ، وقضى النصف الثاني في وعرة الدّبّة مسكونا بحلم العودة .

كان سيتوقف عن العمل، لولا حاجته الملحّة أن يعلم ابنه الصغير في ايطاليا. وكانت جامعات البلاد قد أغلقت أبوابها في وجهه بكل أدب . اراد ان يتعلّم احد الفروع الدقيقة التطبيقية ، لكنهم بأدب جمّ رفضوه.

وفي الغربة كان من يتكفّل بإقناعه أن يدرس الطب ، فقبل مرغما وكان يحب هندسة الطيران . ارتاح  حسن الممروش لخيار ابنه ، فكان خاف عليه أن يصير متسكعا في الشوارع أو أن يختطفه الأمريكان ، فيصبح عبدا لهم وعقلا في أسواقهم ، كما أصاب كثيرين .

ارتاح حسن الممروش لخيار ابنه ، اذ تذكّر يومها ما كان مآل صبيح نعيم الهيب من طوبا .

تذكَّرَ :

كان أبوه نعيم الهيب عضوا متطوعا في الفرقة المحاربة الصدامية المسمّاة " بلهيب " ، التي عرف جنودها بحسن هندامهم وطلتهم السمراء اللافتة للانتباه وذقونهم الحليقة وشواربهم السوداء المعتنى بها بشكل خاص وحسن وفائهم للقائد ، أيا كان، وحبهم للاستعراضات  العسكرية والأعراس ، التي كانت تشكل لهم مناسبة لعرض ما في حوزتهم من اسلحة واطلاق رصاص بغزارة في الفضاء ، واشتهروا في الخمسينات بملاحقة من كانوا يوصفون بالمتسللين ، الذين تمادوا ، كما كان  يقال ، بالحنين الى ما كان مهد صباهم .

وبحكم هذا الماضي  نجح أبوه في ترتيب وساطة له ، فقبل في بار ايلان في فرع الكيمياء النووية . وفي السنة التي حصل فيها على درجة الدكتوراة ، قتل أبوه ، وكان يسوق مختالا ، كما يحكون ، سيارة جيب تابعة لحرس الحدود فوق الأرض التي كانت مرة أرضاً سورية.

نفر حسن الممروش من مجرّد تذكّر الأمر . قال بغضب مكبوت :

مأساة أن يصبح التعلّم واسطة . وما أزعجه في الأمر كثيرا أن صبيح عمل بعد دراسته معلما في ثانوية القرية المجاورة . وبعد سنين شاع خبر أنّ صبيح وقّع مع الأمريكان عقد عمل ، يلزمه عدم  الخروج من أمريكا ، طيلة عشر سنوات ، والعودة الى بلده مرّة واحدة في السنوات العشر الأولى ، اختار يومها أن تكون عودته يوم وفاة  أمّه وطفة حسان الهيب . ومن يومها لمّا يعد . خاف حسن الممروش مثل هذا المآل . فارتاح لخيار  ابنه . المُهِم أن يتعلّم ويعود ، قال محدّثا نفسه .

 

***

 

كان أبو يعقوب البعناوي انسانا طيّبا ، حسن السلوك والسمعة . طيبته وليست قراءاته هي التي  حددت قناعاته ، مسلكه العام ، وفيما بعد ، قناعاته وصحبته . وجد بيئة ، تغلب عليها الرومانسيّة المتنوّرة والحلم بعالم جميل ، تسوده العدالة الاجتماعية ومساواة الناس وتنتفي منه كل الشرور . لقي نفسه واحدا منهم ، فأخذ يثقف نفسه ويقرأ أدبا جميلا بصدقه وانسانيته .

عرفه حسن الممروش منذ كانا ولدين ، يدرسان في الناصرة ، خبر فيه طيبة احترمها كثيرا ، كان  طالبا نجيبا ، مجتهدا ، يساعد الآخرين وطموحا في كل ما أتى . وفي العام الذي أسمياه "عام الشر"  جمع بينهما صدفة مصير ، ارتبطا بعده بشكل أوثق . جمعهما المُ ما كان ولا يزال.

حدّثه أبو يعقوب عما كان وصار ، قال :

لن أنسى ما حييت ما كان في ذلك العام .

في ربيع ذلك العام الحارق ، أتوا من الغرب ، من طلعة الليات ، عند وادي القرار الواقع تحت  مجد الكروم وفوق البروة وشعب ، يسبقهم في جنون الريح نبأ المجزرة ، التي وقعت في دير الطنطورة وكادت تتكرر في مجد الكروم . لم يكن ثمّة ما نحتمي به ونحمي به انفسنا غير الكنيسة ومقام الأسد فهربنا الى الكنيسة ، وهرب كثيرون الى دير الأسد المجاورة ، التي ثبت أنها لم تكن احسن حظا من البعنة . قال أبو يعقوب ، وكان يمسح دمعة عاندته فانهمرت رغما عنه ، قال :

أذكر ، جمّعونا ، يومها ، عند عين البلدة ، في ملتقى الطريق الترابي ، الذي كان يجمع بين القريتين . أُخرجتُ من الكنيسة حافيا . وكان بعضنا في قمصان  النوم ، شبه عراة . واختاروا منا أربعة شبان ، قتلوهم عند العين ، اثنين من البعنة  واثنين من دير الأسد ، اختارهم عن معرفة رجل ، أسميناه  " رجل الخيش " ، وبعدها صدرت الأوامر :

كبار السن ومعهم النساء والأولاد الى سوريا ولبنان ، اما الشباب فا قتيدوا غربا ، وكنت بينهم ، إلى معتقلات " كردانة "و" عتليت " و" صرفند " .

 

***

تذكّر حسن الممروش ، ذلك المساء ، ما رواه أبو يعقوب البعناوي ، قال :

كان المعتقل سجنا كبيرا ، نقيم فيه ، وسط خيمة مفتوحة على الفضاء ولكن سدنتها كانوا يحصون  كل أنفاسنا . كان المعتقل عذابا وجوعا وكان مهانة وقملا . وشاءت الصدف ، يومها ، أن لم يرتحل  الكثيرون من اهل البعنة ودير الأسد بعيدا ، شمالا وشرقا ، بقوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في منطقة  " المحوز " الواقعة بين يركا ، المطلّة على مشهدية الخليج الرائعة غربا وعلى وادي  المجنونة شمالا والغافية عندأول الجبل ، وبين الوادي الذي يحتضن في أعلاه كسرى ويانوح ،  اللتين كانتا من المعاصي وباتتا مشرعتيّ الأبواب أمام الشبح الطالع ممّا عرف بأدغال يانوح  وترشيحا وقد اشتهرتا بعنبهما المشهّي، ويضم في المرتفع ما كان من عرب الزنّار، الذين باعهم كبير من كبارهم ، باعهم بمراعيهم وحواكيرهم العامرة   في ليلة لم تعرف ميلاد قمر ولم تشهد تساقط  نجوم .

قال أبو يعقوب البعناوي يومها لحسن الممروش ، الذي خبرالمعتقل ، هو بدوره :

ما أمرّ أن يفقد المرء حريته ولو تحت قبة السماء المفتوحة . أن تنتزع حرية المرء ، أفظع من أقسى  عقاب .

هزّ حسن الممروش ، حينها ، رأسه وردّ في حزن بالغ :

ولكن ما أقسى منه هو أن تنتزع حرية المرء ويؤخذ ما كان له ، تعسفا. ما أفظع أن يبدو القاتل  قتيلا ، فيبدو القا تل وكأنّه القتيل ! وتقع البلبلة المتعمّدة . وما أمرَّ أن تحاول الضحيّة اثبات أنها  ضحيّة ، في وقت يكثر فيه الجناة والصامتون .

ولفّهما صمت شوّشته ضربات شواكيش المحجر .

وبعد فترة وجيزة روى أبو يعقوب البعناوي ، متابعا حديثه :

أفرج عنا وعدنا الى البعنة ،عدت الى العمل في التعليم . ولكن سرعان ما فصلت منه ، أنا وزملائي ، قال ، فعملت في محجر صخري ، بقيت أرضه لأهلي صدفة . وقدالتقينا في مظاهرة ، أنت وأنا ، قال ، وتوطدت معرفتنا . جمعنا الألم والمصير وها قد ضمنا سقف واحد – المحجر .

اغتصب ابو يعقوب البعناوي ابتسامة ، أفلتها ليُرَفّهَ عما فيهما من ألم .

وصارت زمالة المدرسة رفقة قناعة وصحبة عمل . أكد  حسن الممروش ، مكملا ما ابتدأه أبو  يعقوب البعناوي.

 

***

كان حسن الممروش يحترم مشغّله أبا يعقوب البعناوي ، دفع ، بداية ، ثمن قناعاته ودفع ، لاحقا ، ثمن  انتمائه . وفي الحالتين كان الثمن مكلفا وصعبا . لم يسئ له يوما ونشأت بينهما علاقة زمالة ، فلم يشعر أنها علاقة مشغّل وشغّيل ، فكانا يخلوان طويلا ، في ساعة القيلولة ، يدخّنان سيجارة ويتبادلان  أطراف الذكريات ، خصوصا ما كان وما صار.

حقا تبدّل حاله ، صار مشغّلا مجتهدا ، وكثر ماله . وكثرة المال والجري طمعا به مفسدة وأية مفسدة .  ولاحظ أن بعض صحبه تبدَّل وتغيّر وظهر أصدقاء كثيرون . تبصرهم ، كالفطر بعد المطر أو كالقطط في شباط ، شديدة الرائحة ، يكثرون حيث يظهر المال . فله رائحة مذهلة ، تشدهم اليه . ولاحظ كذلك أن  بعض مسلكياته تغيّر . لكنّه ، رغم تبدّل أحواله ، ظلّت فيه طيبة ، لاحظها حسن الممروش ، فظل يحترمه ، وقد علقت به منذ الطفولة ، منذ كان صغيرا ، يدرج في شوارع قريته ، ظلّتْ هذه الطيبة تلازمه .

 

***

في لحظة نسي أبو يعقوب البعناوي نفسه ومن يكون ؟ .

خاف حسن الممروش ، فصارح أبا يعقوب البعناوي ، كان يعزّه ، فاتحه وكشف ما كان يخيفه حقا .  حذّره مما كان يبيّت ضده . قال له حسن الممروش :

ليس العيب في أن تغتني ، ولكن الخوف من أن تصبح أسير بحثك ، الذي لن يعرف الحدود ساعة  يبتدئ ، عن مزيد من المال .

زاد خوف حسن الممروش ، حين سمع أبا يعقوب البعناوي يتحدّث عن جسور ، يريد بناءها بين من أخذوا كفرعنان وبين من هم على شاكلتهم من عرب الصحراء، فأولئك ، أكّد حسن الممروش لأبي  يعقوب البعناوي ، لا يريدون جسرا بين الناس ، كل الناس ، يعبرون عليه في الاتجاهين ، شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، فما يريدونه ممرات تعبر من خلالها عصيّهم الطويلة ، متى أرادوا .

 

قال حسن الممروش لمشغّله ، زميل ألمه ، ان أولئك ، مَنْ يعيشون في تخوم الصحراء ، ومن يحكمون  قلب الصحراء لا يريدون الخير لناسهم ، فكيف يحلمون بالخير لغيرهم . عضّ على شفتيه ، آلمه كثيرا الجرح الموجع الذي يوجعه منذ رحّلوا عن كفر عنان ، وسكت طويلا .

***

آلمه في ذلك المساء ، الذي لم يتناول فيه عشاءه ، ما أصاب أبا يعقوب البعناوي . شعر أنّ ما أصاب  أبا يعقوب ، أصابه ، فكان يحسُّ أنّ كليهما في المأساة واحد .

حَزِنَ يومها حزنا شديدا .

***

عرف حسن الممروش حقيقة ما كان ولا يخفى على أحد . سمع مَنْ يحكي :

قيل أ نّ سفينة كانت تقلع في البحر يمتلكها من نسي أنّ من حسبهم صحبه

الجدد كانوا من كان يجمل به أن يأمن شرهم ، لكنه تهاون فكانت  العاقبة

وخيمة . وكانت السفينة في أول عهدها قارب ورق يطفو في طست ماء ، فغضّ

من ظنّهم صحبه ، يشاركهم اللعب في الماء ، غضّوا البصر قليلا ، وحين صارت سفينة ، تمخر في البحر وتنقل القمح ، بين بحرين ، أوما كاناه ، دسّوا فأرا بين قمحها ، فلم يره صاحب السفينة ، فسمن هذا وكبر كثيرا، فثقب قاع السفينة وأغرقها ، وكان أول وآخر الناجين .

أحزنه ما وقع وما كان من أمر السفينة ، فتذكّر في ذلك المساء أمره :

فقد السفينة والبحر .

وحكي ، ضمن حكايا كثيرة أخرى :

ان رجلا كان يطيّر طائرة ورقية في فضاء لم يحمه كفاية ، فتسلل اليه

من حسبهم ظله ، فشاركوه اللعب :

تطيير طائرة الورق .

ولكن حين طار بعيدا ، وحلّق في الفضاء المحدود ، رموه بحجارتهم ،    فأوقعته أرضا وتركته لجراحاته ، التي طالما ذكّرته بجراحات كفرعنان .

آلمته وقعة الرجل ، فشكى وجعا في أضلاعه ، هو ، جهة اليمين . طلب الراحة لجسده المتعب ، فاستبدل  يمينه بيساره وارتاح قليلا . اعتمدعلى جانبه الأيسر ، فاطمأنّت روحه ، ذلك المساء الذي لم يتناول فيه عشاءه .

***

حين تذكّر أبا يعقوب البعناوي ، وكان كمن أفاق من واقع أخافه ، خشي أن يكون فقد أكثر ما جناه ، خسر أبو يعقوب تعب العمر . فما أصعب من أن يفقد المرء ما اجتهد وكدّ في تحصيله .

شعر ، وكان يتكئ بارتياح على يساره ، أنّ بعض الخسارات لا تعوّض .

فكّر في أمره طويلا ، قال ، الموت ليس هو الخسارة ، فالناس موجع حقا ، حين يموتون . لكن في الموت  حياة . يموت الناس ليخلوا المكان للآتين .

تأمّل حياته ، عمل وتعب كثيرا ، ربح وخسر الكثير ، لكن هدّته خسارة كفرعنان . ففيها خسر البيت والأرض والتعليم ، وخسر معها مدارج الصبا والشباب .

أيّة حياة هي هذه ؟ سأل نفسه . خاف معها أن يفقد الأمل ، فتذكّر ابنه الصغير ، الذي ذهب الى الدراسة في ايطاليا وقريبا  ينتهي ويعود .

كان أمله ، كل أمله .

***

ذكر ابنه ، فتذكّر شبابه . استعاد في ذاكرته بعض ما كان . في ذلك العام كان يعمل مدرسا . أرسله أبوه  الى مدينة الناصرة للتعلّم في احدى مدارسها . كان يومها من قلة قليلة أنهت الصف التاسع ، فلم يكن  ثمّة مدرسة في كفرعنان . وكان على الراغبين حقا في التعلم أن يذهبوا الى الناصرة أو الى صفد  أو الرامة القريبة . كانت الخيارات الممكنة قليلة ومكلفة . ولكنّه تعلّم رغم ضيق الحال وصعوبة السير  في تلك الأيّام وصار مدرّسا في مدرسة القرية التي أقيمت بعد جهد جهيد .

