ــ في النصف الثاني من شهر أيلول الماضي ( 2021 ) صدر الجزء الأول من كتابي خلاصة تجربة وما علَّمتْ تجربة قراءاتٍ وكتاباتٍ ـ ابراهيم مالك وفي النصف الأول من تشرين الثاني الجاري آمل أن يصدر الجزء الثاني

 

كِتابي " خلاصة تجربة وما عَلَّمَتْ

تجربة قراءاتي وكتاباتي "

 

 

الجُزْء الأول                                                              ابراهيم مالك

 

 

 

ــ 3 ــ

 

ـ صورة الغلاف الأول

 

صورة رمزية 123 اختارتها مَشكورة المجلة الثقافية الجزائرية

للنشر مع قصيدتي ـ شعر ـ في الأسبوع الأول من أيلول الماضي ( 2019 )

ـ قصائد مختارة توضحُ ما علّمتْ تجربة قراءتي وكتابتي الشعرية ، أعيد نشرها

وطباعتها مُنَقَّحَةً قليلًا هذه السنة مع بدئي عامي الثمانين   .

 

 

 

 

ــ 4 ــ

 

شعر

عَلَّمَتني التَجْرِبَة

الشعر قصيدة واحدة

 

الشِّعْرُ  نَبْضُ  عَقل

صُراخُ  قَلَقِ حَياة ،

هَمْسُهُ وَبَوْحُ عِشْق

 

ــ 5 ــ

 

الإهداء لأولادي وأولاد شقيقيَّ علي و زُهير ، طابَ ذِكْرُهُما :

مالك ، هاني ، فراس وبلال

جميلة ، حسين ، نَرجِس وجَمال

إياد ، عايدة ، هالة وَصالح

وللكتاب الشعراء :

الفنان المَغربي الكاتب الشاعر و الناقد الجمالي سعيد العفاسي المُقيم في كفر قرع

الكاتب الشاعر السوري زكريا محمد السقّال المقيم في برلين

الكاتب الدكتور السوداني حامد فضل الله المقيم في بَرلين

الفنان الكاتب الشاعر أسامة ملحم من كفر ياسيف

الأستاذ الكاتب د. رياض مخول من البقيعة

الكاتب العراقي المُقيم  في برلين يحيى علوان

الكاتب الشاعر العراقي كريم الأسدي المقيم في برلين

الكاتب الشاعر خالد خليل من كفرياسيف

الفنانة الشاعرة الكاتبة آمال دلي كريني من كفر ياسيف

 

 

 

ــ 6 ــ

 

الأديب المَغْربي الشاعر الكاتب محمد آيت علو

الكاتب الشاعر زياد شاهين من دالية الكرمل

الكاتب الشاعر مرزوق حلبي من دالية الكرمل

الكاتب الشاعر وهيب نديم وهبة من دالية الكرمل

الكاتب الشاعر الفلسطيني محمد عَلّوش من طول كرم

الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح من طول كرم

الشاعر الفلسطيني من رام الله المتوكل طه

الشاعر الفلسطيني محمد دله المقيم في الأردن وفي الضفة الغربية الفلسطينية

والإهداء أيضا للشعراء الكتاب الذين تخزنني وفاتُهُم المبكرة وقد تَمَنَّيتُ

كثيرا لو طالَ عمرهم قليلًا ، لِيَقْرئوا ما عَلَّمتني خلاصة تجربتي ، طابَ ذِكْرُهُم :

الكاتب الشاعر الفلسطيني أحمد بهجت من طيرة الكرمل المهَجَّرَة وقد تُوُفِّيَ في برلين

الكاتب الروائي الشاعر العراقي صبري هاشم الذي تُوُفِّيَ في برلين

الكاتب المفكر والشاعر معين حاطوم من دالية الكرمل وقد تُوُفِّيَ فيها .

 

ــ 7 ــ

الفهرست

 

( 8 )

 

في البدء سأعيد نشر خمسة نصوص شعرية ،

الأولان كًتبتهما حين كُنتُ في سنوات الدِّراسَةِ

الثانوية ـ 1958 و 1959، الثلاث ، بعدهما ،

في سنةٍ تَوصَّلتُ فيها إلى قناعةِ بِضَرورة التوقُّفِ

عن التَّبعيَّة السِّياسِيَّة والاهتمام كثيرا بالحراك

الثقافي وبالقراءات الأدّبِيَّة والفكرية العربِيَّة

والإنسانية قدَرَ الإمكان .

ــــ

ألنَصّان الأوَّلان

أفرَحني الصديق الأستاذ الكاتب فتحي فوراني المقيم في حيفا وهو من مدينة صفد التي هُجِّرَ سُكّانُها العرب عام 1948 ووصل مع عائلته بعد التهجير والترحيل إلى النّاصرة ، أفرحني حين أرسل ورقتين مُصَوَّرَتين لِقصيدتين لي نشرتهما في مرحلة الدراسة الثانوية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي ( 1959 كما أظُن ) في مجلة " الفجر " التي وتصدُرُ في المثلَّثِ الشِمالي .كانَ يُحَرِّرُها الشاعر الراحل راشد حسين ، طابَ ذِكْرُه ،

 

ــ 9 ــ

1          ــ

إلى خطيبتي*

ابراهيم مالك من كفرياسيف

...... الإهداء إلى الشاعر محمود درويش

بَعَثَتْ صديقته إليه تقول له :

أجمل ما يتمَنَّاهُ العاشِقان أن يصبِحَ لَهُما طِفْلٌ

ــــ

خَطيبتي آواهِ لوْ أنَّكِ تَعْلَمين

في كُلِّ لَيْلَةٍ أراكِ في المَنامِ تَحْمِلين

طِفْلًا على يَدَيْكِ نامَ مُغْمَضَ العُيون

طِفْلًا وديعًا أبْيَضَ الجَبين

على شِفاهِهِ تَرٍنُّ غِنْوَةُ الأمان

في عنقِهِ قِلادَةٌ خَضراء مِنْ جُمان

خَضْراءُ كالرَّبيعِ في نيسان ...

خَطيبتي هذا الملاكُ طِفْلُنا الصَّغير

 

ــ 10 ــ

 

هذا الَّذي حَدَّثْني عنهُ ... أتَذْكُرين ؟

حَدَّثْتِني عَنْهُ وَقُلْتِ ...

طِفْلُنا سَيَسْلِبُ الزُّهور

جَمالَها وَ حُسْنَها الفَتّان

وَقُلْتِ أنَّ عيْنَيْهِ بُحَيْرَتانِ مِنْ حنان

كالأفقِ وَكالسَّماءِ زَرْقاوان

خَطيبتي أواه لَوْ أنَّكِ تعلمين

في كُلِّ لَيْلَةٍ أراكِ تَحْمِلين

طفلًا وَديعًا ساحرَ العُيون

يَقولُ لي بابا

يُناديني بِصَوْتِ المَلاكِ الحنون بابا

ويا فَرَحي بابنيَ الصَّغير

بابا يناديني لِكَيْ أحْمِلَهُ كالحملِ الصَّغير

على يَدَيَّ أوْ أضُمَّهُ لِصَدْرِيَ الكَبير

 

 

ــ 11 ــ

 

في رِقَّةٍ مُدَغْدِغًا شِفاهَهُ بلين

خَطيبَتي متى تُرى ؟ أراك تحمِلين

على يَدَيْكِ طِفْلَنا الْمُبْتَسِمَ العُيون

لِكَيْ يُناديني بِصَوْتِ المَلاكِ الحنون

بابا ...

لكَيْ أضُمَّهُ لِصَدْرِيَ الكبير

في رِقَّةٍ مُدَغْدِغًا شِفاهَهُ بِلين .

 

*حين قرأتُ من جديد في هذه الأيام قصيدة إلى خطيبتي المهداة إلى الشاعر العزيز محمود درويش طاب ذكره تذَكَّرْتُ حالًا ما قال محمود لبعض مرافقيه في زيارة لي في البيت في كفرياسيف . وكان الشاعر الراحل أيامًا قليلة قبل رحيله قرَّرَ توديع ثلاثة من صحبه في الجليل وعائلته قبل رحيله . والصحب الثلاثة الذين زارهم فجأة هم الكاتب الشاعر سالم جبران ( صديق صفِّه في مدرسة كفرياسيف الثانوية ) وكان يسكن في الناصرة ، الكاتب القاص محمد علي طه من كابول والكاتب الشاعر ابراهيم مالك من كفرياسيف وقد قال لمرافقيه في بيتي :

 

 

ــ 12 ــ

 

ابراهيم صديق من جيل المراهقة في ثانوية كفرياسيف ، لكن لم يكشف حينها ولم أكشف ذلك أبدا قصص العشق المشترك بينه وبين طالِبة من عكّا وبيني وبين طالبة أخرى من قرية مُجاورة ، كُنّا نتواصل سِرًا وقد أكَّدَتْ صديقته أكثر من مَرَّةٍ لصديقتي أمنيتها بأن تصبحَ ذات يوم زوجته وتلدَ له وَلَدًا يناديه دائما :

يا بابا ،

فحَكَتْ لي صديقتي ما سَمَعَتْ وحكيْتُ لِمحمود في الحديث بيننا وفي القصيدة .

 

ـــ 13 ــ

 

2 ـــ

أنْشودَةٌ مِنَ الرّيف

ابراهيم مالك جزائري**

 

السُّنْبُلاتُ السُّمرُ يَحْضُنُها النَّسيم

واللَوْزَةُ الخَضْراءُ يَغْمُرُها السُّهاد

والقَمْحُ في الحَقْلِ الطَّروب

يَدْعو المَناجِلَ لِلْحَصاد

والْمِشْمِشُ الْمَعْسولُ يَشْدو حَوْلَهُ سِرْبُ الطُّيور

والسَّرْوَةُ الشَّمّاءُ تُنْشِدُ لِلمُصَوِّرِ

أنْشودَةَ الرّيفِ الجَميل .

وَفي لَحْظَةٍ في ساحَةِ الدّارِ الرَّحيبَة

تَناثَرَتْ أشْلاءُ مِشْمِشَةٍ قَديمَة

وكانَ قَريبًا مِنْها زَيْتونَةٌ

 

ــ 14 ــ

 

فراحَتْ تبكي وتوجِعُها المُصيبَة

كَأنَّها الثَّكْلى الكَئيبَة

انحَنَتْ لِتَرْثي أخْتَها الْحَبيبَة .

 

المِدْخَنَة

وكَنيسَةٌ جَلَسَتْ قربَ المئذَنَة

تتهامَسان وتَضْحَكان

تُرَتِّلانِ وَتُهَلِّلان .

 

" والعين " مَلآى بالصَّبايا الحالِمات

قَدْ جِئْنَ يَمْلأنَ جِرارَ الماء

وَشُعورُهُنَّ السّود تَحْسِدُها اللَّيال

وَنُهودُهُنَّ الثّائرات

ثارَتْ على عًسْفِ الزَّمَن

 

ــ 15 ــ

 

والبَيْدَرُ الوَلْهان يَبْسِمُ للشَّعير

و" اللوح " خَلْفَ البَقَرَةِ السَّوْداءِ يَغْمُرُهُ السُّرور

وَهُناكَ أكْداسٌ مِنَ القَمْحِ الطَّروب

سَمْراء تَمْلأها الحُبوب .

 

والصِّبْيَةُ الطُّهْرُ الصِّغار

ساروا إلى المَرْحى النَّضير

وَعَلى وُجوهِهِم علاماتُ السُّرور .

والنّايُ يَعزِفُ للحَياةِ الباسِمَة

حَتّى لَتَحْسِدَهُ الطُّيورُ فَتَهُبُّ

تَبْعَثُ بالنَّغَم نَغَمِ الهَناء

والدّيكُ يُرْسِلُ صَوْتَهُ العَذْبَ الرَّخيم

مِنْ غيرِ ميعادٍ يُبَشِّرُ بالصَّباحِ

وبالسلام .

 

 

ــ 16 ــ

 

**اعتدتُ أوقع كثيرا في جيل الشباب ابراهيم مالك جزائري وكثيرا ما استخدمت اسم الطائر الأمازيغي سردوك باهي الريش في جريدة الاتحاد الحيفاوية وجريدة فصل المقال النَّصراوية . وقد تأمَّلت طويلًا هذه القصيدة ، فازدَدْتُ قناعة أنَّ الشِّعْرَ أشبه برسمة تَتَحدَّثُ عن جمالية وواقع بيئة متخَيَّلَة .

 

 

 

ــ 17 ــ

صورتا القصيدتين

ــ 18 ــ

ــ 19 ــ

 

3 قصائد بَدأتُ أكتبها للنشر بعد عودتي من براغ ، عام  1986

ونشرتها في مجموعتي الشعرية الأولى في انتظار أن تأتي عام 2002

 

 

1 ــ                   أجيئُكِ

 

أجيئكِ مع أوَّلِ الفجرِ

لَحْظَةَ تَبْدَأُ تخبو النُّجوم

وَ يَنْطَلِقُ النَّحْلُ جَذلًا يطيرُ

يُفَتِّشُ عن شَهْدِه في الكُروم

أجيئُكِ بي عَطَشٌ لا يبلُّ

وشوْقُ الصحارى لِقَطْرَةِ ماء

أفَتِّشُ فيكِ عنِ العِنَبِ المُشتَهى

فلا تَحْرِميه رَحيقَ النِّساء

أجيئُكِ بي رِقَّةُ النِّسْرِ حينَ يُحِبُّ

 

 

 

 

 

 

ــ 20 ــ

 

وَعُنْفُ الْحَمامَة حينَ تَغار

هَوايَ جُموحَ الْجُنون الذي لَيْسَ يخبو

وَعِشْقي صَدى تَكْتَكِاتِ الْكَنار

مُغَنّيكِ آتٍ مَعَ الفَجْرِ

لَحْظَةَ تَخْبو النُّجوم

عَلى شَفَتَيهِ أحَبُّ نَشيدٍ

و أصفى غِناء

فلا تَمْنَعي عَنْهُ شَهْدَ الكُروم

ولا تَحْرِمِيهِ رَحيقَ النِّساء .