تأمّل ، هكذا ظنّ في البداية ، أنّهم سيقبلونه في وعرة الدبّة ، التي وصلها

قسرا ، وكانت وعرة صخرية مهجورة ، وبعد أن أبعدوه هو وأهله عن كفر عنان .

***

كان ما زال لم يفقد الأمل في أن يعمل مدرّسا ، فقد الوطن ، لكنّه ظلّ يتعلّق بحبال الغريق . بيد أنّه  سرعان ما أدرك أنها حبال واهية ، فمن يأخذ الكثير يعطى القليل ، وان أعطى فبشروط . وسرعان ما  أدرك أن الريح في هذه البلاد ، بعد أن تغيّر حالها وناسها ، تجري خلاف ما يريده البحار .

ملكه شعور ، خاف منه ، فهل يعقل : فقد البحر وفقد السفينة .

كانوا صريحين معه :

سيقبل في جهاز التعليم ، اذا ما تنازل عن أرض أبيه وبيتهم في كفر عنان ،  أوله  شرط وآخره اغتصاب .

***

خرج يومها من المقابلة يائسا وحزينا . ولكن أكثر ما أحزنه أن الذي كان ينقل له العرض ، بلغة عربيّة  سليمة اللفظ والمعنى ، جاء من قرية التلّة المجاورة ، وكان يعرفه قليلا ، أما الذي كان يحدّد شروط  العرض ، فكان يجلس في زاوية الغرفة . كان يَرى ولا يُرى. حدّث  نفسه ، مغلوبا على

أمره:

لا يقطع الشجرة ، الاّ ما كان يوما فرعها .

قال :

ضرب الفأس موجع ، لكنّه يصير قاتلا حين تطول يداه .

والعود لا ينخره الاّ سوسه .

شعر ، بعد المقابلة ، أن ألما شديدا يطال كل أطراف جسده . وكان لايزال في جلسته يعتمد يمينه ، الذي  طالما لعنه ، في السرِّ والعلانية ، لما سبّب له من ألم . أحسَّ ، لأول مرّة ، كأنّه يشبه ذلك الذي انتزعوا في غفلة منه بعض لحمه ورموه بقطع كانت يوما من لحمه .

شعر برغبة شديدة في البكاء . وآلمه كثيرا ، حين أدرك ، أنّه لا يستطيع البصاق على أحد ، فاللحم ، الذي  يُضرَبُ به ، كان بعضا من لحمه .

ما أمرّ وأصعب أن يكون الطامع فيك قد وجد عونا عليك من بين أهلك وناسك .

قال ، متألما لاكتشافه بعض الحقيقة ، وهي مُرّة ،لا تؤخذ القلعة الاّ من الداخل .

***

ولكن ظل يشغله السؤال ، فور خروجه من المقابلة :

لماذا يريدون أن أتنازل عمّا كان لنا وصار لهم ، وقد أخذوه عنوة وحرمونا

منه ؟.

فكيف أتنازل ، ألحّ بسؤال نفسه ، عمّا فقدت الحقّ في التصرف به ؟

كفرعنان ليست مجرد قرية ، قال ، بيوت من طين وأزقة مهملة ،هذا صحيح ولكن كفرعنان هي  الناس ، الذين أحبّهم ويحبهم ، وهي كل الأشياء التي لا تعوّض ، حين يفتقدها المرء . فكيف أتنازل ؟.

يومها رفض العرض . قال :

ما دامت القوّة تحكم العلاقة بيننا ، فليأخذوا ما كان لنا ، فمن كان هذا منطقه ، يسمح لنفسه أن يفعل  ما يشاء !

حدّث نفسه :

لم ينجُ من عسفهم حتى الشيخ رباح القابع عند مدخل القرية . كانت أمه تعتقد ، وكادت تحمله على هذا الاعتقاد ، أنّ الشيخ رباح موكل بحماية ناس القرية وخيرها .

فلكفرعنان  شيخ يحميها ويقيها كل شر . وقد ظنّ ذلك طويلا ، للحقيقة ، مثل أمه وأبيه ولم يتخلص من هذه القناعة الا بعد هول التجربة .

فحين جاؤوا ، يذكر ذلك جيّداً ، قلعوا حجارته وباعوها لبعض جيرانهم في القرية المجاوره . وحين  طال بهم المقام ، بنوه من جديد . وسبحان مْبدِّلِ الأحوال، زفر بحرقة ، قال :

لا يبقى على حاله أحد ، حتى الشيخ رباح صار ، في غفلة من الزمن وبقدرة قاهر ، رابي شمعون بن عقيبا .

رفع رأسه الى السماء متسائلاً :

حتى الشيخ رباح لم ينجُ ؟ .

وكانوا استباحوا دم الناس ، فكيف تنجو منهم الحجارة  ؟

حدَّث نفسه :

لم يحمِ نفسه ! فهل  يحمي  الناس ؟  . سألها !

سخر من واقعه ، وكاد يسخر، بألم ، من قناعة أمه ، فالتجربة مؤلمة ومذهلة . علمته أن الطامع لا  يعرف حدودا ولا رحمة .

حين تذكّر المصير المحزن لما صاره الشيخ رباح ، حضره ، بغتة ، طيف أمه . ذكرها ، ترحّم عليها وبكى قليلا ، ماتت وفيها حسرة :

كفرعنان .

تماما كانت مثل أبيه لا تصدّق ما حصل ، فجأة خسروا كل شيء ، يوم أجلوا عنها . ماتت وكان فيها  أمل ، بصيص أمل ، أن تعود الى ما كان كل عالمها ، تخطر في أزقّتها .

 

***

 

أخرج من رئتيه زفيرا حارا ، كتمه طويلا ، لم يشعر بعدها الاّ وهو يقول بحسرة :

الزمن حقا لا يؤتمن ، الزمن قلاّب.

لكنه استدرك سريعا ، حين تذكر:

الزمن لا عيب فيه ، فالعيب في الناس ، الزمن هو نحن ، فمثلما نكون يكون .

 

***

وبعد سنين من الجوع والحصار في الدبّة وجد عملا" في المحجر الصخري لأبي يعقوب البعناوي الذي كان فصل يومها من مهنة التدريس وزملاءه من الرينة ومن الطيبة والناصرة و شفاعمرو . كان ذنبهم أنهم ، كما قيل في حينه ، بالغوا في تعليم تلاميذهم الصغارأ غنية :

" عليك  مني  السلام         يا  أرض  أجدادي ".

ورُمُوا كذلك بالتهم الجاهزة: حب الوطن ، ورُمُوا بالشيوعية .

لم يكن حسن الممروش شيوعيا ، لكنه مثل ناس كثيرين ، يومها ، كان يتعاطف معهم ، يكبر تضحياتهم وعملهم . فرفض أن يكون معاديا لهم . وكلّما عَرَضَ مَنْ عَرَضَ عليه أن يكون معاديا لهم ، خفية أو علنا ، كانت تكبر صورة كفرعنان أمام عينيه ، كان يتذكّر والديه ، يذكر حزنهما وما شعراه بعد الهجيج ، فيرفض العرض باباء وينام بعدها متعبا ، ولكن بلا وجع ضمير .

كان يؤكّد في كل مرّة لنفسه :

لا يمكن ولا يعقل الانحياز الى صفوف السلطة ، ومن ثمّ ينام ويخلد للراحة .

***

لكنّه في ذلك المساء لم يعرف النوم .ولم يلتفت الى عشائه ، فلم يتناوله . لم يدر حسن الممروش ، وكان  يحدّق في ضوء القمر الذي ألقى بنوره الجميل على ذلك المكان من بقعة الكرم الممتدّة أمام عينيه بخضرتها الأبديّة ، كيف ومن أين زاره طيف مشغّله ، أبو يعقوب البعناوي ؟. حاول أن يبعده عن عينيه المتعبتين ، أن يطرده من مخيّلته ، لكن عبثا .

***

خلص حسن الممروش الى فكرة ، أخافته حتى من نفسه.

قال :

أية حالة وصلناها ، بلاد يدفعها بعض ناسها الى منحدر ، أين منه الجرف الحاني على وعرة الدّبة  في منبسط المرجة .

أخذت معدته الخاوية  تنقلب على ذاتها ، تقزّزت نفسه ، تكاثرت الافرازات الحمضية . ودَّ لو يتقيّأ  قليلا . غمره شعور قوي ، وكأن أيد خفية لم يرق لها هيئة جلسته . كان لا يزال جالسا ، يتكئ على يساره  أمام بيته ، الذي بناه في وعرة الدبة لاجئا وعاش فيه لاجئا ، وأمام عينيه صحن عشائه الذي لم يتناوله ذلك المساء . شعر وكأن هناك من يدفعه دفعا ليعتمد يمينه في القعدة المتكئة قليلا على  يساره . انقلب  مرغما ، ورغم ما كان من آلام .

ا رتدّ يعتمد على يمينه ، مع ما في هذه الجلسة من آلام ، خبرها طويلا .

حدّث نفسه ، ولكن همسا هذه المرة ، هذي بلاد يحكم سماءها بواشق بيض ، غير مرئية ، تنتف ريش من لم يكن على شاكلة لونها ومن يتجاوز فضاءها ، تقتله أو في احسن الأحوال توقعه أرضا وتتركه يتخبط في وجعه .

***

ودّ لو ينام قليلا . أحس أنّ التعب بدأ يشتدّ عليه . ولكنه ذلك المساء لم يذق طعم النوم ، انتصف الليل واشتد ّالقلق عليه .

وما ان غادر طيف أبي يعقوب البعناوي عينيه وعقله حتى جاءه وبشكل مفاجىء طيف مفلح  الهزيمة .

عرفه ، قبل ذلك العام المشؤوم ، قبل سنوات طويلة . وكان خبر أمره وعهد فيه رجلا طيّبا ، شهما  وكريما.

ولكن ماذا دهاه ؟ سأل نفسه.

وماذا دهى أولاده وأحفاده ؟

أحزنه غرورهم ! كيف يبدّل المرء لونه ويتغيّر ؟ أو هكذا يصوّرالأمور لنفسه المتبدّلة ؟

 

***

كان مفلح الهزيمة صاحبه القديم وابن جارهم ، قاسمه العيش والشقاء والحلم ، كما يصح أن يقال ، لكنّ ما رآه قبل سنين في عكا ، جعل الصداقة تفتر وتبرد.

كان ذلك في العام الخامس للهجيج المجنون عن كفرعنان . رآه ، هو وولديه وحفيديه ، يمشون في  استعراض كشفيّ ، يذرع المدينة ، ابتهاجا بالتَّهجيج وبما ترتّب عنه ، يتقدّم ذيل طابور العرض الكشفي ، يرتدي زيّا مُبْهِجًا ، وقد لفّ حو ل خاصرته بندقية ، قيل ان أحمد الفاضل ، من أقرباء مفلح الهزيمة ، سلمها ، مرغما ، للجنود المنتصرين ، على ما كان من جسدي عمقا وكويكات في ذلك العام المشؤوم ، وكان أحمد الفاضل قد قال بعدها لزوجه :

خذي عباءة المشيخة وخبئيها في الخزانة ، فلا يراها أحد بعد اليوم . هذا زمن يبول فيه الجرو على الأسد . سمِعْتُ في حيفا ورأيت ما يراد لنا، شيء يشيب من هوله الأطفال .

ويحكى انه بكى يومها طويلا . ومن يومها لازمه حزن المغلوب على أمره  حتى مات .

لام حسن  الممروش نفسه ، وكان يدرك أنّ بعض الملامة أشدّ من القتل . كان يجب أن يصارح مفلح الهزيمة  ويكاشفه ، فما كان ، ما كان ليجوز . كان عليه ، هكذا ظنّ ليلتها ، ذلك المساء ، أن ينبهه صراحة لحقيقة ما يريدون له ومنه . ولكن سرعان ما أيقن أن ثمّة من هو أقوى منه ومنهما ، يدفعه ، هو وولديه وحفيديه ، دفعا الى ما كان يراه ، خيوط شباك العنكبوت.

حدث ذلك صدفة .

حصل حسن الممروش على فرصة ، لا تفوّت ، فرصة الحركة ، بحرّية ، ساعات معدودات . وكان كاد ينساها ، وان ظلّ يتعشّقها ، حلالا وحراما . طالما ظل  يطلب لنفسه حرية الحركة في وطن، شاء له  الغالبون أن يتنكر لانتمائه اليه ، وقد تبدّل فيه الناس وتغيّرت الأسماء والتوت الألسن في أعناقها .

ما أجمل حرية ا لحركة ؟ همس بألم ، وكان يحاول طرد الألم من نفسه .

يومها ذهب الى عكا ، فأحزنه ما رأى ، لم تعد عكا ما كانت .

فوجئَ بصاحبه ، من كان صاحبه ، مفلح الهزيمة ، يلبس حزاما ، شديد البريق ، يزهو بألوانه الخمسة  ويخطرُ في مؤخرة الطابور .

لم يفهم يومها ، كيف ظهرت هذه الألوان وهل تعني شيئا ؟ وكيف جرى أن استبدل مفلح الهزيمة  موقعه ؟ ومنذ متى ؟.

أثقلت عليه الأسئلة ، التي أخذت تتزاحم في رأسه . اسئلة كثيرة ومحزنة . خاف أن يُجاهِرَ بها ، فبعض  الأسئلة ، أجوبتها لا ترحم.

***

هي ساعات معدودات ، مرّة في كل سنة وفي موعد معلوم ، ألفها ناس كثيرون ، وليسوا كثيرين . اعتادوا ، يعودون الى ما كان يوما قراهم ، التي كانت عامرة بناسها حتى سنوات قليلة خلت ، في  البروة وميعار ، هوشة والكساير ، أم الزينات وعين غزا ل ، سلمة والشيخ مونّس ، معلول والمجيدل ، حطين والصفصاف ، السمرا والنقيب ، عولم ومعذر ، الحسينية والتليل ، اقرث وكفربرعم ، الغابسية  والسميرية ، الكابري والبصّة .

أفزعه طول القائمة . كانت تطول في ذاكرته ، كلّما ذهب شرقا وغربا ، وكلما ذهب شمالا وجنوبا.

رآهم ينبشون التراب ، بحثا عما كان من أساسات بيوت ، ينظّفون ما كان من شواهد القبور ، يمسحون  برموش اعينهم ما علق بها من قاذورات ، يروون نتفا من حكايا وتذكارات ، للصغار والكبار ، كي  يبقى من يحفظ  زيت الحنين ويقي الذاكرة من عسف الضّياع .

***

غضب حسن الممروش ، حزناً ، مما رأت عيناه في تلك الساعات المبتورة والحزينة في عكّا  التي لم  تعد ما كانت :

مفلح الهزيمة يتصدّر ذيل الطابور الكشفي ابتهاجا بليل الهجيج عن كفرعنان . غضب حقّا ، لكنّه  سرعان ما استفاق من غضبه ، بمرور السنين وعمق التجربة ، بكل مراراتها وخيبات أملها . فأدرك أن مفلح الهزيمة لم يكن سبب الهجيج ، ولم يكن السبب في منع عودته . كانه آخرون . فلن يحمّله مسؤولية ما لا طائل له به ، وان يكن يتحمّل بعض الوزر ، مثل كثيرين من بدو ظهر الجبل وعرب  الصحراء . وما هدّأ غضبه ، أ نه خرج من صُلْبِ مفلح الهزيمة ، من اعتاد قولة : لا .