 

ـــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 21 ــ

2 ــ

يَدُكِ الفراشُ

 

يَدُكِ الفَراشُ أمِ الحريرُ     أمْ بُرْعُمُ الْفُلِّ النَّضيرُ

أمْ  ريشُ  زَغلولِ  الحمامِ وَ زَغْبُه الغَضُّ الوثير

أمْ  وَرْدَةُ  الْجوريِّ  في  نيسان  يانِعَةٌ  عَطورُ

أم أنَّها   حَبَقٌ   سَقاهُ   الْكَوْثَرُ   الْعَذِبُ   النَّميرُ

 

يا طيبَ لَحْظةِ نلتقي     طِفْلانِ نَحْنُ فَهَلْ يَضيرُ

أنّا  نُحاوِلُ  وَقْفَ  دولابِ  الزَّمانِ   فَلا   يَدورُ

لِنَروحَ  نَلْهو  ساعَةً  والأفْقُ   مَلْعَبُنا   الصَّغيرُ

نَغْفو  عَلى  حُلُمٍ  ويوقِظُ  حُلمَنا  الشَّوْقُ الحَرورُ

لا  الْجَدْوَلُ  الرَّقراقُ  يَرْوينا  ولا  النَّبْعُ  الغَزيرُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 22  ــ

 

يَدُكِ  الفراشُ  أخافُ  ألْمَسُهُ  فَيَنْخَدِشُ    الْحَريرِ

تَنْدَسُّ  بَيْنَ  يَدَيَّ  في  حَذَرٍ   فَيَنْتَشِرُ      الْعَبيرُ

وَيَدُبُّ مِلء جوانِحي     مِنْ  طيبٍهِ  خَدَرٌ   مُثيرُ

فَأروحُ  في  غَيْبوبةٍ  نَشْوانَ  تُسْكِرُني   الْعُطورُ

****

يَدُكِ الأسيرَةُ  في  يَدَيَّ  أمَ  اننَي  وَحْدي  الأسيرُ

 

ـــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 23 ــ

3 ــ

أتَذَكَّرُ

 

عشتار ، التي انتقاها السومريون القدامى

لتكون سرَّ فرحهم في مواسم الخصب

وانبهر بها مغنيهم الأول

فأنشدها ملاحم العشق البادئ .

وأيْلة ، التي قدَّسها الكنعانيون القدامى ،

وتمثلت لهم غزالة  مندفعة من رأس جبل

لتستحم عارية بماء بحر مقدس ،

وقد أحاطت بها حورٌ عين .

ونائلة ، التي الهمت العرب الصحراويين ،

ألف باء الحب ، فأقاموا لها نصبا

عند زمزم الطاهرة لتمارس حولها عذارى الحجاز

طقوس العشق البدئي .

 

 

 

 

 

 

ــ 24 ــ

 

أتذكر هذا الثالوث المؤله

كُلَّما أراكِ وقد أقبلت مثل غزالة وحشية

تعدو في بَرِّيَّةِ أحاسيسي ، وأزدادُ قناعةً

بأنَّ أجمل ما كان فيهن وجعلهن في مصاف آلهة

هي هذه السمرة التي تـُضفي

على ملامحك قبسا نورانيا

يشعلني ويفقدني حكمة الاتزان .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 25 ــ

 

الـشـِّعـْر

( واحدة من قصائدي المُطَوَّلة )

 

الـشـَّعـْرُ هـُوَ مـا لا شـَكـْل لـَهُ

فـَهـْوَ لـُغـةٌ زاخـِرةٌ بالألوان

مـُتـَعـَدِّدَةُ الـلـُحـونِ والإيـقـاع

شـَديـدَةُ الـْقـَلـَقِ " كـَأنَّ الـرّيـحَ تـحـتـي " !

 

وَهـْوَ مـُغـامـَرَة

كـَأكـْثـَرَ مـا  يـَكـونُ الـتـَّجـْريـبُ

والـتـَّجـَدُدُ بـَحـْثـًا عـن شـِعـابٍ

لـَمـّا تـُراوِدْهـا عـَن نـَفـْسـِهـا عـُيـون

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 26 ــ

 

الـشـِّعـْرُ يـا صـاحـِبـي لـُغـَةُ حوارٍ

" أسطرةٍ "، بوحُ عَقْلِ حالِمينَ ونَبْضِهِ ،

مَنْ باتوا يـَخوضونَ غـِمارَ صـَحـْراءِ حـَياة

بـَحـْثـًا عـَن قـَطـَراتِ نـَدىً وظـِلالِ نـَخـيل .

 

الـشـِّعـْرُ لـَوْحـَةٌ مـوحـِيـَةٌ بـِعـُنـْفٍ ولـيـن

هـِي وَلـيـدُ زَمـَنٍ رَحـَل

آخـَرَ سـَيـأتـي

وَمـا كـانَ بـَيـْنـَهـُمـا مـِنَ انـْدِفـاعـَةِ حـَيـاة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 27 ــ

 

الـشـِّعـْرُ يـَهـُزُّنا مـِنَ الأعـْمـاقِ

حـينَ نـُحـْسـِنُ الإصـْغـاءَ إلـى بـَوْحِ هـَمـْسـِهِ

يـَصـْدِمـُنـا ويـَتـْرُكـُنا لـِرَجـْفَةِ الـصـَيـْحـَة :

الـله كـَم وَدَدْتُ لـَو رَسـَمـْتـُهُ .

 

والـشـّاِعـِرُ هـُوَ مـَنْ يـُحـْسـِنُ الـنـَّفاذَ بـِعـَيـْنـَيـْه وَالـْبـَصـيـرة

إلى أشـْيـاءَ عـالـَمـِهِ الـصـَّغـيـرَة

الـْمـُبـَعـْزَقـَة عـِنـْدَ كـُلِّ  مُنـْحـَنىً

يـَلـْتـَقـِطـُها بـِحـِسـِّهِ الـْمـُشـْتـَعـِلِ فـَيـُحـيكَ مـِنـْهـا أنـْطـَق لـَوْحـة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 28 ــ

 

الـشـِّعـْرُ موسـيـقـاهُ نـَبـْضُ دَمـي

أسـْمـَعـُهـا فـي هـمـْسِ الـرّيـحِ وَهـْيَ تـَهـُبُّ

فـي " نـَغـْنـَغـةِ "ِ طـِفـْلٍ حـيـنَ يـروحُ فـي غـَفـْوَة

وَزَقـْزَقـةِ عـَصافـيـرَ تـَمـْلأ  فـَضـاءَ حاكورَتي .

 

أصـْغـيـْتُ لـوَشـْوَشـةِ النسـائـِمَ

وَهـْيَ تُلامـِسُ بـَتـَلاتِ الـْبـَرقـوقِ الـْمَعـْشوقَة

صـدَمـَتـْنـي بـِسـِحـْرِ وَقـْعـِهـا سيـمْفـونِيـَّةُ الْحـَيـاة

فـَعـَلـَّمـَتـْنـي كـَيـْفَ " أدَوْزِنُ " أوْتارَ عودي !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 29 ــ

 

الـشـِّعـرُ نـَسـيـجُ إنـسـانـِيـَّتـي

وَهـْوَ نَشـيـدُ حـَيـاة

بـِه وَفـيـهِ أعـيـش

وَمـِنـهُ أسـْتـَمـِدُّ شـُعـْلـَةَ عـيشـي .

 

ولأنـَّه نـَشـيـدُ حـَيـاةٍ فـَهـْو يـَتـَجـَدَّدُ مـَعـَها وبها

كـُلـَّما نـبـَضَ قـَلـْب

إنـْشـَحـَنتْ عـاطـِفـَة

وانـْبـَثـَقَ حـُلْمٌ وَفـرَّخَ عـُصـْفـور .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 30 ــ

 

الشـِّعـْرُ تـَجـْربـَةُ حـَيـاة

فـَهـْيَ دائـِمـَةُ الـتـَّجـَدُّدِ والـتـَّوالـُد

ضـِفـافُهـا بـِلا حُدودٍ وَهـْيَ خـُروجٌ

عـَلـى الـْمـُكـَرَّرِ العادِيِّ  والـْمألـوف .

 

الـشـِّعـْرُ مـُذ كانَ

وأبـْصـَرَ ما أصاب شـَدْوَ طـائـِرِ الـْقـَفـَص

أوْجـَدَ لـِقـيـثارَتِه فـَضـاءَ شـَدْوٍ لا  يُحـَدُّ

واسـْتـَعـارَ لـِريـشـَتـِهِ ألـْوانَ قـَوْسِ قـُزَح .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 31 ــ

 

الـشـِّعـْرُ حـالـَةٌ لـَيـْسـَتْ عـاديـَّة

فـالـشـّاعـِرُ مـِثـْلَ رَسـّامٍ ، هُوَ الذات الأخـْرى

يـَغـْفو ساهـِرًا عـِنـْدَ أقـْدامِ جـَبـَلٍ أجـْرَدَ شاهـِقٍ

فـَيـُبـْصـِر وَراءَهُ عـَوالـِمَ أخـْرى يـُلـَوِّنـُها بـِريـشـَتـِهِ .

 

وهـْوَ مـِثـْلَ مـوسـيـقـِيٍّ اسـْتـَعـارَ كـَمانَهُ

مـِن عـود رُمـّانٍ تـُداعـِبـُهُ أنـامـِلُ عـاشـِقـَة

لـِيـَروحَ يـَغـْفو طـَويلًا على كـَتـِفـَى مـَعـْشوقـَتـِهِ

وَيـَبـوحَ لـَهـا بـنـَشـيدِ حـُبـِّهـِما .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 32ــ

 

والـشـّاعـرُ هـُوَ مـَنْ يـَتـْرُكـُنـا لـِصـَدْمـَةِ دَهـْشـَةِ

اكـْتـِشاف الانـْكـِشاف ، فـَنـَراهُ فـي عـُرْيـِهِ

وَقـَد راحَ يـرقـُصُ طَرَبـًا فـي طـُرُقاتِ قـَرْيـَتـِنـا

احـْتـِفـاءً بـِمـَوْلـِدِ حـالـَة فـَرَح .

 

الـشـِّعـْرُ وَلـيـدُ رَمـْزٍ

كـَثـيـفِ الإيـحـاءِ وَشـَديدِ الـشـَّفـافـِيـَة

كـأشـَدَّ مـا تـَكونُ صـِلـَةُ الـرَّحـْمِ

بـِواقـِعِ مـُتـَخـَيـَّلٍ وَوَمـْضـَةِ عـَقـْل !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 33 ــ

 

فـَفاطـِمـَتي هـِيَ رَمـْزٌ لأكـْثـَرَ مـِنْ رُمـوز

وَهـْي أمـّي انـْغـَرَزْتُ عـَميقًا فـي رَحـمـِها

لـِتـَحـْبـَلَ بـي ، فـَتـَلـِدَني هـُناكَ

عـِنـْدَ ضـِفـافِ " بـَحـْرَةٍ "ٍ  وَحـَيـثُ حـَبـَوْتُ ذات زمـَن

 

هـِيَ طـائـِري " لـَخـْضـَرِ الـْجـَمـيل "

تـَرَبـَّصَ بـِه صـَيـَادٌ يـَعـْشـَقُ الـدَّمَ لا الـْلـُحون

يـُحـيـطُ جـَسـَدَهُ بـِلفائـِفَ خـُرافـَةٍ موهمَة

قـَتـَلـَهُ قـَبـْلَ الـْفـَجـْرِ وَ صـُدْفـَةً يـَوْمـَها لـَمْ أمـُتْ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 34 ــ

 

هـِيَ أنا فـي آخـِر كـُلِّ شـَطـْحـَةِ تـَأمـُّلٍ

وَهـْيَ معـْشوقـَتي  الـْحـَيـِيـَّةُ الـصـَّغـيرة

" سـَمـَخي " ذات الـْجـَدائل الـسـُّمـْر

الـْمـَنـْعـوفـَة بـَيـْنَ رَمـْلٍ ومـاء .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 35 ــ

 

يا أيُّها الشِّعْر

 

يا أيها الشِّعْرُ

كثيرُ الدلالاتِ الموحِيِة بمَساراتِ حَياة

كَمْ شُبِّه لي وأنا أهبط حامِلا ذاتي وذِهْنَها،

نازِلا مِنْ قِمَّةِ أحاسيسي شَديدَةِ القلقِ ،

بَحْثًا عن مُنْحَنَياتِ وِدْيانِ وَحْيٍ مُثْرٍ  .

كَمْ شًبِّهَ لي بَعْدَ طَولِ تَجْرِبَة

أنَّكَ الأشْبهُ بامرأةٍ فاتِنَةٍ ومُدْهِشةٍ

مَجْنونَةِ الشَّبابِ ونَزِقَةِ الشَّيْخوخة ،

فلا تَشيخ

دائِمَةِ التَّمَرِّدِ على كُلِّ ما هُوَ مَألوفٌ

بحْثًا عَنْ جَديد حَياة   .

 

 

 

 

 

 

 

ــ 36 ــ

 

يا أيُّها الشِّعْرُ !

 

ما أجْمَلَكَ حينَ تَكونُ لُغَةَ ذِهْنٍ باحِثٍ

عَنْ هَمَساتِ تَخاطُبٍ وَتَعارُفٍ وَدودَيْن

بَيْن ذاتٍ وأخرى ،

فهذهِ الذّاتُ هِيَ هُوَ وَهْوَ أنا

فَما أجْملَكَ يا شِعْري

حينَ تكونُ لُغَةَ حَياةٍ مُؤنْسِنة !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 37  ـــ

 

حَدَّثَ صاحِب

 

حَدَّثني صاحِبٌ كانَ بعضَ ذاتي

تَقمَّصَني فصِرْتُ بَعْضَهُ

وَكانَ عازِفَ ربابة ، قالْ

يا أنا ، وكان يُخاطِبُ ذاته ،

الشـِّعْرُ الحيُّ لا يشيخُ ولا يموت !

 

يَموتُ المُغنّي لِيولدَ آخرونَ كثيرون

فتتجَدَّدُ حَياة ويَعْذبُ غِناء

يَسِحُّ ندى ويسْقطُ رَذاذ

وتتفتـَّحُ كـُوىً جَديدَةٌ ويَغمُرُ المَدى نور

وتقعُ قِصَّةُ عِشق ، فيسامِرُ العاشقونَ قمرْ

وَتَطيبُ ليالٍ ويعذبُ الغناءُ مِنْ جَديد .

 

 

 

 

 

 

ــ 38 ــــ

 

أصغيت له ولي

فارتعشَ حِسّي

وغاب عقلي

يَبْحَثُ عن سُحُبٍ

علَّ فيها مَطـَر

في قطراتهِ سِرُّ تجَدُّدِ الحَياة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 39 ــ

 

نيكوس كازانتزاكس

 

يا أخي و ابن أمّي !

كمْ فَتَنتْني رَوْعَةُ وَقْفَتِك

ساعَةَ وَصَلْتَ بِدايَةَ طَريقٍ

سَرْعانَ ما أدْرَكْتَ أنَّها سَتَقودُك

إلى لَحْظَةِ عَتْمَةِ لَحْدِك

فانْطلقتَ تُلَمْلِمُ حزْمَةَ

ألْوانِ طَبيعَةِ عالَمِنا الْفاتِنَة

لِتَرْسُمَ لَوْحَةً تُبْعِدُ عَنْ عَيْنَيْكَ

الغامِضَتَيْن عَتْمَةَ ذاكَ اللحد ،

فَتَدْخُلَ جَنَّةً ،

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 40 ــ

 

كَمْ تَمَنَّيْتَ أنْ تَكونَ مِنْ عاشِقي مَجالِسِها .

 

يا أخي ويا ابن أمّي !

كَمْ وَدَدْتُ في كُلِّ لَحَظاتِ عُمْري

لَوْ أنَّكَ سَتُعيرني تِلْكَ الْحزْمَة المُلَوَّنة

لأشارِكَ صحْبي أحِبَّةِ الريشة

فَنَرْسُمَ لَوحَةً توحي بقربِ ميلادِ عالم

لا يعْرِفُ هَوَسَ " الإخوةِ الأعْداء " .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 41 ـــ

 

الشعرُ لا يموت

ما بقيت حَياة

 

وَجَدْتُني وَأنا في حالةٍ تـَتـَراقـَصُ

بيْنَ صَحْوَةٍ وَشِبْه صَحْوَة

ألمْلِمُ ما تجَمَّعَ فَوْق رَأسِيَ مِنْ أوْراق

بَعضُها تشوبُها ألوانُ حَياة

وَبَعْضُها ذَكـَّرني بفينيق

يُغالِبُ الرَّمادَ لِيظلَّ مُتوهِّجًا

كـَرَحْمِ  إلـهَةٍ عاشِقة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 42  ـــ

 

الشعر قصيدة واحدة

 

لحْظتها تذَكـَّرتُ ما كانَ يُشاع من قديم

أنَّ الشِعْرَ قصيدةٌ واحِدَة لا تقبلُ الهَرَم

تظلُّ تتناثرُ كبتلات وَرْدَة

تعيشُ قلقَ الرّيحِ وَجنونـَهُ ،

فصِرْتُ مَشْحونًا بشتـّى هواجس القلق

أرقبُ كُلَّ خلْجَةٍ في عُروقي

كـًلَّ وَمْضة في ذِهني

وكـُلَّ نـَبـْضـَةٍ في دَمي

مُتذكـَّرًا زَهْرَةَ الطـَيـّون

تشيخُ لِتظلَّ مُزْهِرَة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 43 ــ

 

الشعر هُوَ رَسْمٌ

 

حَدَّثني صاحِبٌ تَقَمَّصْتُهُ زَمَنًا طويلا ،

فصارني وصِرْتُهُ ،

قالَ :

الشِّعْرُ رَسْمٌ

صورَةٌ أو مَنْحوتَةٌ

هِيَ وليدُ عَقلِ فَنّانٍ سارِحٍ

مُوَزَّعِ البَصَرِ والبَصيرَة

وَهْوَ عَزفُ نايٍ عاشِقٍ

مُلَوَّنِ النَّغَمِ

إيقاعُهُ نَبْضُ حَياة .

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 44 ـــ

 

هذا كُلُّ ما أحلمُ بِهِ

 

في ذلكَ النَّهارِ المُعْتِمِ المُنير

شَدَّ عقلي ونَبَّهَ أحاسيسي القلِقة

ما رأيتُ وما سمعتُ من فنّانٍ نَحّات

رَأيْتُهُ طالِعًا مِنْ غابَةِ صَخرٍ

حامِلاً على كَتِفَيْهِ صخرَةً صَلْبَةً ،

وحينَ رآني  قالَ مرْحَبًا يا أخي :

هذه كُتلَةُ صَخرٍ

سأظلُّ أحاوِرُها بعَقلي وإزميلي

أصارِعُها ما استطعت

فكُلُّ حلمي ومُبْتَغايَ أنْ أهَذِّبًها

لِتَصيرَ عُصْفورًا غَرِدًا

طائِرًا مُمْسِكًا بمنقاره غُصْنَ زيتون

هو كُلُّ ما أصبو إليه وأحلمُ بِهِ .

 

ــــــــــــــــــــ

 

 

 

ــ 45 ــ

 

ما أعْظَمَ ما توحي بهِ

 

وتَتَحَدَّثُ عَنْهُ أسْطورَةٌ سومَرِيَّة

تَرْوي أنَّ مَجْلٍسَ الآلِهة انْعَقَدَ لٍيُسائِل أحدَ آلِهَتِهِ :

عَمَّنْ أعْطاهُ الْحَقَّ أنْ ينْتَهِكَ أحَدَ أبْسَطِ حُقوقِ صبِيَّةٍ

رَآها مِنْ عَلْيائِهِ تَسْتَحِمُّ عِنْدَ ضَفَّةِ نَهْرٍ

فانْقَضَّ عَلَيْها وانْتَزَعَ عُذْرِيَّتَها بصَلفِ غَرور .

ـ

أنْكيدو

يا ابن الطبيعَةِ الحياة

ويا نقيضَ كُلِّ ما كانه جِلجامِش وَحاشِيَتُهِ

مِنْ قُضاةٍ ، عَسْكَرٍ ، كَتَبَة قَصْرٍ ، بغايا وَكَهنَةِ مَعْبَد ،

فقدتَ حرِّيَّتَكَ وأفقدْتنيها

لَحْظَة سَقَطتَ في شِباكِ مَنْ أغروكَ

بمُتْعَةٍ جَسَدِيَّةٍ عابِرَة !

 

 

 

 

 

ـ 46 ـ

 

أخناتون يا

عَشيق الشمس

 

أصغي للصَّوْتِ الطالِعِ مِنْ مِحْرابكَ

وأنتَ تُرَدِّدُ تراتيلَ عِشْقِكَ الشَّمْسَ ،

فَيَشْتَعِلُ في عَيْنَيَّ الحالِمَتيْن بريقُ مَجالِس ،

يَؤمُّها إخوة أنْبِياء .

 

 

أبيقوروس !

 

كَمْ هُوَ جَميلٌ ما نُسِبَ إلَيْكَ قَوْلُهُ

وقد باتَ بوصَلَة حَياتي

وَبَصيصَ نورِ آخرِ نَّفَقِ عُمُري :

لَيْسَ لي مؤخَّرَةُ الثَّوْرِ لأديرَ ظَهْري لآلامِ النّاس .

 

 

 

 

 

 

ـ 47 ـ

 

قُلْتُ يا عَبْدَ اللهِ

 

عَلَّمَتْني أسطورة أفلاطون

" القرية الضائِعة " الأشْبَهَ بِقَرْيَتي

أنَّ سِرَّ ضَياعِها ،

فُقْدانِها واندِثارِها هُوَ إنْسانُها

" سادَتُها الأحرارُ " وعَبيدُهُم .

 

وَشْوَشَني مُعَلِّمٌ قَديمٌ

 

لأعي واحِداً مِنْ تَجَلِّياتِ دَيْمومَةِ حركَة الْحَياة ،

قالَ :

المَرءُ لا يسبَحُ في النَّهْرِ ذاته مَرَّتَيْن .

 

 

 

 

 

 

ــ 48 ــ

ـ

 

كذاكَ عَلَّمَني

 

حَكيمٌ آخَرُ ارتحل من زمن

أن رِحْلَة الألْفِ ميل تبدأ خُطوَةً ،

فبقيتُ أغُذُّ الْخَطْوَ بَحْثاً عنْ حَبيبي ، لأعودَ إليهِ ،

فَأعْشَقَ مَوْجَ بحْرِهِ ، صَخَبَ ريحِهِ ، قِمَمَ صخْرِهِ ،

تشابُكَ شجره ، تَفَتُّحَ زهْرِهِ ، وَمْضَ نُجومِهِ ، سَقسَقة مَطَرِهِ

وَكُلَّ ما يَنْبِضُ حياةً في عالمِهِ الْمُشْرَعِ على أكْثَرَ مِنْ مَدى .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 49 ــ

 

وَعَلَّمَني شبهُهُ

 

أن الصيّادَ ، لَحْظة ينْشَغِلُ عَقْلُه

الْمُحاطُ بأكْثَرَ مِنْ شَبَكَةِ خُيوطٍ وَهْمِيَّة ،

ينشغل فقط في الجَرْيِ النَّهِمِ وَراءَ صَيْدِهِ – ضَحِيَّتِهِ

يَفْقِدُ حُرِّيَّة عَيْشِهِ ويَصيرُ أسيرَ سَمَكَةٍ تسْبَحُ في نَهْرِ حَياة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 50 ــ

 

سَيِّدي مَعْرِفَةُ

الحقيقة

 

قُبالَة كولْسْيوم روما وَقَفْتُ ذاتَ نَهار

أتأمَّلُ ما فَعَلَ الزَّمَنُ بنا ، به وبي ،

فازْدَدْتُ قناعة أنّي وهوراس أخَوانِ ،

أمُّنا الطّين ،

وكُنْتُ تعلَّمْتُ منهَ ومِن آخرينَ كثيرينَ مٍنْ قَبلي

أن لا سَيِّدَ لي إلاّ الحقيقة

أندفِعُ واعيا ومُفَكِّرا

بحْثا وَذبّاً عنها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 51 ــ

 

مُعَلِّمي وسَيِّدي

كمْ يَبْهَرُني قَوْلُه

 

" لَيْسَ بالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيا الإنْسان " ،

فمن يَوْمِها باتَ خُبْزي كفافَ يَوْمي

وبِتُّ أعيشُ وقتي

بحْثاً عَنْ زَيْتِ حَياةٍ

طَلِقَةٍ كالعَصافير

خَضراء كالعُشْب

مُلَوَّنَةِ كَوَرْدِ حَديقة

لأغْمِسَ بهِ كَفافَ يومي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 52 ـ

 

شُبِّهَ لي ذاتَ غُروبٍ

 

أنّي سمعتُ سيِّدي الآخر ومُعَلِّمَ أكثَرَ عَقْلي ،

سمعتُهُ يصيحُ موحِيًا ما استوحاه ، قال :

"إقرأ " ، قالها بنبرة مُعادة ومُؤكِّدَة ،

فوَجَدْتُني أسيرُ خفيفَ الوَطءِ

أبْحَثُ في رُفوفِ مَكْتَبَةِ إنسانِيَّتي عن صفحاتٍ

أكثرها أخفِيَ وقليلها حفظتْهُ ذاكِرَةٌ مَشْبوهة .

فبِتُّ أعْشَقُ القراءة النَّهِمة ، الفاحصة المُتَمَعِّنَة

وبِتُّ أسألُ نفسي طويلا عن حقيقة ما قرأتُ

لأزداد مَعْرِفةً .

وكم تمنَّيْتُ طيلة عمري أن أظَلَّ دائمَ البحثِ

عن حقائق حَياةٍ جديدة ،

مُتَجَدِّدَة ومُفْرِحَة إنسانِيًّا .

 

 

 

 

 

ــ 53 ــ

 

 

يا ابنَ عُوانة !

 

يا صَديقَ عِشقي وحلمي !