تلفّت حوله ، فكان كمن يسمع ، ذلك المساء ، أصواتا قليلة ، خجولة ، لكن واعدة ، فاستبشر خيرا.

***

قطع حسن الممروش نهاره ، فلم ينعم ، كما أمِلَ ، بيومه ولم يستنفذ فرصة حرية الحركة في ذلك  اليوم ، فعاد محزونا الى وعرة الدبة وقد فاجأه مفلح الهزيمة ، وفاجأه حال عكا ، التي لم تعد ما كانت .

وما ان استراح من حر ذلك اليوم ومن مفاجآته، حتى بانت له الحقيقة ، كما خبرها .

كان مفلح الهزيمة انسانا ساذجا ، يسهل التغرير به . ووقّع من وقّع باسمه ، فسقط في شِباك العنكبوت . كانت خيوطه محكمة . وكان هو وولداه وحفيداه على استعداد للسقوط في شباك العنكبوت . وقد سقط  فيها كثيرون .

وأيقن حسن الممروش أن ما هو أقوى من الصداقة ومن الخبز وا لشقاء والحلم والأشياء الكثيرة ، التي كانت وجمعت بينهما ، كان يشدّه الى خيوط العنكبوت .

تأكّد مع الزمن أن مفلح الهزيمة لم يكن عد وّه ، وما كان يريد ذلك . خشي الأمر ، للحقيقة ، وكان  لاحظ ضعف مفلح الهزيمة وأنّ هناك من أراده أن يقول ، ذات ليل :

أكلت يوم أكل الثور الأحمر !

***

خاف مثل هذا المصير ، خاف على مفلح الهزيمة وعليه . وعزليه أنّه استحال عبئًا ، يثقل أمر عودته الى كفرعنان . وا ستحال عصا يرفعونها في وجهه متى رغبوا !

واذا كان ثمّة من أمل في استعادته ، يوما ، فقد ضعف هذا الأمل ، حين علم أن بعض أولاد وأحفاد  مفلح الهزيمة ، قبلوا طواعية أن يوكل بهم وبغيرهم من  بدو ظهر الجبل أمر حراسة أراضي كفرعنان ، وقد أسهموا في نهب بعض ما بقي فيها من حجارة . وضعف الأمل كثيرا ، وهو بعض ما  أحزنه ذلك المساء ، حين علم كذلك أنهم رضوا وسكتوا ، حين نسبت اليهم ما كانت من فظائع عند وادي القرار فوق شعب وعند مجد الكروم وفي وادي الحبيس ، شديد الانحدار ، عند مدخل حرفيش   وفي وسط الطريق الذي كان يربط ، ذات يوم ، بين ما كانتاه سحماتا وديرالقاسي .

خطر له كل ذلك وكان لا يزال يحاول النوم ، في ذلك المساء الذي طال ، فجأة ، ولم يلتفت فيه الى ما  أعدّت له زوجته من عشاء ، فلم يتناول عشاءه ذلك المساء .

***

كان الليل مقمرا ، جميلا وكان الهواء منعشا بليلا ، لكن جسده كان متعبا ، فلم يجد الى النوم سبيلا . فالحزن ، الذي بعثته في نفسه هواجس ذلك المساء ، والخوف من أن يفقد عمله في المحجر ، بعدما  أصاب ابا يعقوب البعناوي ما أصاب ، وبعد ما آل اليه مفلح الهزيمة وبعض عرب ظهرالجبل ، كل  ذلك وصورة كفرعنان  حال دون نومه واستراحته .

تذكّر كل ذلك وغيره ذلك المساء .

وممّا زاد في حاله سوءا ، وزاده غمّا ، أنّه كلّما نظروراء ، نظر الى وراء قليلا ، هالته العيون المختبئة  خلف مفلح الهزيمة ، ولديه وحفيديه ، وهالهالطابور المتطاول خلف بعض عرب ظهر الجبل . وقد انضم اليهم ولد صديقه القديم ، عيسى القرعة ، من قرية التلة المجاورة ، ومحمود المذموم ، من فرّاضية .

سأل :

ماذا جرى للناس ؟

شيء يطيّر النعاس !

***

ثبت ذلك لحسن الممروش :

أنّ الكثيرين لبسوا قبعهم  ولحقوا ربعهم .

أخذ يتحسس ما تبقّى من عقله وكاد يصيح :

أيّ فلتان ؟

وقد تأكد ممّا نحن فيه ، يوم قهر حزنه وشارك في بعض أعراس الدبة .

يومها سأل نفسه خجلا :

هل يعقل أن تكون عندنا قضيّة ، أن نكون أصحاب قضية ؟ وعندنا كل هذ الضجيج ، وكل هذا البتر في الأعراس ؟

سأل نفسه وبكى .

كان ذلك قبل عشرين سنة . وحدث ما حدث ، بعد خمس سنوات من رؤيته لحال مفلح الهزيمة . من  يومها تغيّر كثيرون . ولا يزال اليوم ، ثلاثين

عاما ، بعد الهجيج يسأل نفسه ! السؤال ذاته لم يتغيّر . فلم  يتبدّل الحال الاّ بما هو أسوأ منه !

***

لم يدر حسن الممروش ماذا أصابه ذلك المساء وماذا دهى الليل ، طال كثيرا . وهذا مالاحظه بقلق . تلفّت حوله ، كانت العتمة شديدة . وكانت ساعتها ، كما يقولون ، على قدررغبة الحرامي . غرُبَ ضوء  القمر المنيرمن وقت طويل ، لم يشعر به . شعر عندها أنّ هواجسه ، أفكاره القلقة وتعبه الجسدي  المتراكم ، خيبات آماله الكثيرة مما يحدث وحدث ، ومخاوفه المتزايدة من المجهول ، ممّا تخبئه الأيام ، كلها جاءت مجتمعة ، ذلك المساء ، كمن جاءت لتتناوب عليه ، فلم تدع للنوم الآمن مطرحا .

كان القمر قد اختفى خلف طلعة الليّات وضاع خلف الأفق المتراجع انحدارا نحو البحر .

شعرلأول مرّة ، بعد ليل الهجيج ، أن الليل فوق الدبة استحال غولا يهدّد بالانقضاض عليه . كأنه  الهدوء الذي يسبق العاصفة . خاف قليلا .با ت لا يدري :

أيّ عاصفة ستلي ؟ وماذا ستحمل ؟ خجل من نفسه ، وكان عاهدها طويلا ألاّ يعرف الخوف في حياته وألاّ يترك للخوف متسعا في مسلكيّاته وألاّ يسمح بمتنفس للشكوك ، تنوسه ؟.

ولكن هذه دنيا ، بعض ناسها مخاتلون وبعضهم طامعون ، وأكثرهم اعتادوا الصمت فبدوا كالمغلوب على أمره ، أو كذلك الذي يعمل ، لحسا ب غيره ، في قطع الجذع الذي يجلس مستندا عليه ! وقليلهم  يبحث عن زيت لقند يل علاء الدين ، في تلك العتمة المتزايدة والمشتدّة ، التي لحظها طويلا فوق وعرة الدبة ، وجعلت المخاوف تتسرّب الى نفسه .

كانت العتمة الشديدة ، ذلك المساء ، قد باتت تطبق على المكان ، أكملت انتشارها ، فبات لا يرى شيئا حوله .

كاد يلعن الحالة ، التي انحدرنا اليها .

أخذت بصقة كبيرة ، شعر بها ، تضايقه وكانت ، هكذا أحس ، مليئة بغبار صخور المحجر . اشتدّ ت عنده  حاجة مفاجئة لأن يبول . نهض من حصيره متعبا وراح يقصد الحمَّام .

 

***

ما ان فرغ من قضاء حاجته وبصق ما علق في حلقه ، أحس بقليل من الراحة التي كان جسده  المتعب أحوج ما يكون اليها . ولكن بدل ان يعود الى حصيره فوق مسطبة الباطون ، وهو ما أراده  فعلا ، وجد نفسه منساقة تندس ّ في السرير قرب زوجته .

توقّفت هذه عن الشخير ، وكانت غطّت في نوم ثقيل ونامت ما فيه الكفاية ، قالت لزوجها ، بعد أن  بللت وجهها بالماء البارد :

ما زال الدرب أمامنا طويلا . ارحم جسدك من السهر والتفكير !. نم قليلا ، فصباحا باكرا ستنهض  الى العمل ، فنحن لا نستطيع العيش بدونه .

وأدارت وجهها الى الحائط  ، وسرعان ما عادت الى النوم العميق . أمّا

حسن الممروش ، فعاد الى هواجسه ، التي ملكت عليه حواسه ، وأفكار الحياة وهمومها ، التي تثقل عيشه . حاول النوم ، لكن لم  يستطع .

اندسّ تحت الغطاء الخفيف ، وما ان فرغ من اطفاء النورالكهربائي وتغطية جسده ، داهمه وجه أبيه  الراحل منذ قرابة 29 عاما .

لم يدر من أين وكيف أطلّ عليه ؟.

رأى طيفه جليّا . رآه بكل وقارالآباء ، حين يفتقدون .

تذكّر ما حدث له ذلك العام ، سنة بعد الهجيج عن كفرعنان .

كان في تمام الصحة يومها ، ولمّا يبلغ من العمرطويلا . لكنه صارحزينا بشكل لافت للانتباه بعد  الهجيج . وفجأة حدث ما حدث ، مرض ومات .

قتله الهجيج وأشقاه الحنين الى ما كانته كفرعنان .

وفاجأهم في موته ، فكلّما قلبوه على ظهره ، انقلب على جنبه ، وظلّ شاخصا الى الشرق ، شاخصا الى كفرعنان . فتركوه ،في موته، كأن ّ كفرعنان تسكنه ولم تتركه.

***

على غير عادته ، لم يذرف ، ذلك المساء الطويل ، أيّة دمعة ، حين زاره طيف أبيه . ولم يتفوّه بالدعاء ، الذي اعتاده سنين ، كلّما تذكره . كانت كفرعنان تملأ عينيه ، فبدتا شاخصتين شرقا ، تماما مثل أبيه . وفي الصباح كانت المناحة الصامتة في وعرة الدبّة .

***

كان  ذلك بعد عشر سنين من وفاة حسن الممروش . حضرت أم صابر ، الجارة من فرّاضية والتي  كانت تقيم لاجئة مثل كثيرين في وعرة الدبة.

حدّثت زوجة حسن الممروش أم صابر ، حكت لها :

كانت تلك سنوات صعبة وأليمة ، أعقبت وفاة حسن . عرفنا فيها الذ لّ والمهانة ، وهي اكثر ما في حياتنا ، منذ أبعدنا عن كفرعنان وناسها . ولكن صبرنا . وهانت بعض امورنا ، بعد أن أتمّ ولدي  الصغير سعيد دراسته ، طبيبا ، وعاد ، يرفع الرأس ويشفي العليل من ايطاليا.

سندي ، يا ولدي ، سعيد .غمغمت الأم قليلا ، وتذكرت في سرهازوجها حسن وكان يحنو عليها وتعبث فرحة بشعره .

قاطعتها أم صابر :

افرحي في عُبِّك ِ، لم يرحل بعيدا، ولم تسرقه الغربة . لم تخطفه سيقان حوريات روما الجميلات .

قالت زوجة حسن الممروش :

قابر أمِّه ، ورث عن أبيه عشق كفرعنان ! آثر البقاء في الدبّة ، قرب حواكيرها . سمعته ، أكثرمن مرّة ، يقول لزملاء له ، يزورونه في العيادة :

ما ضاع حقّ وراءه مطالب .

أكّدت أم صابر :

الأمر طبيعي ، الوطن قتّال .

وسكتت المرأتان عندها طويلا ، فقد شدّتهما ذكرى ما كان في فراضية وكفرعنان .

 

 

 

ــــ

سعيد ومسعود

 

" وأحرقوا  المدينة  بالنار  مع  كل  ما  بها "

( الإصحاح  السادس  عشر ، من  سفر  يشوع  في  العهد

القديم  من  التوراة  )

 

ـ " كل  مكان  تدوسه  بطون  أقدامكم يكون لكم .

من  البرّية  و من  النهر ، نهر  الفرات ، الى  البحر  الغربي  يكون  تخمكم .

لا  يقف  انسان  في وجهكم ، الرب ، إلهكم ، يجعل  خشيتكم  ورعبكم  على

كل  الأرض التي  تدوسونها ، كما كلمتكم . . . "

"   الاصحاح  الثاني  عشر  من  سفر التثنية "

 

ـ " مليون  جنيه استرليني ،  تعتقد  أنه  ثمن  معقول ؟

الحمّة  ليست  للبيع .أجاب ، ردّ  على  العرض .

اعتقدوا  أن  الرفض  مناورة ، ناولوه  شيكا  على  بياض ،

قالوا  للمفاوض  السوري :

تفضّل ، حدّد  السعر  الذي  تريد .

وحين رفض  المفاوض  السوري  عرض  الإغراء ، ثارَ ممثل  الشركة  اليهودية  المكلّف  بشراء  امتياز ينابيع  الحمّة  ، جوزيف برنارد ،  وقال بنرفزة  :

ما  دمت  كذلك ، لا بدّ  أن  نأخذها  يوما  بالقوّة " .

كان  ذلك  في  1946 ، أي  21  عاما  قبل  احتلالها  سنة 1967 . روته  وداد سعيد  ناصيف  لجريدة   الحياة  اللندنية  اللبنانية ، في  13  شباط  2001  . وكان المفاوض السوري عمها < لأبيها > ، سليمان  بك  ناصيف ،  مؤسس  الشركة  العربية ، شركة  ينابيع  الحمّة  الذي   جرت محاولة اغرائه  وشراء  امتياز ادارة  وملكية  الينابيع .

 

 

ــــــــــــــــــــ

 

جلس سعيد ومسعود مُلتصِقين عند حافة النهر ، يصطادان السمك ، حَدَثَ ذلك قبلَ سِنينَ طويلة . جَلَسا مُلتصَقيْنِ عند حافة الصخرة  المطلة  على  الجرف  النهري ، شديد  الانحدار  وبالغ الخطورة .

حَدَّثَ سَعيد نفسَهُ بهمسٍ غير مسموع ، قال :

ألأفضل ألاّ اسأله ، من البداية ، كيف  أتى  ومن  أين ؟

واستبعَدَ  مِنْ ذِهْنِهِ السؤالَ ، صَعبَ الإجابة :

بِأيَّةِ شَرْعِيّةٍ إنسانِيَّةِ تجلِسُ هُنا ؟

وهو الذي يبحثُ عن شرعيةٍ تُمَكِّنُهُ من البقاءِ جالِسًا فوقَ الصَّخرة ، يصطادُ السمك ولا يسقطُ في الجُرْفِ النَّهرِيِّ  العميق .