كُنْتَ ستراني أرْقُصُ طرباً ،

لحظة يَحينُ أوانُ رَحيلى

لَوْ أنَّ إنْسانَ زَمَنِنا

بَدَأ يَنْتَفِضُ عَلى " خوارق " هذا الزَّمَنِ

وما فيها مِنْ جَشَعٍ

عُنْفٍ

جوعٍ وانْحِسارِ عقل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 54 ــ

 

 

يا يَشْكُرِيْ !

 

" بي مِثْلُ ما بِكَ مِنْ حُرور "

عِشْقٍ وَقَلَقِ حَياة .

يا يَشْكُري تأمَّلْتُ طويلاً قَوْلَتَكَ

" حينَ أصحو " ،

فَفَتَنَتْني دلالاتُها الْمُجًرَّبَةُ الموحِيَة

وكِنْتُ أسْعى طيلَةَ مَسارِ حَياتي

بَحْثًا عَنْ صَحْوَةِ عَقْلٍ وَصحْوَةِ فِعْلٍ

تُجَنِّبُني السُّقوطَ في

حُفَرِ شَهَواتِ حياةٍ وهمِيَّة

فَأدرِكَ سِرَّ حالِنا وَما أكثرُ ناسِنا باتَ فيه

عَلّي أجِدُ مَسارًا يوصِلُني إلى عالَمٍ يَنْبِضً فيهِ

أملُ عِشْقٍ مُحَلِّقٍ وأمَلُ حَياةٍ كَريمَةٍ ومُتَفَتِّحة .

 

 

 

 

 

 

 

ــ 55 ــ

 

يا ابن الوَرْدِ

وسِرَ تلوُّنِهِ الحياتيِّ

 

كم ودَدْتُ طيلة عمري ، قبله وبعده ،

لوْ أنني أظلُّ " أحتسي قراحَ الماء " وإن كان باردًا

و" أوَزِّعُ جِسْمي في جسومٍ كثيرة "

لأصير واحدا من أجسام عالمي

الساعية لنعيش في دنيا بلا  فقرِ عُقول ،

فنظلُّ دائمي التجدُّدِ والبَحْثِ عما يجملُ بنا أن نصير .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 56 ــ

 

يا شافعي !

 

يا بعضَ إمام الكلمة الموحية

الدالة ووليدة تجربة حياة

ما أروع وما أصدق ما اعتدت غناءه

عن الماء أصل الحياة وعن الزمن

وما في ناسك وناسي من عيوب .

 

كثيرا

 

ما أتذكَّرُكَ يا أحْمد ! كُلَّما انتابني قَلَقٌ ،

فأحِسُّ " كأنَّ الرّيحَ تَحتي "

وَيَغْمُرُني شُعورٌ مُحْزِنٌ

" كأنْ لا جَديدَ تحتَ الشَّمْسِ " ،

فأجدُني مُتسائلاً  " بأيةِ حالٍ عُدْتَ " يا زمن ؟

 

 

 

 

 

 

ـــ 57 ــ

 

يا ابن المَعَرَّة !

 

أصابني ما بِكَ مِنْ غَضَبٍ ،

لحظة رُحْتُ أصغي لِحَفيفِ صِلٍّ

وكانَ في عِزِّ الهاجِرَةِ

يَتَرَبَّصُ بِرُفوفٍ غرِدَة .

 

يا ابن المَعَرَّة !

كَمْ أفْرَحَني تساؤلُكَ :

مَنْ أعطى الإنْسانَ الْحَقَّ

أنْ يَنْعَمَ بما جَناهُ النحلُ بَعْدَ جُهْدٍ جَهيد ،

فَصارَ ذاك تساؤلي وباتَ حُلْمُكَ حلْمي .

 

يا ابن المعَرَّة !

كمِ اسْتَوْقفني حكيمُ قَوْلِكَ

وأنت تهمسُ صارِخاً في آذانِ وَليدِ الطّين :

 

 

 

 

 

 

ــ 58 ــ

 

" خَفِّفِ الْوطءَ ما أظُنُّ أديمَ   الأرْضِ إلاّ مِنْ هذِهِ الأجساد " ،

فَذَكَّرَني بانبهارِ مُندَهِشٍ بِسُلافَةِ تَجْرِبَةِ حياة :

" مِنَ التُّرابِ وإلى التُّرابِ " نَعود " .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 59 ــ

 

أي دانتي

 

يا شَريكَ قلقي وخوفي !

أفْهَمُكَ جَيِّداً

وأعي ما شُبِّهَ لكَ أنَّكَ رَأيْت ،

فَكُلَّما أمعَنْتُ البصرَ والْبَصيرَة في هذِهِ الْعامِرَة ،

أرى بَعْضَ ناسِنا

وقد راحوا يُحيلونَها باحاتٍ

أضْيَقَ مِنْ قَبْضَة يَد

تُحيطُها أسلاكٌ فولاذِيَّة شائِكَةٌ

وَتَغْمُرُها مِياهٌ عادِمة

لِتَصيرَ أشبَهَ بِجَحيمٍ أرْضِيِّ .

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 60 ــ

 

يا ابنَ بروميثيوس

وأخَ سيزيف ! -

 

لَشَدَّ ما يُؤلِمُني أنَّ إخوتنا

مَنْ مَنَحتهمْ أمُّنا الأرض سُمرَة التُّرابِ

بَياضَ الْقِمَمِ

صفاء سكينة الليل وصُفْرَة الزَّهْر

صاروا " إخْوَةً أعْداء "

منذُ تركَ أخونا أنكيدو

عالمَ غاباتِهِ الْبِكْر .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 61 ــ

-

أيْ كازانتزاكس !

 

يا شريكَ ألمي وحلمي !

مَعْذِرَةً ،

حاولْتُ مراراً دُخولَ الْغابَةِ ،

لأرى أسَدا فأحَيّيه :

مَرْحَبا يا أخي .

وكم تمنَّيْتُ مِراراً وتكراراً ،

لوْ أنَّهُ عِنْدَها راحَ يُقَلِّمُ أظافِرَهُ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 62 ــ

أصْغي

 

لِزَقْزَقةِ بَلابِلِ كُلَّ فَجْرٍ

ساعَة تحُطُّ على الشجرة

بَحْثاً عَنْ عَسَلِ تين ،

فيَحْضُرُني وَجْهُ شريكِ حُزْني وأملي ،

طوقان عاشق وطن

وقد شُبِّهَ لي أنه عاشَ يصيح :

" طوقان ..

يا مَنْ رأى يبكي على تينِ " !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 63 ــ

 

لوركا !

 

يا قمَرَ الأنْدَلُسِ الحَزين !

ألم تزلْ تذكُرُ قتلتَكَ

قَتَلَتُكَ هُمْ قَتَلَتي

وإن تَغَيَّرَتْ صبغة جُلودُهم وتَبَدَّلَ لَغْطهُم ،

فالقتلة سارِقو ألَقَ الحياة ومن قديمِ الزَّمان ،

القتلة هم القتلة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 64 ــ

 

 

يا صاحَبَيْ

 

يا صاحِبَيَّ ! أصيخا السَّمْعّ قليلًا

فَبي حاجةٌ لِأن أغَنّي

أشارِكُ العَصافيرَ جَوْقَتَها الصَّباحِيَّة

ساعَةَ تنْطَلِقُ غَرِدَةً تُرَدِّدُ أغاني عِشْقَها .

 

يا صاحِبَيَّ ! حَقًّا كَمْ أوَدُّ

أنْ تُشارِكاني بَعْضَ خُلُمي

فَيَصير عَيْشُنا كَريما

وَعَقْلُنا سَليمًا ، حالِمًا ودائِمَ التَّحْليق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 65 ــ

 

شارلي شابلن

 

كانَ شارلي ناطِقًا في صَمْتِهِ

وساخِرًا ، أضْحَكَني  حَتّى الْبُكاء

كانَتْ سُخْرِيَتهُ موجِعـَة

حـَرَّكـَتْ كـُلَّ عَصَبٍ ينْتَفِضُ

عَلى الْمَوْتِ في جَسَدي الْمَشْلول  .

ذكَّرتْني " أضْواءُ " مَدينَتِهِ المُخادِعَةَ

بلَيـْلِ مَدينَتي  القاتِل

الَّذي خيَّمَ بكَلْكَلِهِ مُذ جاءها  ناسٌ عِنْوَةً

وَمِنْ خَلْفِ سُحُبِ أسْطورَة

وَقد شُبِّهَ لَهـُم أنَّهُمْ أبْناءُ آلِهَة .

لَشَدَّ ما أفْرَحَني شارلي حينَ خِلْتُهُ

راحَ يُشارِكُني  فَرَحَ الْغِناء :

 

 

 

 

 

 

 

ــ 66 ــ

 

" في غَدٍ سَيأتي

يَبْزُغُ  فـَجـْرٌ

نَعودُ إلى بَيْتِنا

لِنَنْعَمُ بدِفئـهِ " .

 

كَمْ هوَ مُريحٌ هذا الشُّعور

أنّي والغدَ عَلى مَوْعِدٍ

فيهِ يبزُغُ فجْرٌ

يَسِحُّ قَطْرٌ

وَيورِقُ شَجَر .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 67 ــ

 

" بريشت "

يا صاحِبي ومُعَلِّمي !!

 

ها أنا أجْلِسُ مُتَوَثِّبَ الْحِسِّ

بي عطشُ طالِبِ مَعْرِفة

قُبالَة تِمْثالِكَ الواقِفِ كَشَجَرِةِ زَيْزَفون

عندَ مَيْدانِ مسْرَحِكَ البَرْليني ،

أتَأمَّلُ حَجرَهُ الصَّلْبَ كصَخْرٍ جَبَلِيٍّ ناطِقٍ

أحاوِلُ أصغي إلى ما اعتدتَ قولَهُ "

المنتصِرُ اليوْمَ هُوَ المَهزومُ ذاتَ غَدٍ "

وقَدْ عَلَّمَتْكَ الْحياةُ ما عَلَّمَتني

أنَّ دوامَ حالٍ هُوَ مِنَ الْمُحال

وأنْ نصرًا حَقيقيًّا في نِزاعٍ لا يَتَحَقَّق

 

 

 

 

 

 

 

ــ 68  ـ

 

 

طالَما فيهِ يُسْفَكُ دمٌ فالنَّصْرُ يكونُ

حينَ يَسودُ سِلْمٌ دائِمٌ هذِهِ العامِرَة

وَيَنْتَعِشُ حِوارٌ دافِئٌ كَنَسيمِ الْجَنوب بَيْنَ هذا وذاك

فَتَتَفَتَّحُ بَتَلاتُ زَهْرَةِ فِكْرٍ دائِمَةُ التَّجَدُّدِ والْحَياة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 69  ـ

 

مُعَلِّمي وصديقي بورخيس

كِلانا هُوَ النَّهْرُ

 

في ذلِكَ الْمَساءِ وَرْدِيِّ الغَسَق

حَطَّ على نافِذَتي الزُّجاجِيَّةِ الصَّغيرَة

الْمُطِلَّةِ على حاكورةِ عُمْري

طَيْرٌ حَجَبَ النّورَ عن عَيْنيَّ أو كاد ،

قالَ بِلَهْجَةٍ لَمْ أجِدْ فيها غرابَةً :

" جِئْتُ لأقولَ لَكُمْ ما علَّمتني الْحَياة

الزَّمَنُ هو النَّهْرُ يحْمِلُني بطيئًا وسريعًا إلى مُنْتَهاي

لِكَيْ أتَجَدَّدَ فَأعودُ إلى الجَرَيانِ كما هُوَ النهر " .

ما إنْ أتَمَّ الطائرُ كلامَهُ أسْلمَ للرّيحِ جَناحَيه

انْبلَجَ نورٌ خَفيفٌ ، أعقبَتْهُ عَتْمَةٌ مُرْعِبَة .

 

 

 

 

 

 

ـ 70 ـ

 

وفي الخارِجِ توَقَّفَ عن زَقْزَقَتِهِ اللافِتَة

طائرُ الْعِسْعِسِ الصَّغير

وعَلى غير عادة لَمْ يترامَ إلى مسامعي

هَديل جارتي الحَمامَةِ البرِّيَّة .

وَكَيْ أزيلَ شَبَحَ الخوْفِ عن عَيْنيْ

رُحْتُ أرَدِّدُ بِصوْتٍ مَسْموعٍ وفي إعجاب :

حَقًّا .. أنا هُوَ الزَّمَنُ .. أنا هُوَ النَّهْرُ

وإنْ أغَيَّبْ في عَتْمَةِ بَحْرٍ ، فَلأتَجَدَّدَ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 71 ـ

 

العِشْق

 

العشق كالشِّعْر حاجة حياةٍ دائِمَةِ التَّوِهُّج

فالشِّعْرُ يَهَزُّكَ تَكَسُّرُ موجِهِ مِنَ الجُذور

وَهْوَ يُحَلِّقُ في فضاءاتٍ قَصِيَّة

بَحْثَا عَنْ وَمَضاتِ نُجوم

هِيَ بينّ ذاكِرَةِ حياةٍ وفِكْرِ عَقْل .