خاف أن يسأل نفسه :

هل يُمْكِنُ أنْ يظلّ الحالُ على ما نحنُ عليه وما نحنُ فيه ؟

وهل  يعقِلُ أنْ نطمَحَ لأن يَموتَ أحَدُنا ! فيخلو الميدان لحميدان كليّا.

الخياراتُ صَعِبَة ، لكن لا بدّ من فعلِ شيء ؟

حكّ رأسَهُ ، خافَ من أسئلته ، لكن اطمأن الى أنَّ أحدًا لم يسمعه .

كان  يتحدّث في هَمْسٍ الى ذاته.  خَلُصَ في تلك اللَّحَظاتِ السريعَةِ المُتبقية لبعض التفكير، اذا كانَ ذلِكَ مُمْكِنًا ، وَهُما فوق  الجرف  النهري ، شديدِ الانحدار ، خَلُصَ إلى أنَّ بعضَ الأسئِلة لا تُجدي في الحِوار . سيكونُ مُتَّسَعٌ للأسئِلَةِ فيما بعد ، ليكنْ أولًا التَّعارُفُ . فالتعارف من سُنَنِ الحَياة ، وقد يُشكِّلُ نافذة الى القلوب والعُقول الْمُغلقة .

ولكن كان يُزعِجُهُ كثيرًا ضخامَةُ جِسْمِهِ وحِدَّةُ أظفارِهِ ، إلاّ أنه التزم الحذر ، فلم يتحدَّثْ عن الأمر . آثر التعامل مع المسألة وكأنَّها مسألة شخصية فلا دخلَ لهُ في تقاسيمِ أو رُسوم جسمه ، بيدَ أنَّ المسألة تتعلقُ بحيّزِ المكانِ فوقَ الصَّخرَةِ المُطِلَّةِ على هاوِيَةٍ عميقةٍ فوقَ الجرفِ النهري الذي يعلو هاوية ، عميقةَ ومخيفة .

التزم الصمت .

وقد اضطرّا الى اعتيادِ الجُلوسِ فوق الصخرة ، الحيِّز الأكبر فوقها من نصيب جاره وَبَقِيَتْ حافَّةٌ صغيرة يجلس فوقها ، والأصح أبْقِيَتْ له . رضي بالأمر أملا في تبدُّل الواقع القائم ورغبة في اصطياد بعض السمك لِسَدِّ جوعٍ قد يُصيبُ عائلته.

وأكثر ما كان يخيفه أن يصير هو وجاره طعامًا للسمك في أسفل الجرف النهري ، إذا ما طالَ التَّجاذُبُ والتدافش بينه وبين جاره حول تلك الصخرة .

كان هذا الخوف يزداد ويشتد ، كلما تذكر موروثَ أكثر ناسِ جارهِ الجالسَ معه وقربه على الصخرة وتذكَّرَ موروثَ أكثر ناسه هُوَ أيضا .

فكّر  سعيد ومسعود بذلك في سرّهما ، لكنهما لم يبوحا ، الواحد للآخر ، ولو هَمْسًا . فلم  يتحرّرا كليّا من قناعةٍ مُميتة ، كبُرَتْ معهما طويلا ، أن يتمكّنَ أحدُهُما في غفلةٍ منَ الزمن :

أن يتخلّصَ مِنَ الآخر . وكأن الآخر يصلح وضعه حين لا يكون ، وإن كان فليكن ميتا . فما أعقد من المواجهة بين الضحية والجاني ، حين تتحكّمُ بهما عقلية العصا وما تعنيه من قناعات ، لا وقائع . يصير الجاني مُمْعِنًا في إصْرارِهِ على أن يظلّ ما حدثَ هو الحاضِرُ والمستقبل ، كما يريده هو ، وتصيرُ الضَّحِيَّة في بحثها الحَثيث عما يزيل كل ما كان وكأنه لم يكن وأنَّ ما سيكونُ ، هو ما كان وما  يلزم أن يعودَ كما كان ، كما تفكر هذه القناعات به .

في ضوء مثل ذلك الموروث وما يترتَّبُ عنه من قناعات تتحكم بالناس قناعة وحيدة :

إما أنتَ وإما أنا !

أو يوم إلي ويوم عليّ .

عندها يصعب البحث عما يمكن أن يكون مشتركا بين الضحية والجاني ، أو البحث عما يمكن أن يغيِّرَ واقعهما ، فلا يبقى الجاني على ما هو عليه ولا تبقى الضحية ضحية .

***

اعتادَ سَعيدُ أن يعتلي الصخرة ، قبل الرحيل إلى الحِمَّة ، واعتادَ الجُلوسَ عليها والتَّسَلُّلَ إليها بعد الرحيل ،  فالمكانُ يسترُهُ  تلك الصخرة ، فلا يراه الجُنودُ المنتشِرون بكثرة عند أسفل النهر . فاجأهُ أنَّ الآخرَ أتى ، من حيثُ لا يدري ولا يعرف اسمه ، أتى إلى الصخرة يقاسِمُهُ الجلوسَ عليها ، ولضخامة جسمه  وخوفه ، لكونه متسللا بلا هوية ، وجد نفسه يوسِّعُ له المكانَ ويقبلُ بجُزءٍ صغيرٍ منَ الصخرة ، انحشر فيه وازداد التصاقا بالآخر ، الذي لم يكن يعرف اسمه .

تذكّرَ القصّة الحكيمة ، التي نُسِبَتْ مثلَ أمورٍ كثيرَةٍ إلى سُلَيْمانِ الحكيم ،عنِ المرأتينِ المتشاجِرتين على من قالا انَّهُ ابنهما ، وحينَ خيّرا في أمر قسمته وتقسيمه بالخَنْجَر ، الى نصفين ، قالَتِ الأمُّ الحقيقية صارخة :

أرجوك دَعْهُ يحيا ، لا تقتلهُ .

سَريعًا أدركَ الحَكيم أنَّ الأم  الحقيقية تؤثر أن يبقى ابنها حيّا ، يتنفّسُ ،  وتَرْفُضُ خيارَ أن يُقتل ويُقطَّعَ إرَباً .

قال الحكيمُ حالا :

الأم ، لا تقبل  أن يضحى بابنها . الأن عرَفْتُ الأمَّ الحَقيقِيَّة !

خاف سعيد  من  عقلية ، مثلها شمشون الأسطوري أحسن  تمثيل :

" علي  وعلى أعدائك  يا  رَب " .

وهدم الهيكل على من فيه .

قبل أن ينحشر في طرف الصخرة ، نظر سعيد الى الماء العميق في الأسفل ، فهم ما معنى أن يتدافعا فوقها .

قال سعيد عندَها :

هذه هي النكبةُ الحقيقية .

لكنه شعر بضيقٍ أخفاهُ ، اذ أدرَكَ ، بحِسٍّ غريزي ، أن الالتصاق بالآخر والتواصُلَ معه قد يجنبه السقوطَ الى الأسفل ، حيثُ الماءُ العميق للنهرِ المُندَفِعِ جنوبًا ينتظِرُهُ وتنتظرهُ الهُوَّةُ السحيقة .

حدّثَ نفسَهُ خائفا :

سنسقطُ كلانا .

فازداد بصاحبه التصاقا .  شعر سعيد لأول مرّةٍ أنَّ هذا الآخر يمكنُ أن يَصيرَ صديقا ، صاحبا ، ذات  يوم .

فالحياة لا تقوم على حراب ، ولا  شك أنها أقوى وأكثر امتاعا إنسانِيًّا من الموت .

التفت  اليه ، أول  مرّة .

رأى ملامحه كاملة .

كانت سمرته ،التي لوّحتها شمس وادي الغور الحارقة ، تشبه  سمرته . نظر  اليه بسرعة خاطفة ، ذكّرتهُ ملامحه السمراء الداكنة بملامح صديقه القديم مسعود المغربي من طبريا .

قال في سرّه انَّ الناسَ يتشابهون .

سأله : من  يكون ؟

وكي  يُشعِرَهُ  بالاطمئنان ،  قال  من  هو.

قال  سعيد :

أنا من قرية سمخ ، التي لم تعد قائمة ، وُلِدْتُ فيها وكانَ والدي جاءها من جبال الأوراس في شرق الجزائر . لكن أمي جاءت من قرية طرعان ، قرب الناصرة , وأسكُنُ حالِيًّا لاجِئًا في قرية الحمّة السورية .

وكي يزيدهُ اطمئنانا ، قالَ مُواصِلًا حديثه :

كان لي صديق يشبهك من طبريا واسمه مسعود .

شعر مسعود برجفة خوف ، توجّسَ خيفة وشكوكا . نظر الى الأسفل ، كانَ انحِدارُ الجُرْفِ مُخيفًا ، أدْرَكَ ما يُمْكِنُ أن يكون مصيرُهُما ان سقطا. صدمته ، بعنف موجِعٍ ، مفاجأة اللقاء .أن  يجلسَ أول مرّة وبمثلِ هذا الالتصاق الذي لم يتصوّره ولم

يتوقّعْهُ يومًا مع واحد ممن يسكن في بيوتهم ويقوم على ابقائهم بعيدين عن أراضيهم . صحيح أن الله وعدنا بالأرض ، كما اعتادَ حاخامُ البلدة الحديث ، ولكنه يدرك في داخله مدى مرارة أن يفقد المرء ما شيده ، ولد وكبر فيه . تذكّر ما قاله المسؤول :

يجب الإفادة والإبلاغ بكل حركة مشتبهة . فكّر أن يدعو الجنود وأن يسلمهم من كان يجلس معه ملتصقا به ويقاسمه الصخرة . غالب مخاوفه ، وقال معرّفا بشخصه ودون أن يعير اهتماما لواقع مع من كان يتكلّم . فالصخرة وخوف السقوط الى المياه العميقة المتدفقة في أسفل الجرف جعلاه ينطق ، وقد طمأن نفسه أنَّ سعيد لا يحمل ما يمكن أن يهدّده ، قال  :

اسمي مسعود، أسكن حاليا في بيسان ، ليس بعيدا من هنا ،ولدتُ في  قرية  صغيرة في جبالِ الأطلَسِ المغربية. وكانَ في قريتنا حاخام يؤكِّدُ ما كنا نعرفهُ من الصغر :

" أنَّ الله ، لِيَعْظُمَ اسمُه ، وعدنا بأنَّ الطَّريقَ الى الجَنَّةِ تمُرُّ في فلسطين . و يا سَعْدَ مَنْ يكونُ قريبًا مِنَ القدسِ حينَ يَموت " .

وفيما كان سعيد يصغي لمسعود ، رأى الجنودَ في  البعيد يستقلون سيارتهم في الدرب الترابية ، وقد نزل منها أحدُ الجنود ، وبات واضِحَا أنه يريد اعتلاء الصخرة . إعتاد مقت الجنود وكره أعمالهم :

فحيْثُ يكونون ، سيَّان من يكونون ، يكثر الموت .

خاف سعيد ، فألقى بالسمك المصطاد الى ماء النهر وأفسحَ المكان ، كلَّ المكان على الصخرة وبشكل فجائي لمسعود .

لكِنَّ مسعود لم يلاحظ الأمر .

كان سعيد سريعا، اختفى من  حيث أتى . فلم ينتبه مسعود للأمر .

قالَ مسعود، دون أن يعرف حقا ما كان يحدث ،هرب  من الازدحام ، فعند أسفل الضفة يتنافس الناس فيما بينهم :

أيهم يصيد أكثر سمكا ويتقاتلون فيما  بينهم صائحين :

هذا السمك لي ! وأنا جئتُ أبحَثُ عن صيدي وهدوء مسائي .

قال مسعود ، مواصلا الحديثَ مع نفسه القلقة ، هناك وحَتّى هنا يشتدّ الخطر و لكن يكثر السمك . لاحظ أنه لم يقل لسعيد الحقيقة كاملة . لم يحدّثه عمّا توصَّلَ إليه ، فحيث  يكثر الجنود ، ينعدم  السمك .

نظر مسعود الى سعيد ، الذي افسح له المجالَ واسعا ، وهرب سريعا واختفى  .

رأى مسعود الجنودَ آتين في سيّارتهم العسكرية ، فعاودته الشكوك مجدّدًا في أمر سعيد. حاول مَسْعود أن يمسكَ بسعيد ، ليسلمه الى الجنود ، لكن جسمه المتضخم والصخرة ، شديدةُ الانحدار ، حالا دون  ذلك .

كان سعيد قد اختفى عن الأنظار، نهض مسعود متثاقلا ، تنفَّسَ الصعداء قليلا، أحسَّ بحملٍ ثقيلٍ انزاحَ عن صدره ، أفرحَهُ اختفاءُ سعيد . همّ على عادته بالوقوف ، شكرَ الجنديَّ الذي حضر في اللحظة المناسبة ، فحالَ دونَ استمرارِ الحديث وخاف مضاعفاته وما يمكن أن يترتب عنه . شكر الجنديَّ الذي أعفاه من تبعاتِ المواجهة . وتذكّر ، فحمد ربه . قال ، وهو يهبطُ الصخرة فرِحًا بما آلت إليه المواجهة الأولى واطمأن  لبقاء الصخرة يجلِسُ وحدَهُ فوقها ولم ينجرف في حديثه ، فلم يبح بمكنونات صدره ، قال بلهجة مسموعة وبالعربِية  المغربية :

الرَّب وعد والرب اعطى والرب ، لحسن الحظ ، أبعد  سعيد .

تفحَّص صيده السمين ، فازداد فرحه وعاد الى بيته .

***

هبط مسعود الجرف النهري ،ساوره اطمئنان ممزوج بالخوف ،تأكد أن سعيد اختفى وعاد الى درب يقود الى الحمة ، أخذ يسارع في خطوه المتثاقل حتى بلغ البيت في  بيسان .ناول ابنته  استير ما  كان في  سَلِّهِ من سمك وفير، استقبله أولاده الثلاثة بهشاشة  :

دافيد،  مردخاي وشلومو .

واحتضنته بشوق زوجته، شارونا، بولونية الأصول .استحمَّ سريعًا وبدّل ملابسه وهيَّأت شارونا ، الزوجة ،والأولاد والابنة منقل النار وما فيه من حطب وخشب وأشعلوا النار وبدأوا يَشْوون السمك ،أكلوا يومها وشبعوا ، كان الصيد وافرا ،حمد الرب ولجأ الى الفراش باكرا ، بدا كالمتعب ،ذاك المساء ،لم  يكشفْ ما كان من أمر سعيد ،التزم الصمت ونام نوما مزعجا .

* * * *

عجّلَ سعيد في خطوه ، كان ذلك المساء محظوظًا ،لم يعترض طريقهُ أي انسان .قطع  ماء النهر ،شعر بقليل من الاطمئنان ،باتتِ

الحِمِّة على مرمى العصا . ولكنَّ حُزنًا خفيفاً ألمّ به :

أن يعود صفر اليدين ،لا سمك ولا طعام .

دخل البراكية ، التي تؤوي صغاره وزوجه ، التفوا حوله ، جلبت الأم طبقا، في وسطه خبز جاف وحبات زيتون ، قضم سعيد وأبناءه الخبز الجاف ،ومن ثمّ خلدوا الى النوم .لم تسأل الزوجة زوجها عمّا كان معه ،علمتها التجربة أنَّ المتسلل قد يظفر بالعودة سالما ، وهذا أكثر ما يتمناه ،فالجنود منتشرون في كل زاوية .ضمّت ولدها الصغير ، سمير ، الى حِضنِها ونامت كالعادة بلا عشاء ،وسرعان ما  غطَّ سعيد في النوم ، وبدأت هي تعيشُ أحلامها الوردية ، كل ما تبقّى لها .

****

استيقظ سعيد ، ذات صباح ، دبّ فيه الحنين الى ما كان مسقط رأسه .

خرج نازلا النهر ، تسلل من طريقه السِّرّي المعهود .وكان خبِرَهُ جيدا. إن هي الاّ دقائق قليلة ويكون في أرض الدوير ـ أرض أهله قبل الترحيل ، وكانت هذه بداية السهل الواسع الممتد من الماء الى الماء ،وفيه أرض الدوير الخصبة ، التي يتوسّطها ، نبع غزير المياه ، وكان أبوه يزرعه قمحًا وَكُرْسنّة .

يذكر جَيِّدًا ، كانت أرضًا كريمة كاليد السمحة المفتوحة ، يسير المرء فيها ، اذا اعترضته أفعى لن يجد حجرا يدافع به عن نفسه ، ولكن تكثر فيها شجيرات الربّيض ، التي غالبا ما كانت تستحيل وكرا آمنا للغزلان وعشا للعصافير . نظر أمامه ،قال ذكرنا الأفعى ،فظهرت لنا على شكل انسان . اعترض  مسعود طريقه ،سال أين الهوية والتصريح ؟ .

أجابه :

لا أملك ، ولكن هذه أرض أبي وجدي .

قال مسعود ،بلا تلعثم ولا حرج :

هذه كانت ،ولكنَّ الله وعدنا بها، وقد افتقدناها طويلا، امتحننا وأعادها إلينا . ونملك القوة للدفاع عنها . وبادر ، بشكل  مباغت  فصفع  سعيد . أوجعته  الصفعة ، اشتبكا بالأيدي ، تقاتلا طويلا، وحين أنهكهما القتال قعدا على الأرض، يستريحان قليلا ، ثم يعاودان الصراع ، دام الصراعُ طويلا. انحنى سعيد انحناءة حذرة ، تناول كمشة ترابٍ من السهل الممتدِّ أمامَ عينيه ، وقفل راجعًا. قنع بما كان. أوجعتهُ الصَّفعاتُ المتكرِّرَة، لكنه لم  ينهزم .

وأقنع مسعود نفسه :

المهمُّ أنَّ سعيدَ انسحبَ وعادَ الى حيثُ كان. أمّا هو فيستطيعُ العودة الى صيد السمك والى أولاده وزوجه. وكانَ المَساءُ قد بدأ زحفه .

* * * *

حين قطع سعيد النهر واقترب قليلا منَ الحِمَّة، سمع  صوتَ طلقات رصاصٍ سريعة الطلقات تئز وتصفر حوله من الموقعين المتقابلين المتباعدين ، السوري والاسرائيلي ، وكان واضحا أنها  استهدفته، اختبأ خلفَ صخرةٍ كانتْ في المكان . استغرب في البدءِ ما عاشه تلك اللحظة وفي أكثر من لحظة. حدّثَ نفسه، قال : الاسرائيليون، يريدون منعي من أن اعود ولو  مُتسلِلًا لما كان  يومًا مسقطَ رأسي . وإن عُدْتُ خِلْسَةً ، فسينتظرني الموت قتلاً .

أما السّوريون ، فخمّن ، انهم ، كأكثرية الحُكّام العرب ، يحمونَ الحدودَ الاسرائيلية .

ما ان هدأ صوت الرصاص المتناثر حوله بغزارة ،نجا منه بأعجوبة ، حتى أخذ يركض بين  الصخور البركانية المنتشرة في المكان ،  وهو  لا يدري :

أسيكون  موته  برصاصات  سورية  أو  اسرائيلية  ؟ .

أسلم  رجليه  للهرب  الحذر ، غمره  شعور  قوي  بالخوف ،  حين  لا  تدري  من  أية  جهة  يأتي  الرصاص  القاتل  . شيء مخيف ، قال .

لاحظ ، في  الحمة ، أن  القناديل  الخافتة  الضوء ، الكازية ،  تكاد  تفلح  في  تبديد العتمة  المطبقة  تلك  الليلة  اللاهبة  من  نهار صيفي .  اقترب  بحذر  متزايد  من برّاكيته .  تأكد  أن  زوجته  ، مريم  الصالح ،  كانت  منشغلة  في  ضمان  نوم  أبنائها .  كان وجهه يلسعه  ألما  من  اللكمات والصفعات  الموجعة  من  مسعود ، صحيح  أنه رّد  لمسعود  الصاع  صاعين ،  صمد  له ، أول  مرّة ،  وهذا  ما  خفف وجعه  الذي  كان  يطول  كل  جسده  النحيف . جلس  على  الحجر  خارج البراكية ، ليستريح  واستمزج الهواء  المنعش ،  غسل  وجهه  بماء   الحنفية  البارد ، وأخذ  يستريح  قليلا .

شعرت  زوجه  أن  سعيد  في  الخارج ، عاد  من  تسلله  المتكرر . تأكدت  أن أبناءها خلدوا  للنوم  على  الفراش  الممدود على الحصير ، الذي  كان  يفترش  أرض  البرّاكية  المتربة . أعدّت  فرشتهما   في  الموقع  الواقع  خلف  الخزانة ، التي  كانت  تفصل  البراكية  الى  نصفين .

****

وصل  مسعود  بيسان   متأخرا  قليلا ،  كانت  القناديل  الكهربائية  تضيء المكان ولافتات  الحوانيت  مضاءة . رأى  في  طرف الشارع  المضاء  ابنته  استير  تقطع  الشارع  بصحبة  زملائها  وزميلاتها  ، تمكّن  من  رؤيتها ,  كان  ذلك  قصيرا ، مرت  أمامه  بسرعة ،  لم  تلمحه  ،  لكنه  رآها . شعر ، رغم  قلقه ، بنوع  من  الفرح ،  كبرت  ابنته .

عجل  مسعود  خطوه وسار  مسرعا  الى  البيت .  ما  ان  دخل  الغرفة ،  القى  بجسمه  المتعب على  الكنبة ،  واستسلم  للنوم .

شاهد  في  المنام  حلما ، كان  أزعجه  شعور  قوي ، أحس  به  بعد  الصراع المرير  الطويل ، رأى  نفسه  يعمل  صياد  طيور في  حقل . كان  يحرسه لمن  استولوا  عليه ، زوّدوه  ببندقية  صيد ،  وطلبوا  اليه :

أن  يمنع  الطيور  أن ترد  الحقل  لأكل  بذور  القمح  فيه . قتل  طيورا  كثيرة ،  لكن  قتلها  لم  يمنع  طيورا  أخرى من  أن  تنزل السهل وتحاول التهام  بذور  القمح .

أفاق  مسعود  من  حلمه  منزعجا ، كان  يصرخ ،  يتلفظ  أشياء  مبهمة :

لم  أقتل سعيد ،  كان  يصيح .

فتّح  عينيه  الحمراوين  المتعبتين ،  ذهل  حين  سمع  صراخه  ، نظر  حوله ،  فرأى  زوجته  شارونا ، أولاده ، دافيد ومردخاي وشلومو وابنته  استير حوله، مندهشين  مما  كان  فيه . حدثهم  عن  الصراع  المرير  والطويل  الذي  كان له  مع  سعيد .

كان  مسعود متعبا  حقا ، أتعبه  التفكير  بالصخرة . أحس أن  التعب  اشتد  عليه ،  نهض  وسار  الى  غرفة  النوم ،  لكن  شارونا  لم ترافقه  اليها  كالعادة  . وسرعان  ما  استسلم  للنوم .

* * * *

كان  مسعود  في  الحقيقة  انسانا بسيطا  ، ساذجا ومتديّنا  قليلا ، مثل  كثيرين  من أصحابه  وناسه  وأبناء  وبنات  مجتمعه . لكن  بساطته لم  تمنعه  من  أن  يكتشف حقائق ،  تتعارض  كثيرا  مع  ما  قيل  له  دائما  منذ  أتى  الى  بيسان .  وقد  سهّل عليه  الأمر ما  عرفه وعاشه  من  صراع  طويل  ومرير في  السهل وجلوسه  المتكرر  عند  الجرف  النهري  فوق الصخرة  المطلّة  على  انحدار  عميق جعلته يدرك  خطر أنه  سيسقط  فيه ، اذا  ما  اوقع  سعيد  فيه ،  مآلهما  مشترك ،  يهبطان  الصخرة أ و  أن  يصبحا  طعاما  للسمك  في  ماء  النهر  العميق ،  بعد  أن  كان  يطيب  لهم  أكله  شيّا .

حدّث  مسعود  نفسه  لأول  مرّة ،  صامتا  :

معنا  الحق  والقوة ،  ولكن  هذا  لا  يلغي  حق  الآخرين ، أن  تكون  على  حق  ،  شيء  حسن ،  لكن  هذا  لا  يعفيك  من  عدم  رؤية ما للآخرين  من  حق .

أضاف :

حدثت  أمور ، قبل  مجيئي ،  ما  كان  يجب  أن  تكون .

استدار  ونام .  كان  متعبا قليلا وكم  ود  في  تلك  الليلة أن  يحضن زوجه  بقوة  ويجامعها ، لكنه  استبعد  ذلك ، انقلب  على  بطنه  ونام .

* * * *

قرأ سعيد  الآية  أكثر  من  مرّة ،  لكنه ، قال :

لن  يكون  هناك  غالب . ففي الحروب  ، كما  في  الكراهيّة  يخسر  الجميع .

شعر  أن  شيئا  يعلق  في  حلقه ،  بصقه  بعيدا .

قال :

ما  أفظع  أن  يعيش  الانسان  كذبة ،  اختلقها  آخرون ،  وقد  صدقها  فعمل على  الترويج  لها .  لم  نعلن  حقا ،  أننا  سنرميهم  في  البحر . وكل  ما  كان  أننا  ألقينا في  الصحراء  ، شعر  برغبة  حقيقية  بالبكاء .

****

حدث  ما  منع  سعيد  من  التسلل  الى  الصخرة ،  انقطع  حبل  اللقاء ، فلم  يحدّث  مسعود  سعيد  في  أمر  حلمه  ، ولم  يقل  سعيد  لمسعود  هاجسه .  وقعت  امور حالت  دون  ان  يلتقيا ،  كبر  الوهم  وتراجع  الحلم ،  وباتت  الصخرة  أكثر  قربا  من  الشام  وأعمق  انحدارا . ولا يستطيع  سعيد  ومسعود  الاقتراب  منها ،  فحيث يكون  جنود  كثيرون  ينعدم  السمك .

* * * *

وقع   ذلك بعد  سنين  طويلة  وعديدة .

نشرت  الصحف  في  اليوم  التالي  لذلك  اليوم  الحزين ، وبالتفاصيل ، نبأ  ما  كان  وما  لم  يكن  ،  وصدقها قوم  كثيرون .  وأسهبت ،  خصيصا  في  نشر  بطولات  ناس  ،  ذكرت  أسماءهم ، فذكّرت  بحكايا  البطولات  الأسطورية  للملك  دافيد ، الفتى،  يتوسط  السهل  حاملا  مقلاعه ،  يقتل  جوليات  الجبار  برمية  حجر  و بشمشون  ينزل  الى  السهل  ذاته  ، يقتل الفلستا  بحنك  حمار ،  نفق  في السهل .

وفي  النهار  التالي ، وقد  انقشعت  بعض  الغيوم،  كتبت  الصحف  ذاتها  أن  التحقيقات  الأولية الموثوقة  تؤكد  صحة  ما  جاء  في  منشور الفدائيين  الثلاثة ،  الذين  اقتحموا  بلدة  بيسان ، فكانوا  ثلاثة  وليس  أربعة  ، كما  نشر  أمس ، والثلاثة  هم  :

سعيد  العبد  الله من  بيسان وسعيد  المحمود  من  جسر  المجامع  وسعيد لمبارك من  سمخ .  أما  الرابع  ،  فقد  ثبت  أنه مسعود  شلومو  المغربي  المولد .  ظنه

الجيش  أحد الفدائيين  ،  وليس  رهينة  ،  وقد قصف  الجيش  بصاروخ  ذكي  ، موجه  عن  بعد ،  الغرفة  التي  اختبئوا  فيها .  وبعدها اقتحم  الحشد  الغاضب والمتعطش  للثأر والانتقام المكان  وقد  بُحَّتْ  حناجره  بالصراخ  :

الموت  للعرب .

وقد  ألقوا  بالجثث  الأربعة ، التي  قتلها  الصاروخ  الذكي ، الى  الحشد  المتبقي  في  الشارع ، فأوقد  فيها  النار .

وكتبت  تلك  الصحف  بأسى  :

أن  مسعود  قتل  بنارٍ  من  أفراد جيشنا  وأن  ناسا  منا  أحرقت  جثته .

وأسدل  الستار  بعدها  على  ما  حدث  .

فندر  ما  ثار  السؤال  وقفز  الى  الأذهان  :

كيف  جرى  أن  خيم  الصمت  على  حرق  جثث ، فجِّرَتْ  بصاروخ ،  أحْرِقَتْ وسط  شارعٍ  عام ومن  حشد كبير .

حين  اشتعلت  النار  في  الجثث  الاربعة  لم  يدر  كثيرون أي  حلم  انحرق  وأي  وهم  تبدّد .

***

حينَ  أطلِقَتِ  القذيفة  الصاروخية  الذكية  ، كانت الاصابة  محكمة  ودقيقة  ،  تطاير  الهدف في  فضاء الغرفة  التي  اختبأ  فيها  السعيدون  الثلاثة  ورابعهم  مسعود الرهينة.  اقتحم  الحشد  الغاضب  المكان  وألقى  بالجثث الأربعة  الى  من  بقي في  الخارج  من  الحشد  الغاضب ،  فرقصوا  طويلا  على  الجثث  ، قبل  احراقها  وايقاد  النار  فيها .

لم  يدر  الحشد  الغاضب المحتفل  انتصارا  على  الجثث  الممزقة  بأن  ثمة  لحظة  زمنية  بالغة  القصر ،  يصعب  تحديدها زمنيا  ورصدها ، يمسك  فيها  الموت  بخناق  القتيل،   فيصاب  هذا  بذهول  مخيف ،  يعكس  التعلق  بالحياة ، ولحظة  يطبق الموت فيها  على الخناق . لكنها  ، على  الرغم  من  قصرها ، كافية  لأن  يستعرض  فيها  الانسان  القتيل مسار  حياته ، فيلتقط  بعض  ما  فيها  من  صور ، يحتفظ  بها  في  عينيه  ومن  ثمَّ  يستسلم  لموته  وينام  نومته  الأخيرة .