 

والعِشْقُ هُوَ لَحْظَةُ هَوَسٍ تتَوَهَّجُ فيك

حينَ تَتَذَكَّرُ كَيفَ وُلِدَتْ فاطِمَتُكَ ذاتَ يَوْم

عَلى إيقاعِ رَقْصِ طينِ

خَبَطاتُ أقْدامِهِ وَقْع تَناغُمِ عاشِقَيْن

هُما إنسانُنا وذاتَهُ الأخرى

والعِشْق مَزيجٌ بَيْنَ قَصْفِ رَعْدٍ وبَوْحِ نَسائِم

 

 

 

 

 

 

ــ 72 ــ

 

كُلَّما تَذَكَّرْتُ

 

كُلَّما تَذَكَّرْتُ حَبيبي ،

استَحالَ لُعابُ لِساني عَسَلَ جَنَّةٍ

أشعَلَ في عَتْمَةِ أحاسيسي نارَ عِشْقٍ

لا يَمِلُّ ، لا يَحولُ وَلا يزول .

وَذَكَّرَني بِبَهاءِ عَسَلٍ بِكْرٍ حُرٍ

كانَ يَنِزُّ مِنْ شُقوقِ صَخْرِكِ يا بلادي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 73 ــ

 

عَشِقْتُ حَبيبي

 

عَشِقْتُ حَبيبي ولا أزال

فَحَبيبي واحِدٌ مِنْ جَميلي مَراحِ عالَمِنا

مُلَوَّنِ الْمُروجِ والْقِمَم

أحْبَبْتُ فيهِ هذهِ الطَّلَّة الساذِجَة كَبِدْء الْحَياة

رأيْتُه في غَفْوَتي وَصَحْوتي يَفـتَرِشُ الْعَراءَ

بَيْنَ ماءٍ وماء

وَبَيْن جَبَلٍ وصَحْراء

يَهْنَأ بِإطْلالَةِ قَمَرٍ وَبومْضِ نُجومٍ وَإشْراقَةِ شَمْس

وفي فَناءِ بَيْتْنا عَرفْتُ النّورَ ، أوَّلَ مَرَّةٍ ،

فَرَأيْتُ فيهِ نورَ وِلادة وأوَّلَ انفِلاتي مِنْ حِبالِ عَتْمَة

فَرُحْتُ أشارِكُ فَرْخَ الدورِيِّ قَفْزَه الْفَرِحَ الْمُزَقْزِقَ

بَحْثًا عَنْ حُبَيباتِ قَمْحِ بَيْدَرِنا

 

 

 

 

 

 

ــ 74ــ

 

وأصْغي لِجَوْقةِ عَنادِل وادينا .

حَبيبي سَرَقوهُ ذاتَ يَوْمٍ وفي عِزِّ ظَهيرَة

ولا أزالُ أعيشُ في صَخَبِ وفي صَمْتٍ

لَحَظاتِ حَنيني الموجِعة

وأنْتَظِرُ ضّوء صُبْحٍ عَلَّهُ يُطِلُّ أوْ يَهِلُّ

فأرى الوَجْهَ الحَسَنَ ، وَجْهَكَ يا حبيبي

وَقَدْ أقْبَلْتَ تَحْمِلُ بُقْجَةَ عَوْدَتِكَ الْمُؤمَّلَة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 75 ــ

 

قالت

 

قالت تحضرني حالة وجدٍ

ساعة أقرأ في سرّي عقلك

ساعة يغشاني الليل

ويومض في جسدي قبس يشعل ليلك .

 

حرثك ، لو شئتَ ، أنا

وصلاتي أنتَ، قياما وقعوداً ،

أتوَحَّدُ فيكَ فلا أسأل وصلك !

 

آتيكَ أُفتِّشُ عن سرِّ العازف فيكَ وحيداً

تبهرني نشوى العزْف

تذوِّبني فيك فيغدو ظلّي ظِلَّك .

 

 

 

 

 

 

ــ 76 ــ

 

أمسك كفَّكَ بين يديَّ

لأقرأ فيها كُلَّ نصوص العشق المجنون

فتأخذني الدهشة من كفٍّ

تتحوَّلُ بين يديَّ عرائشَ ليلك !

 

قالت خذْ بيدي

لا خوف عليك

أنا حارسة الطلِّ

ومن ذوْبِ ندايَ أروّي فلَّك .

 

خُذْ بيدي

لا خوْفَ عليك

عيوني عسسٌ

كالنجم الساهر تحرس حقلك .

 

 

 

 

 

 

ــ 77 ــ

 

قالت لا خوف عليك

أنا أنتَ وأنتَ أنا

وكِلانا جسدٌ يتوَهَّجُ وجداً

ساعة تقرأ عقلي في وَلَهِ المعشوقِ

وأقرأ في هَوَسِ العاشق عقلك .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 78 ــ

 

بَوْحُ كَنار

 

صَوْتُكِ ؟ هذا الآتي وَالْفَجْرُ نَدًى

أم بَوْحُ كَنارٍ أرَّقَهُ الْوَجْدُ فَهامَ صَبًا وَشَدا .

 

صَوْتُكِ ؟ هذا الزّائِرُ كالْحُلْمِ ضُحًى

أمْ رَجْعُ هَديلِ مُطَوَّقَةٍ بَرَّحَها العِشْقُ وما بَرِحا .

 

يا جارَةَ أنْسِيَ لَوْ تَدْرينَ بِصَوْتِكِ قَلْبي كم أنِسا

ساعَةَ هَلَّ يُعاتِبُني خَجِلا ويُهَدْهِدُني عذْبًا سَلِسا .

 

لَوَّنَ صُبْحي فَتَنَفَّسَ فِيَّ مَدًى عَبِقا

وَتَخلَّلني عِشْقًا وَتَوَهَّجْتُ بِهِ ألَقا .

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 79ــ

 

شكوى مَحارَة

 

أصْغيتُ في غفوتي النهاريِّة الناعِسَة

إلى مَحارةٍ سَمْراءَ تبُثُّ شكواها

فغمَرَني بالفرَح الًحزين حَرُّ شكوى .

أسَرَّتْ لي:

أشعُرُ أنَّ نورَ الحَياة يتسلَّلُ سرًّا الى جَسَدي

المُخبَّأ في صَدَفةٍ ، أتلمَّسُ حَرارَتهُ ولا أراه .

قالتْ :

ألقتني أمي، من وهبتني الحياة لأصيرَ أمًّا ،

إلى جَوْفِ يَمٍّ يتدافعُني مَوْجُهُ الصّاخِبُ

فلا تأتيني قيلولةُ عاشِقةٍ مُنذُ آلافِ سنَةٍ أو يَزيد .

وَقد وَشوَشتني أمِّي قبَيْلَ رَحيلِها

مالِئَةً نفسي بالسَّلْوى الحالِمّة

 

 

 

 

 

 

ــ 80 ــ

"لنْ يَفكَّ أسْري إلاّ مَنْ أحِبُّ ويُحِبُّني"

فكُنْهُ يا ابنَ أمّي !.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 81 ــ

 

المرأة التي أحب

 

المرأة التي أحبُّ

أحِبُّ فيها وَهَجَا يُشعِلُ عقلي وَمْضُهُ

وكمْ أحِب

لو أنَّ بوحَ عشقنِا يَشحَنُ عقلي نبْضُهُ

 

المرأةُ التي أحِبُّ

مِشكاةُ نورِ نِصْفِيَ المُضاء

وكمْ أحِب

لو أنَّ عَتْمتي ببَعْضِ نورِها تُضاء !!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 82 ـ

 

أصدق العشق

 

علَّمتني فاطمة العشقَ وما يكون

قالت : يجمل بالمرء أن يَعشَق

ذاته الأخرى ليعشق ذاته !

قالتْ : العِشقُ الحَقُّ يكون

حين تحب ،

لا تتوَقع " رَدَ جميل " مِمَّنْ تُحِبْ !

قالتْ : أصدق العشق يكون

حين تكون أنْتَ هِيَ

وَهْيَ كُلُّ ذاتِكْ !

قالت : أصدق العشق حين تكون

عاشِقاً ومَعْشوقا !

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 83 ــ

 

خَشَبُ الصَّندَل

 

ألله يا خشب الصندل

فواحَ العبق

كم يُدْهِشُني فيك عِطْرُ حبيبي !

كُلَّما تتخلَّلُ عَتماتِ أحاسيسي

يَغشاني فرحُ عِشق ،

فأتذَكَّرُ طَلَّة حبيبي .

يا خشبَ الصَّندَلِ !

كَمْ أتذكر فيكَ عِطْرَ زهْرَةِ الْخزامى

الطّالِعَةِ في حاكورَتي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 84 ــ

 

قصائد عن

" سمخ " *

 

في أمْسِ كُنْتُ جالِسًا في حاكورتي

وَفَجْأةً حَضَرَتْ أمّي

وفيها جَلالُ فاطِمة فانْحَنَيْتُ خُشوعًا ،

قالَت :

يا وَلَدي وَكُنْتُ أقبِّلُ التُّرابَ

تَحْتَ قَدَمَيْها المُتْرَبَتَيْن ،

قالت:

نَزَعْتُ مِنْ ذاكِرَتي كُلَّ ما لا يَمِتُّ إلى سمخ

عَفَّرْتُ قَدَمَيَّ بِتُرابِ شَطِّ بُحَيْرَةِ الجليل

وها أنا أقِفُ بيْنَ يديْكَ

مُتْرَبَةَ القَدَمَيْن كما تَرى

 

 

 

 

 

 

 

ــ 85 ــ

 

مِثْلَ دُروبِ سَمَخ المُتْرَبَة وبيوتِها الطّينِيَّة

لكِنَّ روحي سأطَهِّرُها

مساء بماء البُحَيْرة كَما اعتَدْت

ولَنْ يَسْرِقوا ذاكِرَتي القَديمَة ...

وانْكَفَأتْ على رِجْلَيْها عائدة .

رَجَوْتُها إلى أين ؟

رَدَّتْ بِوَقارٍ أعْهَدُهُ في أمّي :

إلى سَمَخ  ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 86 ــ

 

في أمْسِ

 

كُنْتُ جالِسًا في حاكورَتي

رأيْتُ بَيْتًا مُضيئًا بنورٍ خافت

كانَ يَظْهَرُ في أعلى الجَبَل

وَسْطَ غابَةٍ أشبَهَ بِبَيْتِ جِنِّيَّةِ ساحرة

تَسْكُنُهُ امْرَأةٌ عَجوزٌ تُذَكِّرُني بأمّي

أضاءتِ البيتَ بنورٍ خافِتِ

وَ رَوَتْ إضاءَتَهُ لَيْلَ نَهار

بِزيْتِ حَنين ظَلَّ يُشْعِلُها عَلَّ وَلَدَها

الَّذي رُحِّلَ بَعيدًا ذاتَ يوم سيعود

ذاتَ يَومِ  فلا يتعثَّر في العَتْمَة

واعتادَتْ تَقولُ لِكُلِّ مَنْ في أذنِهِ سَمَع   :

" يا سَعْدَ مَنْ لَهُ غائبٌ وَيَعود "

 

 

 

 

 

 

ــ 87 ــ

 

طالَتِ الغُرْبَةُ وماتَتِ العَجوزُ

التي تُذَكِّرُني كثيرًا بأمّي

وقد أورَثْتْ زَيتًا من حنين

أحفادَها لِيَظَلَّ البَيْتُ مُضاءً

بِنورِهِ الخافتِ كاشَفًا عن سمخ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 88 ــ

 

كُنْتُ جالِسًا

 

في أمْسِ كُنْتُ جالِسًا في حاكورَتي

أنْظُرُ من بعيد إلى مِياهِ الخَليجِ

شَديدَةِ الزُّرْقَةِ في بَحْرِ عَكّا المُدْهِشِ

رَأيْتُ زَوْرَقًا يلوحُ في البَعيدِ

مِثْلَ شِراعِ أمَل

فَوَدَدْتُ كَمْ وَدَدْتُ لوْ أنَّني أصيرُ مِجْذافًا

أحَرِّكُ وَجْهَ الماءِ المُتلاطِمَ

لِيَعودَ بي إلى سمَخ الَّتي أحِب

وَأعْدو في طُرُقاتِها المُترَبة طِفْلًا

أمْسِكُ بِأذيالِ ثَوْبِ فاطِمة

الْمُطَرَّزِ بألْوانِ نُجومٍ

وأنَطْنِطُ في فَرَحِ الأطْفال .

 

 

 

 

 

 

ــ 89 ــ

 

ما قالَتْ أمّي

 

حَدَّثَتْ أمّي

رَوَتْ ذاتَ يَوْم

سَمَعْتُها تَبْكي :

كانَ بَيْدَرُنا وافِرَ الغِلالِ

وكانَ النَّهْرُ دائمَ الفَيَضانِ

حَتّى جاءَ غَفْلَةً مَنِ

انْتَزَعَ عِنْوَةً لِشَخْصِهِ

ما كانَ بَيْدَرُنا وَسَرَقَ النَّهْر

مِنْ يَوْمِها بِتْنا بِلا خُبْزِ ولا ماء ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 90 ــ

 

حَدَّثْتُ

 

حَدَّثْتُ ذواتي الأخَر ، قُلْتُ :

ذاتَ زمَنٍ مَضى

كُنْتُ بًصُحْبة أبي نَحْرُسُ

مِقْثاةَ بَطيخٍ وَ كَرْمَ عِنَب

وَقَدْ أسَرَّ أبي لي :

كان يَشُدُّني ،

مُذْ وَعيتٌ مَسارَ الحياةِ ،

فَضاءٌ أرْحَبَ من كَمْشَةِ يَدٍ

وَمُنْفَتِحٌ على أكْثَرَ مِنْ مَدى

أسميْناهُ بَرَّ حَريرٍ وصَيَّروهُ

أضْيَقَ من خِرْقَةِ قَميص ...

 

 

 

 

 

 

 

ــ 91 ــ

 

يا طيرْ يا " خْضَرْ "

 

في ذلِكَ المَساءِ رأيْتُني

أوْ هذا ما شُبَّهَ لي

وَقَدْ رُحْتُ ألَمْلِمُ بَعْضَ ذاكِرَةٍ

مِمّا يُرادُ لها أن تَشيخَ وَ تَخْتَفي

فَلاحَ لي طائِرٌ أخْضَرَ الرّيشِ

يَنْزِفُ دَمًا وَ يَرْشَحُ ماءًا

أشْعَلَ لي ذاكِرَتي وَ ذَكَّرَني

بِما كانَ في حَواكيرِ " سَمَخْ "

مِنْ جَشَعِ أخٍ وانفلاتِ عُنْفِهِ

بِنِعاجِ أخيهِ وَ كُلِّ خيرِ

وثرواتِ حواكيرِ ناسهِ .

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 92 ــ

 

طُيور مُحَلِّقة

 

يا طير كم تدْهِشُني وقفتكَ الناطِقة الموحِية .

أتأمَّلُكَ طَويلاً فأراكَ واقِفًا كَعادَةِ الطُّيورِ الْمُحَلِّقة

عِنْدَ قِمَّةِ السِّياجِ الْحُدودي

تُطٍلُّ على مدًى مُشْرَعٍ على أكثرَ مِنْ مَدى

يًحْفَلُ بِخُبْزِ كَرامَةٍ مَجْبولٍ بعرقِ جَبينٍ وَتَحَفُّزِ ذُهْن

و فُسْحةِ أمَلٍ مُشْرَعَةٍ عَلى ما يجْمُلُ بالْحَياةِ أنْ تصير .

 

وَكَمْ أوَدُّ ، لَحْظَتَها ، لو أصيرُكَ فَتُكْسِبُني أجمَلَ سِمَاتك :

التأهُّبُ الدائِمُ لِلتَّحْليقِ ، بُعْدُ نَظَرِكَ وَصَلابَةُ إرادَتِك .

تُكْسبُني لِتَصيرَ بَعْضَ سِماتي الْحياتِيَّة

وَكُلَّ مَساري للإفْلاتِ مِنْ قفصي الْحَديدي !

 

 

 

 

 

 

 

ــ 93 ــ

 

 

سرقوا مني الطفولة

 

سرقوا طفولتي ذات ليل وأشيائي الساذجة التي أحْبَبْت

كالْعَرَبَةِ الْخشبيَّة ، قِطَعِ الزُّجاجِ الْمُلَوَّن وَسَفينَتي الْوَرَقِيَّة

التي كَمْ حَلمْتُ أنْ تُبْحِرَ بي

إلى عَوالِمَ تُقيمُ في دُنْيا الأطفال العامِرَةِ بسَعادةٍ أبَدِيَّة .

مُنْذُها ، حُرِمْتُ عِنوَةً سِرَّ الْجَمالِ في تَبَدُّلِ الفُصول

وأشياءَ كثيرَة ، عاديَّة وَمُفرِحَة ،

فَبِتُّ كَمَنْ سَرَقوا مِنْهُ زَهْوَ الرَّبيعِ وزَهْوَ وُرودِهِ .

سرَقوا عُشَّ طُفولتي ذاتَ ليل قبْلَ ستين عاماً أوْ يَزيد

وَأشَدُّ ما يوجعُ أن ذاكَ الليل راحَ يَطول .

وَها أنا ذا في عَجَزي بِتُّ أدُبُّ على عَصايَ مُنْحَنِيَ الْقامَةِ

أغالِبُ ريحاً مَجْنونَةً

في بَحْثِيَ الدّائِمِ عَنْ طُفولَةٍ سرَقوها ذاتَ ليْل .

 

 

 

 

 

 

 

ــ 94 ــ

 

يا طائِرَ القفص

 

أعْذُرْني ! يا طائر القفصِ الحَديديِّ

حينَ أتأمَّلُ حَبْسي  وحَبْسَكَ المُقيم !

كم يوجعُني أنّي أقِفُ عاجِزاً

فلا أرُدُّ عن جَناحَيْكَ وعَنّي

غائِلةَ هذا الزَمَن وبعضِ ناسهِ !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 95 ــ

 

حقيقة، عشتُ مرحلة النكبة في طفولتي وقبل أن أبدأ الدراسة الابتدائية، أذكر بعض ما كان وحدث بوجع شديد. حدثت النكبة، في " ليل عِتِمْ " كانت تعيشه شعوبنا وكم تمنَّيْتُ أنَّ هذا الليل الموجع لن يطول، لكنه بات يطول، وكُلَّما كُنْتُ أتحسَّسُ هذا الليل وأتحسس وجعه، كنتُ أصرخ: كُفَّ عن الوجع، فأجدني سائلا نفسي:

 

يا لِوَجعي ...!

 

كَيْفَ أغالِبُهُ وثَمَّة مَنْ لا يَكِفُّ عن نَكْأِ جُرْحي

كان لي وطنٌ كَكُلِّ خلق الأرضِ العاديّين

هُوَ مَراحُ نُجومٍ وساحَةُ قِمامَة

أحببتُهُ بِعَجْرِهِ وبَجْرِهِ

لكن في " ليلِة عِتِمْ "

سرقوهُ منّي، فَسَرَقوا إنسانيتي وحلمي.

وكمْ وَدَدْتُ في لَيْلِي وقد باتَ يطول

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 96 ــ

 

لو أنَّني أمتطي جَناحَ الرّيحِ وصَهْوَةَ الزَّمَن

لأعودَ ما كُنْتُهُ يا " سَمَخي " الْحَبيبة

فَأصيرَ طِفْلَ " أبي زيد " يلعَبُ بطُرُقاتِك المُتربة

يملأ طاقِيَّتَهُ بحُبَيْباتِ تراب

هِيَ أقدس ما فيكَ يا وطني !

وأكثر ما بات يوجعني فهمي

ورؤيتي لواقع بات يعيشه وطني،

فكثيرا ما أنشدتُ صارخا:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 97 ــ

 

يا وطني!

 

كَمْ يُحْزِنُني ما كُنتَهُ وصِرْتَهُ

كُنتَ مَدىً ينفتِحُ على مَدى

مُفْتَرِشًا ثرى أمّي

بينَ ماءٍ وماء

بينَ شُطآنِ بحر وشِعابِ قِمَم

وبين طلة فَجْرٍ وحلكة عتمة

وقد راح الطّالِعونَ مِنْ رَحْمِ أسطورة

يطوونَ ثَراك كالحصيرة

فباتت مُعَلَّقَةً في طَرَفِ زاوية

من حيطان ما كانَ غُرْفَتي

وبِتُّ مُضّيَّعَ الجُذور كتائهٍ في العراء

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 98 ــ

 

أللهُ يا وطني !

 

كَمْ يوجِعُني ما دُفِعْتَ إليه

فصرتَ سِجْنًا أصغرَ من قبضةِ يَد

أضيق من فسحة أمل

وكنتَ رحبَ الحوشِ أشبَهَ بِمَراحٍ

تُزَيِّنُهُ كَمْشاتُ نُجومٍ

بيادِرُ قَمْحٍ

كرومُ عنبٍ

كروم زيتونٍ فاتن الخُضْرَةِ

أحراشُ بَلّوطٍ

وحواكيرُ تين.

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 99 ــ

 

أللهُ يا وطني،

كَمْ تَمَنّيْت!

 

لَوْ أنَّكَ تنتَفِضُ على ما فيكَ وحولك من رماد،

يؤذي البصَرً والبَصيرَة

وتُبْعِدُ عن جَسَدِكَ الْهَشِّ يا وطني

ما قد يَتَوَلَّدُ من عقارب تطلعُ مني ومن ذواتي

سُمُّها باتَ في ليلك الطويل ،

بات قاتِلاً حقًا

اللهُ كم تَمَنَّيْتُ !

أنَّكَ سَتُعاوِدُ التَّحليقَ طَلِقَ الجناح .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 100 ــ

 

كثيرا ما أجدني

مسائلا نفسي

 

عن السر في روعة هذا المزيج

من الورود الملونة في بطاقة عشق

وقد ذكرني جمال هذا المزيج

بسحر زيق فاطمة الملون

وببهاء ألوان زهور مروجك يا وطنًي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 101 ــ

 

ذاكَ بَعْض حُلُمي

 

ذاكَ كانَ بَعْضَ حُلمي الشَّفيفِ وَلا يزال

أنْ أُغَيَّبَ في غَفْوَةٍ نَهارِيَّةٍ ناعِسَةٍ وَسارِحَة

فأنْسى غَدْرَ الزَّمَنِ وانْفِلاتَ جَشَعِ بَعْضِ ناسِهِ وناسي

وأظَلُّ مِثْلَ ذاكَ الراعي الْعاشِقِ

مُوَزَّعَ العِشْقِ بينَ فاطِمة وفاطمة

أمسِكُ بِيَدٍ عودَ سِنْدِيانٍ جَليليٍّ

يَحولُ دونَ أنْ أقَعَ ،

وأهشُّ بِهِ على ذاتي فلا تعرف الانحِناء

وأروحُ أتَسَلَّقُ صُخورَ قِمَمِكَ يا وَطَني

فأهْتِفُ مِنْ قَحْفِ رأسي مُنْشِداً :

" ألله .. يا وَطني !

 

 

 

 

 

 

 

ــ 102 ـ

 

" لوْ وَضَعوا الشمس في يَميني والقمرَ في يَساري

لَنْ أرضى لَكَ بَديلا "

وَأُمْسِكُ بِيَدي الأخرى شَبّابة عاشِقٍ بَدَوِيٍّ

تَفْضَحُ  بَحَّتُها سِرَّ عِشقي .

وَحينَ يُضْنيني تَعَبُ وُعورةِ شِعابِكَ يا وَطَني

ألوذُ بِفَيءِ مُنْحَنياتِ صَخْرِكَ لأرتاحَ قَليلاً

أتناوَلُ بُقْجَةَ ظَهْري بحثًا عَمّا فيها مِنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ ،

حَبّاتِ زيتونِ وَجُرْعَةِ ماءِ جُرْنٍ صَخْرِي ،

وأهبِطُ بُعيْدَ راحَةِ جَسَدي وذِهني ،

لأعانِقَ حَصى الودْيان

أصغي لِصدى سقسقةِ ماءٍ

كان هُنا ذاتَ زَمَنٍ قَبْلَ أن يَسْرِقوه

وَلِهمساتِ عُشْبٍ

كان راقِصاً تهدهِدُهُ كَفُّ نسيمٍ

 

 

 

 

 

 

 

ــ 103 ــ

 

هِيَ أشْبَه بِرِقَّة أمٍ حَنون

وأروحُ بَعْدها أغفو قليلاً

لأرى في غَفْوتي عوالِمَ مُلوَّنة كَزُنّارِ فاطِمَة !

 

 

 

*سمخ مسقط رأسي وَ مُنذ الطُّفولة رُحِّلْتُ عنها مع عائلتي وهُدِمَتِ القرية وهُجِّر أهلها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 104 ــ

 

يا طائر السنونو

( من وحي لوحات أعمالٍ فَنِّيَّةٍ للفنانة التشكيلية رانية عقل من كفر قرع في المثلث الشِمالي )

 

يا طائر السُّنونو أسوَدَ الرّيشات

كَمْ تُدْهِشُني حَرَكّتُكَ الرّاقِصَة في صَحْنِ الأُفُقِ

تَهْبُطُ مِنْ علٍ مِثْلَ شِهابٍ راحَ يَرْفُلُ بالسَّواد

وبانْدِفاعَةٍ حادَّةِ الزّاوِيَة لِتُلامِسً وَجْهَ الأرضِ ،

لِتَسْتَمِدَّ مِنْها قُوَّةً وَحَياةً ،

فَتُعاوِدَ التَّحْليقَ مِنْ جَديد .

 

لَكَمْ ذَكَّرْتَني بِسِرْبِ سُنونو

كانَ يَهْبِطُ مِنْ عَلٍ وَسَطَ عِناقٍ مُزَقْزِقٍ

لِيَلِجَ عَبْرَ النّافِذَةِ المُشْرَعَة

إلى بَيْتِ جَدّي عِنْدَ حافَّةِ البُحَيْرَة

 

 

 

 

 

 

 

ــ 105 ــ

 

ويروحَ يَسْتَريحُ قَليلًا في أعشاشه ِ الدّافِئَة

لِيُعاوِدَ التَّحْليقَ مِنْ جَديد .

 

كَمْ أغبِطُكَ

فلا زِلْتَ تَنْعَمُ بِما حُرِمْتُ مِنْهُ

وَكَمْ أوَدُّ لَوْ أنَّني أشاركُ سِرْبَ السُّنونو

دَرْبَ عَوْدَتِهِ ، لِأبْنِيَ مِنْ جَديدٍ عُشَّ سُنونو

هُناكَ عِنْدَ حافةِ البُحَيْرَة

وَأعْفُرَ وَجْهِيَ الشّائخَ بِرَذاذِ مائِها ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 106 ــ

 

يا فَرْخَ الدّوري

 

يا فَرْخَ الدّورِيِّ يا وَلَدَ دارِ جاري

أتَأمَّلُكَ وَأنْتَ واقِفٌ عَلى سِياجِ حاكورَتِنا

تَنْفِشُ ريشَ جناحَيْكَ ،

رَأسِكَ وَ رَقْبَتِكَ

فَرَحًا بِهَبّاتِ نَسيمٍ و إطْلالَةِ صَباح ،

فأزْدادُ قناعةً

أنَّ أجْمَلَ ما في هذه الحياة

هِيَ هذِهِ الطُّفولَةِ المُتَجَدِّدة

وَ كَمْ أوَدُّ لَحْظَتَها

لَوْ أنَّكَ تُعيرُني زَغَبَ ريشِكَ

لِأبْدَأ التَّدَرُّبَ على التَّحْليقِ مِنْ جَديد .