عاش  سعيد  لمبارك  من  قرية  سمخ  تلك  اللحظة  الزمنية  البالغة  القصر  ،  مرّ  أمام  عينيه شبه  المغلقتين  ، مثل  شريط ، مسار  حياته . عاش  حلمه  وعاش  وهمه .  وكلاهما  قاتلان . رأى  نفسه  طفلا  يركض  بين  أقدام  أمه  في  الرمل  الوحلي، لاختلاطه  الدائم  بماء  البحيرة ،  تذكّر  حصاها  النهري  الملون  في  منطقة  الملاحة ورحيله  الى  الحمة  السورية ، أول  مرة ، وشاهد  زفافه  يوم  عرسه ،  ممتطيا  الحصان ، يحيط  به  أصحابه  وأهله ويتقدّمه  أبوه  وموكب  الراقصين . شاهد  أمه  تحمله على  ظهرها  في  طريق  الرحيل  الطويل القصير  الى ا لحمة ،  وكيف  تبدلت  الأدوار  ،  فراح  يحملها  هاربا بها من الحمّة الى

دمشق ،  في  رحيله  الثاني . رأى  ابناءه  يكبرون، وقد  أراد  أن  يضمن  لهم  مستقبلا  لائقا  وتعليما  جامعيا ،  ولكنهم  كبروا ، حفاة  وشبه عراة في اليرموك  ، قتل حسن في  تل  الزعتر  وقتل حسين  في  فرن  الشباك  في  بيروت  ،  يوم  قتال  الأخوة الأعداء ،  حين  لم  يتّضح  من  القاتل  ومن  القتيل ،  وسجن  سمير  في  الخيام ، أما  هو  فبعد  برهة  سيغلق  عينيه  في  بيسان ، ظنها دربه الى سمخ ،  وقد  مزقت  شظايا  حديدية  مشتعلة جسده ،  أغلق عينيه  كليا  واستسلم لموته. مات  معه  الوهم  والحلم .

* * * *

فوجئ  مسعود حين  رأى أن  روحا ،  مثله ،  تَحومُ  حول  الصخرة  ذاتها،  وتلتصق  به  جالسة  قربه .  لم  يكن  المكان  ضيّقا ، فكان  متّسع  للاثنين .  استغرب  في  البداية :

من  ترى يكون ؟  أفسح المكان  قليلا .

فالموتى  لا  تعرف  أرواحهم  حدودا ، عند  تحليقها .

وكانت  المفاجئة :

روح  سعيد تجلس  قربه . أحس  بنوع  من الدفء لم يعرفه .

شعر :

الموتى لا يعرفون الكراهية والحقد ، أراد أن  يحقد بعد موته  الشنيع ، لكنَّ روحهُ احتارت :

هل  ينقم  على  الذين  أخذوه  رهينة  وسبّبوا  موته ؟

أم  على  الذين  ألقوه  للنار ؟ ولكن  على  من  ؟

سخرت  منه  روحه .

فوجئ ، كذلك ،  حين  ادرك أن    المنحدر، الجرف النهري،  لم  يعد   مخيفا ،  كما  عهده .

قال  سعيد ،  وقد  اتخذ  مكانه  فوق  الصخرة :

آسف  يا  مسعود  ،  لم  يكن  الهدف  قتلك ، يحزنني  شكل  موتك  وموتي .

قال   مسعود :

الموت هو الموت ، موتك  أو موتي .  كلنا  في  الموت  واحد .

قال  سعيد :

شعرت لأول مرة ، قال ، ا ن روحي طليقة وخفيفة ، لا تتحكم بها حواجز ولا  جسور ، فكان  أول  ما  فعلت  أن  جئت الصخرة  ، التي  اعتدت  أجيئها  قبل  رحيلي  الأول  وبعده  ، آتيها  متسللا . أتيتُ  لأراك  ، جعلتني  الصخرة  أفكّر  في  أمرنا  وفي  السمك ، لكن ما  حدث ، كان  أقوى  منك  ومنّي .

دهش  سعيد  من  أمر  روحه ،  كأنها  ليست  ما  كان ،  بدّله  الموت ،  جعله  انسانا  آخر، بدأ  يرى  الاشياء في  حجمها  الحقيقي وخلافا  لما  رآه  سابقا  في  المخيم . هاله حقيقة أن  الأمور  جرت  بهذا  الشكل .  قال محدّثا  روحه :

كان  يمكن  أن  يكون  غير  ما  كان .

قال  لها :

ما  جدوى أن  نحمّل  أحدنا  مسؤولية  ما كان .  المهم ،  ان  نعود  بأمان  الى  الصخرة .

سكت  قليلا ،  وفوجئ ،  حين  لاحظ  أن روحه   تهبط  فوقها  بلا  خوف .

قال  مسعود ، مقاطعا وحائمًا  حول  الصخرة :

قرأت  تفكير  روحك ،  عرفت  ما  حدّثتها  صامتا ، بهمس  غير  مسموع ، ألمسألة  تتعدى  من  منا  يتحمل  مسؤولية  ما  كان .

حين  يموت  المرء  تفقد  أسئلة  كثيرة كل  قيمة ،  تصير  الحياة  والموت  هما  السؤال .  لا  أخفيك  أنني  سألت  نفسي  بعد  موتنا :

لِمَ  لَمْ  نتعلّم  من  غباء  السمك .

يظل  يحوم  حول " طُّعْمِ  السنارة "  وفيه  موته . الصخرة  يا  سعيد  هي  طعمنا  ، وطعامنا ،  هي  موتنا  وحياتنا .  وحين  يكتشف السمك  حقيقة  الطعم ، يكون  الوقت  متأخرا ، فلا  ينفع  الندم . ولباس  موتنا ،  نحن  حِكْناهُ  وكنا  نسجناه  في  أيدينا .

تنهدت  روح  مسعود وكأنها  ما  زالت  في  عالم  الحياة ، قالت :

ألا  ترى ؟ كانت  الصخرة أوَّلَ  مَنْ  شَدَّنا  اليه .  ثمّ تابع  حديثه ، ما  كان  يحب  أن يقوله  لسعيد :

أعجب  يا  سعيد ، كيف  ان  الموت  ، بعد  موتي ،  علمني  ما  قيمة  الحياة .   فحرت  في  أمري :

أكان  يلزم  أن  أموت  ،  كي  أدرك ما  قيمة  الحياة ؟ .

قال  سعيد :

علّمني  الموت أن  أكتشف  جمال  الحرية .

وسألت  نفسي  :

أكان  يجب  أن  أموت كي  أعرف  معنى  حريتي .

وقد  فاجأني  شعور  قوي ، أخافني ، وكأن  راحتي  هي  في  موتي وحسبتها  في  حياتي .

ضحك  من  نفسه .

أخفى  الضحكة ، فلا  يجوز  للأموات  أن يضحكوا ، لكن هذا نظر الى  أسفل  النهر ، رأى  جنودا  كثيرين  يعبثون  بماء  النهر ، ود  لو حكى  لسعيد  حقيقة   ما  دفعه  الى  اعتلاء  الصخرة ،  ففي  أسفل  الضفة  يكثر  الجنود  ،  يلقون  بقذائفهم  الحارقة والقاتلة  الى  مائه  ،  فيقتلون  أسماكه .  تعلّم  ،  حيث  يكون  الجنود  ينعدم  السمك  وتنعدم  الحياة . لم  يخف  حين  رأى جنديا  قادما.  ما  عاد

ثمّة  ما  يخاف  عليه  . أحس  انه  لم  يعد  ملزما  بتسليم  سعيد .  فالموت  ،  على  ما  فيه  من  وحشة  وقساوة ، كان  يجمع  ويوحِّد بينهما . حدّث  روحه  الطليقة :

كم  ود  لو  أنه  يعود يصطاد  السمك  الجميل ، حين  تعمر  به  موائد  الفقراء ،   يتناوله  هو  وسعيد .  نظر  حوله و لم  يجد  سعيد .

قام  بخفّة ، شعر  بها لأول  مرة ،  وبدأ  يهبط  المنحدر .  وكان  سعيد قد  سبقه بالنزول .

خلّفا  الصخرة  والمنحدر  وراءهما ،  وفي  تحويمهما  الطائر لم  يلتفتا  الى وراء .

 

 

" نولْجا بِنْتِ  الغولِة "

 

" قِصَّتي هِيَ من وحي حكاية مغربية شمال افريقية ، حكتها لي أمي وأنا طفل ، هِيَ في الأصل أسطورة قديمة ، شبيهة بأساطير مختلفة في عالمنا تشوه صورة المرأة بعد هيمنة المجتمع الذُكوري عليها واعتبارها جِنِيَةً أو غولة " .

 

حدّثتني أمّي ، قالتْ :

خرج سردوك مرّة إلى الصيد، ومعهُ أترابُهُ، فكان أميرًا وابنَ أمِّهِ .

وَكانَ مِنْ أشجَع فِتيانِ الْعُروشِ في بِلادِهِ . صعدَ تلاًّ وهبطَ وادِيًا، لكنه

في ذلِكَ النَّهارِ لم يظفر بصيدٍ ،كأنَّ الأرضَ أقفرت ، انشقَّت ، فبلعَتْ ما

كانَ فيها منْ طيْرٍ وحَيَوانٍ .

لمْ يَدْرِ سَرْدوك كيف افتقد أصحابَهُ وبقِيَ وحيدًا في أرْضٍ ، يقعُ في طرفِها

غابةٌ كثيفة الشجرِ .

لمح غزالة، لم ير لجمالها مثيلا .

رآها تقفز أمامَهُ ، فمَدّ  يَدَهُ إلى قوْسِ نَشّابهِ، أرادَ أن يَرْميها، فلمْ تُطاوِعْهُ يَدُهُ وَجَمَدَتْ في مَكانِها ، دفعَ حِصانَهُ ، حاولَ أن يَلْحَقَ بِها وَأنْ يَصْطادَها بيده.

راحَ يتتبَّعُ قفزاتِها وقادته  عميقا  وسط  الغابة .أجْهَدَهُ التعَبُ ونالَ مِنْهُ العَطَشُ ، فلم يَعُدْ يَرى الغزالة ،  فتخلّى عَن فِكْرَةِ الإمْساكِ بِها .

وفي طريقِ عَوْدَتِهِ تذكّرَ أحاديثَ عَجائزَ بلدتهِ عن نبعِ  ماءٍ مَسْحورٍ في وَسَطِ الغابَةِ . خافَ قلبُهُ ، خافَ قليلاً ، ولكنْ أجْهَدَهُ العَطَشُ ، هُوَ وحِصانُهُ ، فاندفعَ  يَطلُبُ الماء .

كانَ النَّبعُ ، الذي قصَدَ الوُصولَ إليْهِ لِيشْرَبَ ، كانَ  طلَعَ مِنْ بطنِ الأرْضِ

عميقًا وَسطَ الغابةِ وقُرْبَهُ كانتْ  تسْكُنُ امرَأةٌ عَجوزٌ ساحِرَة ،ومَعَها ابنُها، تلهو  بالطينِ المَعْجونِ بماءِ النبعِ وتُشيّدُ منهُ بيوتًا صَغيرَة ، هِيَ أقرب إلى لُعَبِ الأطفال

وترْقُصُ في فرَحٍ حَوْلَ مَوْقِدِ نار .

نَسِيَ سردوك أمْرَ النبْعِ المَسْحور ، فاندفع ، مَأخوذًا بِعَطَشِهِ ، يَرِدُ النبع ، فكادَ

يُهَشّمُ بِرِجْليْ حِصانِهِ ما شيّدتهُ العَجوزُ السّاحِرَة مِنْ بُيوت .

صاحت :

وَيْحَكَ  سَرْدوك ،حَطّمْتَ ما  شيّدْتُ .

ما الذي دَهاكَ ، هَلْ تحْسَبُ نفسَكَ فُزْتَ بِقلْبِ  نولجا .

تراجَعَ سَرْدوك ، شاهِرًا سَيْفَهُ ، يَسْألُ العجوزَ الساحرة :

نولجا من تكون ؟

تظاهَرَت العجوزُ بالرَّفضِ والتَّمَنّعِ، فلمْ تُخْبِرْهُ :

نولجا منْ تكون ، وما سِرُّ جَمالِها،

فزادَتْهُ تشوّقًا وَرَغْبَةً في  مَعْرِفَةِ أمْرِها .

أقسَمَ أنَّهُ سَيقتلُها ، إنْ لم تُطْلِعْهُ :

مَنْ هِيَ ؟

وأيْنَ تُقيم .

قال :

يا " سَتّوتْ ، إمِّ البْهوت والبْخوت "

أمامَكِ خَياران،

فإما أنْ افوزَ بقلبِ نولجا،

اوْ أنْ أخْرِجَ قلبَكِ مِنْ أحْشائِكِ بِحَدِّ السَّيْفِ وضَرَبَ بِهِ شَجَرَةً سامِقَةً، فقطَعَها نِصْفَيْن .

قالت ستوت، المَرْأةُ العَجوز :

اسْمَعْ يا وَلدي،

وتظاهَرَتْ أنَّ الخوْفَ مِنْ سَيْفِهِ يَعْقِدُ لِسانَها ، بَيْنَكَ وبينَ نولجا سبعةُ بُحورٍ وسبعَةُ مُهور .

نولْجا، قالَتْ، أجمل نِساءِ الأرْض، تطلعُ الشمسُ منْ بين أصابعِها ويُشرِقُ القمَرُ  من بين عُيونِها ومن ريقِها يَفيضُ عَسَلُ الجَنّةِ ومن نَفْحِ طيبِها تعبقُ الرِّياضُ، ولن يفوزَ بها ، إلاّ من ركبَ في سبيلِها ولأجلِها أخطَرَ الأهْوالِ وعَرَفَ كَيْفَ يُذلّل المَصاعِبَ والعقباتِ، إنْ فُزتَ بِها ، أنْسَتْكَ الحورَ العين .

سأدلُّكَ، كَيْفَ تصِلُ إليْها ،  شريطةَ أنْ تسْمَعَ نَصيحَتي .

قالت :

سيعترض طريقك غولٌ وعقبان وسيلُ ماءٍ جارفٍ وغابة .

أمّا الغول فلا تخَفْ من حَديثِهِ وناوِلْهُ سَبْعَةَ الأرْغِفة، كي ينشَغِلَ بها عَنكَ، وإلاّ سَيَلتهِمُكَ عَظمًا ولَحْما ولن يُبقي منكَ أثرًا أوْ خَبَرا.

وحينَ تجتازَ وادِيًا عَميقًا، تُحيطُهُ جِبالٌ خالِيَةٌ من زَرْعٍ ، شَجَرٍ وإنسان ، سَتعْترِضُ طَريقكَ طُيورٌ بَيْضاء، سَبْعَةٌ ، هِيَ عُقبان، مَزِّقْها  بِسَيْفِكَ، لا تخَفْ واحْذرْ عِروضَ فتاةٍ مُغْرِيَة ستظهَرُ لكَ فَجْأةً من ريشِ العُقبان .

ارفُضْ بكُلِّ إباءٍ، إنْ راوَدَتْكَ عن نفسِها، فهيَ ابنتي العاقَّةُ العاصِيَة، وأنا أدرى بِحَبائِلِها المُغرِيَة.