 

 

 

 

 

 

 

ــ 107 ــ

 

يا طائِري

الغَرِدَ

 

أعْجَبُ !

يا طائري الغَرِدَ الجَميل

كَيْفَ لا تَلْتَزِمُ الصَّمْتَ ؟

وَتَكُفُّ عَنِ الغِناء الفَرِحِ !

وَكَيْفَ لا تَمْلأ فَمَكَ بالحُزْنِ النّاطِقِ

ألَمْ يَأتٍكَ نَبَأُ ما كانَ ذاتَ يَوْم

وما هُوَ حادِثٌ الآنَ

وَ قَدْ يَحْدُثُ غَدًا

ما بَقِيَتْ عُقولُ جَشَعٍ ،

عُنْفٍ وَ طَمَع !

 

 

 

 

 

 

 

ــ 108 ــ

 

يا طائرَ الحَمام

 

يا طائِرَ الحَمام كَمْ أغبِطُك !

أتَأمَّلُ طيرانَكَ بَعيدًا

عَنْ شِباكِ أيِّ قَفَصٍ حَديدي

فأزْدادُ يَقينًا أنَّ طَيَرانَكَ

أجْمَلَ أمْنِيَةٍ إنْسانِيَّة

وَ كَمْ أتمَنّى لَوْ أنَّني أصيرُكَ

فيَحْمِلُني جَناحاكَ

لِأحَلِّقَ في فَضاءِ عالَمٍ

لا يَعْرَفُ ناسُهُ عَيْشَ أيِّ قَفَصٍ حَديدي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 109 ــ

 

يا طَيْر

 

يا طير! ما أروعك

كَمْ يَفْتِنُني فيكَ

هذا التَّجاوُرُ في الألوان

فَكُلُّ لَوْنٍ يَبْحَثُ عَنْ أصلٍ سحره

في بَهاءِ الآخَر .

أللهُ كَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ أعاوِدُ التحليقَ

مِثْلَ طَيْرٍ فوق أسْطُحِ " جَليلي "

لِأبْحَثَ في لَهْفَةِ عاشِقٍ

عَنْ بَيْتِ أمّي وناسي

وَ قَدْ سَرَقوهُ مِنّا

ذاتَ لَيْلٍ موجِعِ الْعَتْمَةِ

صارَ يَطول !

 

 

 

 

 

 

 

ـــ 110 ـ

 

يا طائري

( من وحيِ صورةٍ التقطتها عَينٍ راصِدَة للمُصَوِّرِ الهاوي ، عاشقِ الطبيعة وتجلِّياتِها ، وَلَدي هاني )

 

يا طائري أسْوَدَ الرّيشِ ،

كُلَّما تَأمَّلْتُكَ ،

رَأيْتُ فيكَ جمالًا مِنْ طبيعَةٍ ناطِقَة

فَبَهَرَني فيكَ

وُقوفُكَ الدّائِمُ مُنْتَصِب القامَة

سارِح البَصَرِ ونَبِهَ البَصيرَة

كَأنَّكَ تبْحَثُ عَمّا يَجْدُرُ

بِإنْسانِنا أن يَكون لِنَعَمَ معًا

عِنْدّها كَمْ وَدَدْتُ لَوْ أنَّ

إنسانِيَّتي تَتَعَلَّمُ مِنْ وَقْفَتِك .

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 111 ـ

 

يا طائرَ الذُّرى

 

كَمَ أنْتَ رائِعٌ يا طائرَ الذُّرى

أمسِ شُبِّهَ لي

أنّي رَأيْتُكَ واقِفًا على

قِمَّةِ جِذْعِ ما كانَ شَجَرَةً

أحْرَقَها حَرُّ هاجرَةٍ غازِيَة ،

رَأيْتُكَ واقِفًا مَرْفوعَ الرّأسِ

وبَعيدَ النَّظَرِ

كَأرْوَعَ ما يَجْمُلُ بالمَرْء أنْ يَكون ،

تُطِلُّ عَلى جَمالِيّاتِ ما كانَ أمس

لِتُدْرِكَ حَقيقَةَ ما هُوَ حادثٌ

وما يَجْدُرُ بِعالَمِنا أن يَكون .

 

 

 

 

 

 

 

ــ 112 ــ

 

يا طائري في سأصْغي

لِشَدْوِكَ الفَرِحِ المُفْرِحِ وأنْتَ تُغَرِّدُ

وإن كانَ شَدْوُكَ بَبَحَة موْجوعٍ

فَتُذَكِّرُني بِما اعتادَ أبي شَدْوَهُ ،

كُلَّما اشتَعَل بِهِ حَنينٌ ،

فَيَحْكي لي أبي الأوراسي

عَنْ نَشيدِ طائرٍ عائشٍ مِثْلَنا

" وَكْري ... وَكْري

وَلَو باتَ عودًا يابِسًا سيَظَلُّ

وَكْري "

وأظَلُّ أغَنّي هامِسًا ،

صارِخًا وَمُزَقْزِقًا

لِطُلوعِ غَدٍ مُشْرِقٍ ومُفْرِحٍ فيه ...

 

 

 

 

 

 

ــ 113 ــ

 

 

أيُّها الْعَقْل

 

مَعْذِرَةً أيُّها العَقْل ! مُنْذُ بَدأتُ أنْبِشُ صَفَحاتِ

تاريخِ إنْسانِيَّتي الْمَحفوظة والْمَخْفِيَّة

أذْهَلَني ما اسْتَحَلْتَهُ وَصارَهُ أكْثَر ناسي

كُنْتَ ولا تزالُ فسْحَةَ أمَلٍ وإنْ تكنْ ضَيِّقَة الشُّرفةِ

وَصيَّرَكً بَعْض ناسي قفَصّ شَقاءِ إنسانيَّتي وَوَجَعِها ،

فَباتَتْ إنسانِيَّتي تَعيشُ حالَة سُباتٍ موجِعٍ ،

يَتَخَلله انفِلاتُ جّشَعٍ ، تَغَوُّلُ عُنْفٍ

وَفُقْدانُ بوصَلَةِ مَسارِ حَياة .

مَعْذِرَةً أيُّها الْعَقْل !

كُنْتَ ولا تَزالُ وليدَ مَسارِ إنسانيَّتي

وَسِرَّ صَحْوَتِها النّادِرَة

وَكَمْ أتَمَنّى في لَحَظات وَجَعي ،

 

 

 

 

 

 

 

ــ 114 ـ

 

وأنا أصغي إلى النُّواحِ الطالِع

مِنْ مَقابِرِنا الجماعِيَّة ،

أن تَكُفَّ شُقوقُ الأرْضِ تلك عن النُّواحِ الموجِعِ ،

فَيَصيرُ عالمُنا مَراحَ زَقْزَقَة عَصافيرَ

غَرِدَةٍ موحِيَةٍ وواعِدَة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 115 ــ

 

أكثرُ ما يُخيف  !

 

هو ما أراه حَوْلِيَ

مِنْ عُقوقٍ ونكرانِ جَميل ، طَمَّ وَعَمَّ :

فالإنسان ، أكثرُنا ،

أوهمَ نفسَهُ أن الآلهة اختارته

ليكون سَيِّدَ الطبيعة والحياة ،

لا وَليدَهُما !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 116 ـ

 

يـُقـْلـِقـُنـي

 

يُقْلِقـُني ،أيُّها الْعَقْل !

هذا الْيَباسُ الْمُميتُ الآخِذُ بِحاكورَتي

حَتّى الْعـَصافيرُ

الْتَوَتْ مَناقيرُها وَكَفَّتْ عَنِ الْغِناء .

 

تَحَسَسَّتُ ما بَقِيَ مِنْ عَقْل

عَلّي أعي  ما نَحْنُ فيهِ

فرُبَّما  تَسْقُطُ قَطْراتُ مَطَر

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 117 ــ

 

كُلَّما

 

كُلَّما أجِدُني جالِسًا

مَعَ ذاتي أسائِلُها وأحاوِرُها أراني جالِسًا

أفْتَرِشُ التُّراب في حَضْرَةِ أبْناء امّي

الأقْدَم سِنًّا وَزَمَنا أصْغي ،

بِأذنٍ نَبِهَةٍ وَعَقْلٍ مشْرَعٍ على أكْثَرَ مِنْ مَدى ،

لِما عَلَّمَتْهُم الْحَياة ، عَلّمَتْ كثيرينَ وَعَلَّمتني .

ساعَتَها أدْرَكْتُ ما سَمِعْتُهُ

الْوَعْيُ وَليدُ حِوارٍ بيْنَ الذاتِ

وما يُحيطُ بِها مِنْ تَجَلِّياتِ حَياة

وَوَليدُ ثالوثٍ حَياتيٍّ هُوَ

الْعَمَلُ ، التَّجْرِبَةُ والْمَعْرِفة .

 

 

 

 

 

 

 

ــ 118 ـ

 

أدْرَكْتُ ساعَتَها

أن الوَعْيَ شَرْطُ الإدراكِ

لِما يَجْمُلُ بِنا أنْ نكونَ لِنَكون !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 119 ـ

لا أحِبُّ

 

لا أحِبُّ أنْ أكونَ سَيِّدَ أحد

ولا أقبل أنْ أكونَ مَسودا فلا سَيِّدَ لي

سَيّان كانَ سَيِّدًا مُتخيَّلا أو مَحْسوسا ،

سَيِّدي هو العَقل ،

حينَ يَهيم كالعاشِق

بحثا عنْ حقيقة تتجَدَّدُ كالحَياة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ 120 ــ

 

أنا لن أكون

 

ما لم يَنْوَجِدِ الآخر

فذاكَ ذاتي ومِرْآتي.

 

مَلامِحي وَسِماتي

لن تبين

ما لم أرَني

من خلالِ ذواتي ...

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــ 121 ــ

 

حُلْم

 

أشعُرُ وأنا اتفحَّصُ ذاكِرَتي المَسْكونة بالألم

كم بَقيتُ طويلا وَلا أزال أحْلمُ بوطنٍ

لا تكتسي حُدودُهُ بلطخاتِ الإسمِنتِ المُسَلَّح

ولا بأسلاكٍ شَوْكِيَّة تطلُعُ كالفِطْرِ الجَمْرِي

هُناكَ حيثُ تندَفِعُ بُطونُ أقدامِ الجنود .

 

أللهُ ! كم حَلِمْتُ ! وَلا أزال

بوَطنٍ حُدودُهُ أقواِسُ فرَح

وينبسِطُ وَعْرُهُ قبالة عَيْنيْ كَكَفٍّ سمحة

ليتمازج بوُعورِ عالمِنا المَكسوَّة

بأزهارِ البرقوق البَرِّيْ .

 

 

 

ــ 122 ــ

 

أحْلُمُ بقطرةِ نَدىً

 

هاتَفَتْني فاطمة سَحَرًا

عِنْدَ إطْلالَةِ فَجْر ،

حينَ ارتَعَشَ الزَّهْرُ ،

إذ داهَمَ رُقادَهُ النّاعِسَ تَساقُطُ نَدى .

 

اللهُ يا فاطِمَة

صِحْتُ حالِمًا كَمْ وَدَدْتُ

لَوْ أنَّ قَطْرَة نَدىً تَسِحُّ

فَوْقَ أسْطُحِ الجليل

تَنْزِلُ في جَوْفِ حَلْقي ،

فَتَرُدَّ عَنْكِ وَعَنّي

يباسَ فاجِعَةِ التَّرِحيل .

 

 

 

ــ 123 ــ

 

أجْمَلَ حُلُم

 

هاتَفَتْني فاطمة سَحَرًا فأيْقَظَتْني

مِنْ رهيفِ حُلُمي لأعودَ إلَيْه .

قالَتْ بِما يُشْبِهُ انكِسارَ المَحْزون

وَكانَتْ عَليمَةً بِحالي ، قالَتْ :

أكثَرَ الحُلُمِ إيلامًا

هُوَ ما لا يَتَحَقَّق ! .

وَمِنْ ثَمَّ وَشْوَشَتْني بما يُشْبِهُ العارف :

أجْمَلَ الحُلُمِ حَقيقَةً ما لا يتَحَقَّقُ لِيَظَلَّ حُلُما ،

لكِنْ أكْثَرَهُ غذوبَةً هُوَ ما يتحقَّق

لِنَبْدَأ البَحْثَ عَنْ حُلُمٍ جَديد .

 

 

 

ــ 124 ــ

 

يأبى الانْكِسار

 

يا شُرَكائي في الْهَمِّ الإنسانيِّ بحْثًا

عنْ " نارٍ " قد  تَسْتَحيلُ " بـرْدًا وَسَلاما "

آلمَني ، أَيَّما ألَمٍ ، قول صَديق :

الْحَقيقة موجـِعـَة ،

لكِنَّني  سَرْعانَ ما غالبْتُ ألَمي

وَهِمْتُ أبْحَثُ يَحْذوني أمَلٌ يَأبى انكِسارا .