سَيقودَكَ طَريقكَ إلى حَوْضِ وادٍ، جَمالُهِ الوارِفِ وظِلالِهِ الغنَّاء اشبه برِياضِ الجَنَّة المَوْعودَة، فيهِ سَيْلُ ماء، لا تقرَبْهُ، وإن أنهَكَكَ العَطَشُ وهدّكَ  التَّعَبُ ،فلا يفوزُ في مِثلِ هذهِ الحالَةِ إلاّ مَنْ عرفَ تَعبًا وصَبَر. سَيَكونُ الَّسيْلُ جارِفًا،  فابْقَ بَعيدًا عَنْهُ سَبعَةَ أيّامٍ ولا تقرَبْ ماءَهُ. وفي اليَوْمِ السابِعِ سيغورُ ماءُهُ قليلًا ،  فاسْتعْجِل العُبورَ وكُنْ في عَجَلَةٍ مِنْ أمْرِكَ. ولا تستوقفْكَ أزهارُ الوادي ولا طيّباتُهُ .  وستمْضي في طَريقِكَ إلى غابَةٍ ، أشجارُها جِنّيات .

ستحاوِلُ الغابَةُ إيقافَكَ ، فلا تعْبَأ بِها ولا تعِرْها اهتِمامًا. وإذا خلُصْتَ مِنْها ومنْ أصابِعِها السِّحْرِيَّةِ المُغْرِيَة .

قالت سَتوت :

سَتكونُ  طَريقكَ إلى نولجا مُمَهَّدَة، كُلَّما تذكَّرْتَ وصايايَ  .

شكرَها سَرْدوك ، وَهْوَ لَمْ يَعْتَدْ شُكْرَ أحَدٍ، وحَسَبَها أتمّتْ حَديثَها. لكنها أمْسَكَتْ

بلِجامِ حِصانِه، وقالتْ :

هذا الحِصانُ لنْ يُفيدَكَ، إذبَحْهً لآكُلَ لَحْمَهُ، وسأعْطيكَ ابَني بَدَلاً عنه ، ها هُوَ هُناكَ ،  سَحَرْتٍهُ حِصانًا وَرَبَطْتُهُ إلى جِذعِ الشَّجَرَةِ، فخُذهُ مَعَكَ، سيُعينُكَ في دَرْبِكَ .

فَعَلَ سَرْدوك ما قالَتِ العَجوزُ السّاحِرَة ومَضى يَرْكَبُ ظهْرَ ابنِها المَسْحورِ حِصانًا .

وما أنْ بلَغَ بَيْتَهُ، أحَسّ أنَّ الدُّنْيا بدأتْ تدورُ بِهِ ، مَلآنَةً بالهُمومِ وَبِكلِّ ما يطردُ النومَ  والسَّكينةَ مِنْ عُيونِ الرّاغِبِ فيهُما والمُحْتاجِ إليْهِما  .

نادى امَّهُ، قالَ لها :

أعِدّي لِيَ الفِراشَ، فلنْ يَهدَأ أوْ يَصْفُوَ لي بالٌ وَلنْ يَحْسُنَ حالي إلاّ بنولجا .

قالت الأم  :

وَيْحَكَ يا وَلَدي، يا أعَزّ مِنْ كَبدي،

هذِهِ ابْنَةُ غولَة ستقتلُكَ وتأكلُكَ لَحْمًا أخضَرَ .

تلهو بكَ ما طابَ لَها وتتسلّى قليلًا .

فالدَّرْبُ إليْها وَعِرٌ وخطيرٌ ، حَذارِ يا وَلَدي ،  فأنتَ  كلُّ ما أمْلِكُ .

لم يُصْغِ إلى ما قالتْ ،

قال :

اخلَعي ثِيابَكِ البيضَ والبسي السّودَ ، فابنكِ سيرْحَلُ غدًا ولن يَعودَ إلاّ إذا فازَ بِقلْبِ نولجا .

هَيّئي لي زادًا لِسَفَرٍ طويلٍ وَضَعي في الزّادِ سبعَةَ أرْغِفَة .

وفي اليَوْمِ التالي خرَجَ في طَريقِهِ ، يقودُهُ الحِصانُ المَسْحور .وَصَلَ إلى وادٍ تحِفّ

بِهِ الجبالُ العالِيَة، سارَ في وادٍ عَريضٍ ، أخذَ يَضيقُ كُلَّما تقدّم به . وفي اكثر المَواقِع ضيقًا ، انتصَبَ الغولُ مُخيفًا ،عيْناهُ تقدَحُ شرَرًا والشَّعْرُ الأبيَضُ يكسو رَأسَهُ ويَهْرِشُ فيهِ، وقد بَدَتْ أصابِعُ يديْهِ كالكَمّاشَة ، إذا ما أطبقتْ عَلى ضَحِيّةٍ خنقتْها ووَقَعَتْ فريستهُ مَيْتةً في الحال  .

سلّمَ عَليْهِ و حَيّاهُ :

عَليْكَ السَّلام .

هَمْهَمَ الغولُ :

" لولا سَلامك ما سبق كلامك، لَسْمِعِتْ طرْطقة عظامك من آخِرِ الوادي " .

كانَ سَرْدوك في عَجَلَةٍ مِنْ أمْرِهِ، لَمْ تخُنْهُ شَجاعَتُهُ، عاجَلَهُ و ناوَلَهُ الآرْغِفَةَ السَّبعة، كَما أوْصَتْهُ ستوت، فانشغلَ الغولُ في قضْمِها وَسارَ هُوَ يُواصِلُ رُكوبَهُ الحِصانَ المَسْحور ، غيْرَ آبِهٍ ، قطَعَ الوادي الآخِذَ في الاتِّساعِ وسارَ في دَرْبٍ صَحْراوِيٍّ ،  فانقضَّتْ عَليْهِ غُرْبانٌ بيضاء سبعة ، كلَّما مَزّقَ بسَيْفِهِ أجْنْحَةَ أحَدِها ، انبَرى الثاني فالثالثُ إلى الانقِضاضِ عليه . أتعَبَهُ الصِراعُ مع العقبان ، لكنَّهُ نجَحَ في النهاية في  تمزيقِ شمْلِها وقطعِ اجْنِحَتِها وقتلِها .

لم يفاجأ، إذ خرَجَتْ من بين الرّيشِ فتاةٌ نِصْف عارِيَة ، حاوَلَت الاقتِرابَ مِنهُ ، فابتعَدَ عنها . وأتى بإشارَةٍ تؤكِّدُ رفضَهُ لها، فألقتْ بِما كانَ يَسْترُ نِصْفَها السُّفلي وتقدمت نَحْوَهُ عارِيَةً، فأشاحَ بِوَجْهِهِ وتابَعَ سَيْرَهُ ، مُخلّفًا الفتاة المُغرِيَة خلفَهُ . فلمْ  يَسْتسْلِمْ  لإغرائها .

لمْ يَنظُرْ إلى الخلْف. نظرَ أمامًا ، فظهَرَ لَهُ مِنَ البَعيدِ شَجَرٌ كانَ يتحَرَّكُ .بدا له أنّ  للشجرِ أصابعُ وأن الفروعَ الخضْراءَ كانَتْ تتقدّم زاحِفةً لِلِقائِهِ .

خافَ، في البِدايَةِ ،وأدرَكَ أنّهُ في وَرْطَةٍ خطِرَة . لكنَّهُ سَرْعانَ ما استعادَ شَجاعَتهُ ،  فانقضَّ عَلى الفُروعِ الزّاحِفَة بِسَيْفِهِ فتراجَعَتْ مَذهولَةً وانكَمَشتْ، وفاجأتْهُ، إذ أخذتْ  في الانتِصابِ مُسْتعيدَةً شكلَها الأوَّلَ، فبَدَتْ غابَةً حَقيقيَّة .

وما أنْ تقدَّمَ قليلًا وسطَ الغابَةِ، حَتّى فاجَأهُ بيْتٌ لمْ يَلمَحْهُ مِنْ قبْلُ ، خَرَجَتْ مِنهُ فتاةٌ  في غايَةِ الحُسْنِ، فعَرَفَ فيها نولجا وسَرْعانَ ما وَقعَ الواحِدُ في حُبِّ الآخر .

قالتْ نولْجا وقدْ رَأتْ أنّ الشمْسَ تجنَحُ إلى الغُروب :

هذا أوانُ عَوْدةِ أمّي منَ الصَّيْدِ. فخافتْ على سردوك ، إذْ أدْرَكَتْ أنَّ أمَّها سَتأكلُهُ حينَ  تمْسِكُهُ في  صُحْبَتِها. فكَّرَتْ أيْنَ وكيْفَ سَتُخبِّئهُ، فلا تجِدُهُ أمُّها .

نفختْ فيهِ وكانتْ جالِسَةً في حِضْنِهِ ، فسحَرَتْهُ وباتَ دَبّوسَ شعْرٍ، خبّأتْهُ في شعرها.

في المَساءِ عادتْ أمُّها كالمُعتادِ وقد تزنّرَتْ برُؤوسِ ضَحاياها مِنْ آدَمِيّينَ وغير

آدميين . شمّتْ رائِحَةَ إنْس ، فاستغربَتِ الأمْرَ ، فسألت ابنتها عَمّا كانَ إنسٌ في  صُحبَتِها .

قالت نولجا :

الانسُ فيك ِ،مِنْ كثرَةِ ما اصطدْتِ مِنهُم، عَلِقت رائِحَتهُم في أنوفِكِ .وأنكرَتْ كُلَّ  علم  لَها بوُجودِ إنس . وانبَرَتْ إلى تمْشيطِ شَعْرِها وَتصْفيفِهِ  .

قلبت  الأم البيت  تفتيشا ،  نبشت  كل  زواياه ، فتشت خارجه ،  نظرت  في  البئر ،  بحثت  في الحاكورة المجاورة وكل شَجَرَةٍ من أشجار الغابة  القريبة ، لكنها  لم  تجد  أثرا  لإنس .  ضحكت  من  نفسها ،  لم  يبق  الاّ  نولجا  أفتش شعرها ،  لكنها  ألقت  بنفسها  على  التراب  ونامت .  كانت  متعبة ،  حدّثت  نفسها  :

سأبحث ، في الصباحِ ، عند طلوعِ الفجر .

غفت  ونامت  وابتدأت  بالشخير .

نظرت  نولجا  الى  عيني  أمها ، فوجدتهما  حمراوين ،  شديدتي الاحمرار ،فتأكد ت  انها  غطست  في  نومها .  فانزوت  في  زاويتها  المعهودة  ولم  تنم .  وحين  انتصف  الليل نهضت  وخرجت ،  فحولت  الدبوس الى  ما  كانت  تتمنّى  لنفسها ،  ووجدت  الحصان  عاد  الى  مكانه  بعد  أن  اختفى  عن  الأنظار .  ركباه  سريعا  ولاذا  بالفرار .  وفي  الصباح  لم  تجد  الأم  ابنتها ،  فتأكّدت  من  امر  اختفائها .

بكت  الأم  بكاء"  مريرا  لفقدها  ابنتها .  صعدت ، باكية ،  شجرة  عالية  في  وسط  ساحة  البيت  وأصغت  للريح ،  فعرفت  اتجاه  الهرب  والاختفاء .  نزلت  من  أعلى  الشجرة ،  مصممة  أن  تستعيد  ابنتها . في  لحظة  استحالت  حمامة  وانطلقت  في  اثر  ابنتها .  رأتها  نولجا  مقبلة ،  طائرة ،  فاستحالت  صقرا  ينتف  ريش  أمها ويبكيها  بألم  ومرارة  .  عادت  الأم  منتوفة الريش , لكنها  لم  تستسلم ،

فاستحالت  سهما  انطلق  سريعا .

قالت :  يا  سهم  كن  قاتلا"  لمن  في  صحبة  نولجا ، أمّا  هي  فلا  تصبها  بأذى .  وانطلق  السهم . أبصرته نولجا  منطلقا ،  يصفر  كالريح ، فاستحالت  درعا  يحيط  بسردوك  وحصانه ،  انكسر  عليه  السهم  المنطلق فلقا  متناثرة  تذ روها  الريح .

غضبت  الأم  ، فاستحالت  ريحا  قاتلة  البرودة ،  فتحولت  نولجا  الى  غطاء  يرد  البرد  وقرص  الريح ، يقي  سردوك  وحصانه . أعيت  نولجا  أمها ،  فسألت  الجبال  أن  تصير حاجزا  يرد  نولجا  ومن  معها  اليها ، فاعترضت  الجبال  مسيرتهم ،  لكن  الحصان  استحال  نسرا ،  ينهب  بجناحيه  أرجاء  الفضاء .

لم  تجد  الأم  من  حيلة  تلجأ   اليها، فعاد ت  باكية  كسيرة .

أحزنها  أن  ابنتها   هربت  مع  أول  رجل  طرق  بابها  وأن  من  رحمها  خرج

من  ينقلب  عليها  ،  يصير صقرا  ينتف  ريشها  ،  يبقيها  بلا  ريش ،  ويصير  درعا  تنكسر  عليه  سهامها  وغطاءا   يرد  شديد  بردها .

أدركت الأم  بمرارة أن  بقاء  الحال  على  ما  هو  عليه  ضرب  من  المحال وأن  ما  كان  لن يعود  و  أن  ما حدث   هو  ما  سيكون ،  وأن  ما  علمته  ابنتها  وما  علمتها  الحياة   يفوق  كثيرا  ما  تعلّمته  هي  في  حياتها .  ولن  تكون  البنت  برأفة  وحنان   ،  كالأم  ،  الاّ    متى  صارت  أما" .  بكت  الأم  طويلا  وعاد ت   الى  ما  كانت  عليه .جلست  وحيدة  عند  حافة  البئر ،  أول  مرة .  نظرت  حولها ، تبحث عنها بعينيها المتعبتين ، فلم  تجدها . واست  نفسها  وعزّتها ،  كان  من  المحتّم  أن   تتركها  يوما  ما ،  ستتركها  برضى  وتتركها  بسخط ،  وقد  تتركها  بعنف أو لين .

فهذه  سنّة  الحياة ! .

حدّثت  نفسها ،  بألم  وحسرة ، قبل  النوم  الداهم والمتسلل  الى  عينيها  ،  ذاك

المساء، سأتعوّد  على  العيش  وحدي ، سأعيش  وأموت  وحيدة .  أسموني  غولة  وسأعيش  مثل  غولة ، قالت .

أحسّت  بالنعاس  الآسر يتملّكها ويتسلل  الى  عينيها ، استسلمت لظلاله  ورؤاه ونامت .

أما  نولجا  فواصلت  الطريق  غير  هيابة . وفي  المساء  وصلوا  البيت متعبين .

غمر  الفرح  الجارف الوالدين ،الأب  والأم  ، الأمير  والأميرة .  نادى  المنادي  في  الحارات  والسهول  والوديان  والدواوير  النائية  والقريبة :

ألفرح  في  دار  الأمير.  شهرا  كاملا  ستكون  مائد ته عامرة  ،  ولن يكون  طعام  أو  شراب  الاّ  في  بيت  الأمير .  يعقب  ذلك  فرح  العرس الذي  يدوم  أسبوعا  ،  يليه  شهر  العسل .

وفي  زحمة  الفرح دفعت  الأم  كل  تفكير :

نولجا  من  تكون ؟

وكانت  تد رك في  قرارة  نفسها  أن  ابنها اختار  عروسه ولن  يثنيه  عن  قراره  شيء .

وكما  في  الحكايا  كذلك  في  الحياة  ، أكدت  امي ،  عمر  الهناء والفرح  قصير  .

قالت :

الهناء  لا  يد وم   والفرح  لا  يطول  ، تعود  الحياة الى  ما  هي  ،  الى  حقيقتها ،  عامرة  بالحب  والبغضاء،  بالفرح  والحزن ،  باللذّة  والألم  ،  بالبساطة  والعقد ،  بالسذاجة  والمكائد ،  بالوفاء  والغيرة .

وما  ان  تمت  الأفراح  ،  وانتهت  الليالي  الملاح ،  وراحت  السكرة  وجاءت  الفكرة ، سألت  الزوجة الأميرة  زوجها  الأمير  ما ان  اختلت  به  واطبقت  رجليها  حول  خناقه :

اذا  كان  نَسِي حقا  نولجا  مَن  تكون ؟

قالت  لِزوجِها  :

نولجا ابنة  المرأة   التي  عملت  في  بيتنا ، ألا  تزال  تذكرها ؟  رغم  مخاوفي  من  شبابها  وجمالها  عليك ،  رضيت  بها  تعمل  في  غرفة  نومنا ،  فكنت  كمن  يقبل  أن  يدخل  أفعى  الى  سرير  نومه ، ضبطتكما ،  مسك اليد ،  عاريين  في  سرير

الزوجية .  وخوفا  من  الفضيحة  ،  نقلناها  الى  العمل  في  الزريبة ،  فالتفّت  على  الراعي  فحملت  منه ،  وبعد  أن  أنجبت  ، لوهمنا ،  سرّا  ،  طردناها  من  البيت  شر  طردة     وأبعدناها  بعيدا  عن  البلد،  تلاحقها  شتائم   الناس  والحجارة ،  وزعمنا  أنها  غولة .  ألا  تذكرها ،  انها  ابنة  الراعي ،  فلا  هي  من  مقام  ابني  ولا  هي  من  مقامنا . كانت جاريتك . أتراك  لا  تزال  تذكرها ، ان  نسيت  فلم  أنس . وكانت  فوق  هذا  خليلتك ، تراك  نسيت .

قال  الزوج :

حسبنا  عظامها  صارت  مكاحل ،  فلا  أحب  أن  أذكرها  ،  نولجا  عروس  ابننا .  ولكني  لم  أنسها ، أجابت  الزوجة ،  فالمقروس  يخاف  من  جرّة  الحبل . خيالها  يذكرني  بأمها ،  بجمالها وفعالها .

 

* * **

قالت  أمي :

كانت  الغيرة  من  سمات  الرجل ،  ظهرت  وكبرت  معه  وتأصلت  فيه ،  لقناعته  وظنه  أن المرأة  سلعة  ،  مثل  كل  السلع ، يقتنيها  ويمتلكها  ويرى  أن  من  مواصفات  هذه  السلعة  الاخلاص له. وقد  انتقلت  مع  الوقت الى المرأة  ،  فصارت  من  سماتها ،  حتى  صحّ  فيها  القول  :

لولا  الغيرة  ما حبلت  أميرة .

 

*** *

 

قالت  الأم  الأميرة  :

لن  يهدأ  لي  بال ،  حتى  أنقذ  ابني، وأستعيده الى حظيرتي .

 

** * *

أتاها  الفرج  ، كالعادة ،  من  حيث  لم  تكن  تتوقع .

اكتشف  ضبع  جائع  وشرس  ،  بطريق  الصدفة ، فتحة  في  سياج  زريبة  الأمير  التي  تؤوي  خرافه  الخاصة  ،  الد سمة  والمحببة .

اختفى  ،  في  البداية ،  كلب  الزريبة.و اختفى في اليوم الثاني  أحد  الخراف ،

فأثار  الأمر  مخاوف  الأمير .  وقد  ازدادت  هذه  المخاوف  بعد  فقدان  خروف  آخر .

قالت  زوجة  الأمير :

أكثر  ما  يخيفني ، أن  تكون  غولة   ، هي  التي  افترست  الخراف .

قال  الزوج  الأمير ،  وقد  حاول  اخفاء  قلقه  ومخاوفه :

عن  أية  غولة  تتحدثين ،  ونحن  من  أوجد قٌصة  الغولة ،  فليس  ثمّة  غيلان .

قالت  الزوجة :

يخيفني  هاجس  ،  لا أخفيه ،  أن  تكون  نولجا  عادت  الى  ما  كانت  عليه ،  ابنة  غولة.

قال ، نولجا  زوجة  ابننا  ،  ابنك ،  فلا  يجوز  التحدّث  عنها  بهذه  الطريقة .

قالت  ،  وقد  انسبقت  في  كلامها ، هي  زوج  ابني ، ولدي،  فهي  ابنة  غولة .

 

****

 

قضى  سردوك  أياما  جميلة  وهنيّة  بصحبة  زوجته  الشابة  والجميلة .  غمرته  بحبها  وحنانها وأسعد ته بأبناء  حلوين ،  وكاد  ينسى  كل  ما  حواليه .  لكنّ  أمه  كانت  تتحيّن  الفرص  للنيل  من  زوجه ،  نولجا.

كان  الأمر  محتملا  في  البداية ،  ثم  استحال  جحيما .  وقد  فاجأته  في  أحد  الأيام بمخاوفها  فيما  يخص فقدا ن  الخرفان .

حاول  في  البداية  دفعها  بلطف  من  يحب  زوجته  ويحب  والديه . ولكنه بات  كمن  يعيش  بين  نارين ، بين  زوجته  وبين  أمه . فكان  لهذه  الأخيرة  الغلبة ،  ولعبت  في  عقل  ابنها واستغلت  في  ذلك  طيبة زوجها  وابنها  وحليب  الأم  ،  كما  اعتادت  تقول :

انتصر  ثدي  الأم  وانهزم  ثدي  الزوجة .

فحين  كان  عليه  أن  يختار ،  اختار  أمّه .

كانت  لحوحة وكثرت  الأقاويل .

وحين  أدركت  نواجا  حقيقة  نوايا  حماتها  ،  كان  الوقت  متأخرا .

حدّثت  نولجا  زوجها  :

قالت  كنتُ  الدرع  الذي  كسر  سهام  أمي ،  وكنتُ  الغطاء  الذي  حماك  لحظة اشتد  خطر  الريح  الباردة  ،  وكنتُ  الصقر  الذي  نتف  ريش  امّي .  كل  هذا وغيره  نسيته  في  عجل، واستسلمت  لقدرها .

قالت  ، وبكت  في  وجع  المستسلم وقد  رأت  السكين  يلمع  في  جيبه ، لم  تكن  أمي  غولة ،  ولم  أكن  ابنة  غولة ،  كثرت  الأقاويل فصد قناها وتصدقها ، فصرنا  خلا ف  ما  كنا  وما  نحن .  وأغمضت  عينيها .

 

* * *

 

قالت  أمُّ سردوك :

اختفى  كل  أثر  لنولجا  ،  وكان  سردوك  الوحيد ،  الذي  يعرف  قبرها  وأين  يكون  وفيه كان دفنها بعد موتها  و كان يعرف  كذلك  أن  نولجا  لم  تكن  ابنة  غولة .

لم  تفلح  أمه  في  حمله  على  الزواج ، قضى  بقية  عمره  حزينا  ونادما

على  فعلته . أسهَمَ في الخَلاصِ  من زوجه  وكان  بعده  يقول  كثيرًا مُحَدِّثًا نفسه  ، يقولُ :

لكن  هل  ينفع  الندم ؟

وراح  بعدها  يقضي  جل  وقته  في  الصيد  في  الوعور   والبراري ، عَلَّهُ  ينسى .

 

قادته  قدماه  ، يوما ،  الى  غابٍ  كثيف ،  يقع  فيه  قبر  نولجا . تأكّد  من  المكان ،  فتفحّص  التراب ،  علّه  يجد  شيئا  من  اثرها .  نبش  التراب ،  بغير  حذر فطارت  عظمة ،  كان  واضحا  أنها  من  بقايا  عظامها ، أصابته  في  عينه ،  فاقتلعتها . وتَذَكَّر  ما قالت  له زوجته :

إن  قَتَلْتَني  ،

ستظَلُّ  في  حَياتِكَ  فاقِدَ  البَصَر!

و هو  ما  حَدَثَ  فصار  فاقد  البصر  في  احدى  عينيه والبصيرة في حياته .

 

ــــــ

نصان من كتابي النثري الأخير

 

" الشيخ مطيع وولده سعيد ازدادا قناعة

لن يتغيَّرَ مانحنُ فيه ، ما لم نُغَيِّرْ ما بأنفسنا "

 

 

ـ النصُّ الأول

 

كانت جدةُ الشيخ مطيع  سعدة الطواهرية ، ابنة حمدان الأوراسي ،

حَدّثته ذات يوم وكان لا يزال يعيش في قريته في مِنْطقة الأوراس عند وادي مجردة القريب من غرب تونس ومن شرق الجزائر ،

روت :

في واحد من فصول الربيع وذاتَ يَوم كان الطَّقسُ دافئا وكانت الأرض مليئة بالزهور المُلونة والأعشاب شديدة الخضرة ، سمح الأهل لابنتهم الطِّفلة ، صغيرة السِّن ، بالخروج من البيت لجمع ورودٍ قد تُعْجِبُها ، فبدأت الطفلة تقفِزً راقصة ومُنْشِدة . وبدون حذر ودون معرفة ابتعدت عن البيت قليلا ، لكنها راحت تجمع باقة زهر ملوَّنٍ ، اندهشت بلونه ، فنسِيَت ما أوصتها أمُّها بعدم الابتعاد عن البيت ، كيلا تضيع ، وراحت تواصل قفزتها المُفرِحة فوصلت غابة كثيفة الشَّجر ، وسرعان ما علِقَ شعرُها وعلقت ثيابها بفروع شجرة زيتون بريَّة ، لم تنجح في التَّخَلُّصِ منها ، فباتت كالحبيسة ، ظَلَّت بعدها واقفة لا تستطيع حركة ، مَرَّ الوقتُ سريعا ، فانتبه

الأهل مساء وسألوا أنفسهم :

أين الصغيرة ؟ !

وفي هذه الأثناء رآها نمرٌ عن بُعْدٍ ، فاقترب من شجرتها وراح ينتظر حلول بعض العتمة لينقضَّ عليها وبدأ يراقب ما حوله وحولها ، رأته الطِّفلة .

في البداية خافت وكادت تنفجر بكاءً ، لكِنَّها بدأت كمن يُكَلِّمُهُ ، فراحتْ تُرَدِّدُ :

" أنا لا نِنّي ... وْإنْتَ لا توكِلني "

وقبل غياب الشمس خرج أهلها وأهلهم يبحثون عنها رافعين عُصِيَّهم ، التي أشعلوا رؤوسها بالنّار ـ النور ، خوفا من كلِّ احتمال قد يُصادِفونه . وصدفة اقتربوا من مكان الطفلة العالقة في فروع شجرة زيتون ومن النمر ، فسمعوها تردِّدَ ما أرادت قوله للنمر القريب منها :

" أنا لا أنام ... وأنت لا تأْكُلْني "

وما أن رأى النمر ناسا يقتربون من المكان ، نهض من قعدته وبدأ يفرُّ مبتعدا ، فوصل الأهل طِفْلَتهم وأفلتوها من الفرع ، وراحت الطفلة ،

كأنَّ ما عرفته من خوف كان ولم يكن ،

راحت تواصل القفز شبه الراقص عائدة بصُحبة أهلها ، حاملة ضُمَّة الزهر المُلون ومُرَدِّدَةً ما ابتدأته من غناء .

شعر الأهل براحة نفسية ، فلم يخسروا ابنتهم الصغيرة .

وحين دخلوا البيت ، أوصَوا الجميع بالحذر مِمّا قد يحدث في هذا الليل ، شكروهم شكرا لائقًا وأغلقوا باب البيت .

تذكَّرَ شيخ مطيع ما قالته جدته في خاتمة ما روت :

حقيقة لا أعرف متى حدث ذلك ، فجدَّتي هي ما روته لي مؤكِدة عِبْرة الحكاية ،

فاليقظة وعدم النوم ،

ساعة يصل قرب بيتك مُفترِسٌ هو أشبه بغازٍ عنيف ،

هما شرط نجاة الحياة ،

فلا يُقتلُ عِنْدَها أيُّ إنسان .

 

النص الثاني

ما حكت الجدَّة

 

عندها تذكَّر شيخ مطيع ما حكتْ جدته له قبل الرحيل من الجزائر .

حكت الجدَّة أن ولدها ، عمَّهُ سعدالله ،

شُبِّه له ذات يوم أن اسدًا مُخيفًا ينبطِحُ على صَخرة عند الوادي ،

فخاف منه ورمى البندقية ـ المُكُحْلِة ـ وما فيها من كحل قاتل حين يشتعل ويصيب كلَّ ضحِيَّة ،

وراح يهرب إلى وراء بلا انتباه ،

فاصطدم بحجر صخرة وسقط في موقع عميق عند ضفة ذاك الوادي وبعد بعض الوقت عرفنا ما اصابه ،

احزنني موته كثيرا ،

ومن ذلك الوقت أكَّدَتِ الجدّة ، ازددتُ إدراكا أن المُكُحْلِة ـ البارودة ـ القاتلة هي وليدة حضارة وثقافة ، هي ما جلبها معهم الكولون الفرنسيّون ، أملا في السيطرة علينا ونهب ثرواتنا وهي ما أخفى الأسود من غاباتنا ، قتلتها ، وباتت تهدّدُ حياتنا بالاختفاء كذلك ،  لحظتها التزمتِ الجدَّة صمتًا حزينًا ،

لكنَّها سرعان ما قالت إنَّ جدَّكَ عبد الرّازق كان واحدا من أوائل ضحايا هذا الغزو  حين رفض ما يريدونه من سرقة أرض احتلّوها .

وكان عمُّك سعد الله قد بدأ يُدْرِكُ فظاعة وفحشاء ما قد فعل ، قالت الجَدَّة ،

فبات يعيشُ حالة خوف دائم وحين اشتدَّ خوفه وقلقه ،

شُبِّهَ له أن بلده استحال صَخرة صارخة غضبًا ،

يرتاح فوقها أسدٌ بقي ينتظره ،

لينبِّههُ ،

فيُحَذِّرُهُ من خُطورة ما كان يفعله ويقومُ به من قتل حياة غابتنا وساكنيها ،

ومن يومها بِتُّ أصيح كُلَّما أرى أحد أبناء الغزاة الكولون يدخل بيتنا لغرض في نفسه كالعمل أو المُتاجَرة ، أصيح بوجع محزونة فقدت زوجها وابنها ، أقرب الناس إليها ، حين قتلهما الغزاة :

غَطّوني .... غَطوني ،

كَيْلا أرى غازٍ ولا أقبل بالتواصل معه ،

وما يوجعني أن ولدي سعد الله قبِلَ التواصل معهم مثل كثيرين من ناسنا طمعًا ببعض قروش ... !

وراح يُساعدُهُم في صيد الأسود وفي التحرُّك في الغابات المحيطة بنا ،

فباتَ ضحِيَّة نفسه ،

ضحية عمله ،

عقله وضحية غُزاته .

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;