 

ــ 125 ــ

 

في ذلك المساء

تعَلَّمْتُ

 

كيف أحْسِنُ الإصْغاء للشَّبَهَيْنِ

لَهُمْ ولي كَيْ أعي ما يقولُ الآخَرُ ،

لِيَجْمُلَ هَمْسُ ما يَضِجُّ بِهِ عَقْلي .

 

ــ 126ــ

 

مـُجـرَّد سـُؤال

 

في ذلكَ المَساءِ سألتني حفيدتي لينا

وَقَد أبصَرتُ في عَيْنَيْها  براءةَ الحَياة

قالَتْ يا  جَدّي  :

مَنْ أعْطى أنْفارًا مِنّا الحَقَّ

في  الدَّوسِ بأرجُلِهِمْ عَلى بِساطِ ثَلْجٍ

مَفْروشٍ وَسَطَ الحاكورة لِيُشَوِّهوا نَسيجَه  ؟

 

ــ 127 ــ

 

في ذلكَ الْمَساء

 

في ذلكَ الْمَساءِ الْمُثْلَجِ الدافِئِ الْوَدود

حاوَلْتُ أنْ أحْسِنَ الْجَمْعَ بْيْنَ الشَبَهيْن

أنْ أتَعَوَّدَ الإصغاء  النَبِهَ لِدَقّاتِ عَقْل

مَنْ عرَفْتُ بينَهُمْ فِتْنَةَ نسيجِ الْحَياة

وألاَّ أكْتُمَهُمْ حَقيقَةَ ما يَضِجُّ بِهِ عَقْلي  .

 

 

ــ 128 ــ

 

هاتَفَني أخٌ

 

هاتَفَني أخٌ اصطَفَيْتُهُ لَصُحْبتي

وكانَ على عَجَلٍ فَلَمْ يُمْهِلْني

لِأنْبُشَ حُطامَ ذاكِرَةٍ بَحْثًا عَنِ اسْمِهِ

قالَ :

شاهَدْتُ حُلُمًا مُزْعِجًا

رَأيْتُ فيهِ إخْوَةً كَثيرين يُرْغَمونَ

عَلى أنْ تُصْنًعَ لَهُمْ قُيودٌ

لكِنْ هالني ما شاهَدْتُ اليومَ

و ذاتَ زَمَنٍ ارتَحَلَ ،

رأيْتُ نارًا قَديمَةً جَديدةَ في وَسَطِ بغداد

يَخْرُجُ مِنْها شُواظٌ مِنْ لَهَبٍ حارِقٍ

يَلْتَهِمُ عَقْلَ صاحِبي الْحَلّاج

 

ــ 129 ــ

 

وَكانَ مُعَلَّقًا ثلاثَةَ أيامٍ في بَغْداد

كانَتِ الغَلَبَةُ فيها لِنارٍ تَعَلَّمَ الإنسان

ذاتَ زمنٍ قَديم كَيْفَ يَسْتَنير بها ،

لكِنْ صارَتْ حارِقَةً بِلَهيب

جَشَعِ بَطْنٍ وجيبٍ وَوَهْمِ عقْل

وكُنْتُ سَمَعْتُ أحَدَ إنساننا

يَهْتِفُ صارِخًا يَوْمَ أحرَقوهُ ذاتَ زمَنٍ آخر ،

سَمَعتُهُ يقولُ في وَجَع :

أحرِقْتُ ،

يَوْمَ بَدَأتُ أرى الزَّهْرَ مُخْتَلِفًا وَ مَفرِحًا

وَ كَمْ وَدَدْتُ يومَها لَوْ أنَّ إنسانَ عالَمِنا

يَبدأ الإزهارَ والازْدِهار !

 

 

ــ 130  ــ

 

وفي عَجلٍ كَفَّ أخي عن مُهاتَفَتي و مُحادثَتي

وغاب في صمتِ موجَعٍ حَزين

لحظَتَها كَمْ وَدَدْتُ أن أحكي له ولَكُم

أنَّ النارَ التي التَهَمَت جَسَدَ الحَلّاج وأكثَرَ ناس عالَمِنا

انتَشَرت كالسمِّ الزعاف في آفاق عالَمِنا

وكانت انتَشَرَت في جَسَدِ سُقراط الإغريقي ،

وهذِهِ النّارُ لا تزالُ مُنْدَلِعَةَ بَيْنَنا

يُؤجِّجُها جُندٌ غزاة .

 

ــ 131 ــ

 

في ذلِكَ الْمَساء

 

غُيِّبْتُ في إغْفاءَةٍ واجِبَةٍ

لأبْصِرَ شِلَّةَ صَحبي  السُّمْرَ

مَنْ مَنَحَتْهُم أمُّنا الأرضُ بَعـْضَ لَونِها الْجَميل

وَقَدْ راحوا يُطِلّون عَلى الْجَديدِ وَإنْ يَكـُنْ في الْبَعيد

فَأتَتَبَّعَ خَطْوَهُم عَلّي أرى  طَلَّةَ قَمَرٍ وَوَمْضَ نُجوم .

عَلّي أصْغي إلـى هَدير  نَهْرٍ آتٍ لا مَحالَة

يَنْدفِعُ أمامًا  في عَجَلٍ وعَلى  مَهْلٍ وفي رَوِيَّةِ عَقْل ،

فَيَغْمُرَ حَوافيه عُشْبٌ يُبَلِّلُهُ نَدىً

وَتَعودَ الْعَصافيرُ مُلَوَّنَةُ الرّيشِ إلى ما حَلُمْنا بِهِ

تَمْلأ الْمَدى تَحْليقَ عِشْقٍ وَشَدْواً مُلوَّنَ الْلُحون .

 

 

ــ 132 ــ

 

يقلقني ما صرنا

( واحدة من قصائدي القديمة وحقيقة لا أعرف متى كتبتها )

 

أيَّةُ  يَدٍ  ثقيلَةٍ ؟ كحذاءِ  جُنْدِيٍّ  غازٍ ومُتنمّرٍ !

هذي المنذرة  بالطلوع

من  وسط  الأقبية  شديدة  الظلام

لتقطف  ، بعنف ،

زهرة  الوزّال  التي  تُحاوِلُ  من  جديد

استعادة  الإزهار  بكبرياء  ورود  فوّاحة .

وأيّ  خيار  عسير  ومرّ  المذاق

حينَ  يُلزَمُ  المرءُ  أن  يقرّر مرغما

فإمّا  أن  يرتشف ما  احتساه  سقراط

بوعي  موجع أو أن  يلتزم  الصمت

عما  يراد  للورد  من  مصير ؟.

 

 

ــ 133ــ

 

مِرْآةُ الْوُجود

 

وفيما رُحتُ أصغي لشدوِ صديق

بَهَرَني ما ظَهَرَ لي من جَديد

كانَ الثَّلْجُ ناصِعَ الْبَياضِ ذاكَ الْمَساء

وقدْ راحَ يَلْتَحِفُ عباءةَ الليل شَديدَةَ الْعَتْمة

فاصْطَبَغَتْ أشْجارُ الحاكورة بنورٍ شَفيف .

 

ــ 134 ــ

 

تـْسـِلـي

الـْمـُصـَوِّرُ الـرَّسـام

 

حَلِمْتُ طَويلًا ،لَوْ أنَّ لَدَيَّ قِنْديلَ عَلاءِ الدين

لَّنَفذْتُ بهِ مِنْ عَباءَةِ الزَّمَن ،

فَعادَ بي ، قَليلًا ، إلى  الْوراءِ ،

لأجْلِسَ في خَمّارَةٍ برلينِيَّةٍ قُبالَةَ " تْسِلي الْمُصَوِّرِ الرَّسّام

أمَتِّعُ النَّظَرَ فيما الْتَقَطَتْ عَيْناه الْبَصيرَتانِ

وَفي أوْراقِهِ الْمُتَناثِرَة  .

 

أجْلسُ إلَيْه ، فأراهُ وَقَد راحَ يَخُطُّ بِريشتِهِ السَوْداء

صُوَرَ النّاسِ الْبَرلينيين  الطَيِّبين وحَياتَهُمُ الْمُضْنـِيَة ، لكِنِ المَرِحَة

وأتَأمَّلُ طَويلًا ( صورَسْمة  ) ذلِكَ الْمُسِنِّ الْعَجوز

وَقَدْ ألْقى بِرأسِهِ فَوْقَ طاولَتِهِ مُتْعَبًا

 

 

ــ 135 ــ

 

وَراحَ في غَفْوَةٍ تُساعِدُهُ في تأمُّلِ كأسِ حياتِهِ

الَّتي انْتَصَبَتْ أمامَهُ باسِقَةَ الطّولِ ، لكِنْ فارِغَة .

 

 

ــ 136 ــ

 

البجعة

 

عِنْدَ حافـَّةِ نـَهـْرِ " الْشـْبـْريـه "

الَّذي يَفـْقِدُ كُلَّ أثَرٍ بَعْدَ رِحْلَةِ عِشْقٍ

في غابَةِ نِساءِ الصِّرْبِ الْجَميلات

والْمُلَوَّناتِ مِثْلَ طائِرِ الْفَزان !

راحَتْ بَجْعَةٌ بَيْضاءُ،

خالَطَتْ ريشَها شَديدَ الْبَياضِ ريشاتٌ سَوْداء مُتَفَرِّقَة ،

تَرَكَتْهـا خـَبْطاتُ  قَلَمِ رَسّامٍ رائِع !

راحَتْ تـَذرُعُ النَّهْرَ ذهابًا وإيابا  ،

طَويلَةَ مَهْوى الْقِرْطِ تَفيضُ بَهاءً إنْسانِيًّا

وَدِعَةَ طِفْلَةٍ وَتَـَقَدَّمُ بِخُطىً مُسْتَقيمَةٍ وواثِقَة .

 

 

ــ 137 ــ

 

ذكَّرَتْني طَلَّتها الآسِرَةُ مِنْ بَيْن أشْجارِ

الْكَسْتَناء ذاتِ الْخُضْرَةِ الأبَدِيَّة

بِطَلَّةِ مَنْ أحِبُّ ومـَنْ تَمْنَحُني شُعورَ الْفـَرَحِ

الَّذي لا يَعْرفُ الغَرَقَ في أيَّةِ غابَةٍ

غَيْرَ غابةِ عِشْقِها الْجَميل !

 

فَتَتَفَتَّحُ بَتَلاتُ زَهْرَةِ فِكْرٍ

دائِمَةُ التَّجَدُّدِ والْحَياة .

 

 

ــ 138 ــ

 

 

أتذكرك ...

أيتها المرأة الجميلة

 

في كُلِّ مَرَّةٍ تَحْمِلُني  قـَدَمايَ الْخَفَيفَتانِ

وَبِكُلِّ رَشاقَةِ الْمُهورِ الْمُجَنَّحَةِ إلى

الشّارِعِ الْقَديمِ في حَيِّ ليشْتِنبيرْغ

حَيْثُ كُنْتِ تَسْكُنينَ في الْمَدينَةِ الْمُثْلَجَةِ ،

أملَا في أنْ أجِدَكِ هُناكَ .

 

أتذكَّرُكِ جَيِّدَا وكَثيرَا يا لؤلؤتي السَّوداء

يا مَحارَتي الْمُغْتَسـِلة ، مُنْذُ طَلْقِ الْوِلادَةِ ،

بِماءِ " الـشوكو " الْحار الْطالِعِ مِن

بَيْنَ زَبَدِ الْخلْجانِ الْوَحـْشِيَّة !

 

 

ــ 139 ــ

 

أتَذَكَّرُكِ أيَّتُها الْمَرْأةُ الْجَميلَةُ ،

أيَّتُها الْخَجولةُ مِثْلَ طِفْلَة ،

الشَّرِسَةُ مِثْلَ ذِئْبَةِ الأساطير ،

 

أذْكُرُ كيْفَ كانَتْ تَتَراقَصُ أضْواءُ

الشُّموعِ في عَيْنيْكِ وَيَتَسَلَّل إلى

دمِكِ الصَّخَبِ الْمُنْبَعِثِ مـِن

موسيقى صَيّادي الْغاباتِ

الزّاحِفينَ بِخُطىً راقِصَةٍ ،

إكْبارًا لآلِهِةٍ أو بَحثَا عَنْ غَنيمة !

 

عَبَثًا أبْحَثُ عَنْكِ،

فأنا أعْرفُ في مُنـْحَنَياتِ ذاكِرَتي  الَّتي لا تَشيخُ

 

 

ــ 140 ــ

 

أنَّكِ لَسْتِ هُنا

فَقَدْ دَفَعَتْنا دُروبُ الْحَياةِ الشّائِكَةِ كُلّا في طَريق !

بَحْثًا عَنْ شَمْسٍ في وَطَنٍ يَسْكُنُهُ الْلَيْلُ

وَهُمومُ الْجَرْيِ الْموجِعِ  بَحْثًا

عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ وَعـيـشَةٍ كَريمَة .

 

عُذْرًا ، فَلا زِلْتُ أجيءُ أفَتِّشُ ،

في هوَسِ الْعاشِقينَ ، بَيْنَ رُكامِ الـشّارِعِ

الْمُعْتِمِ الْقَديمِ عِنْدَ جَبَلِ الضَوء ،

أفَتِّشُ عَنْ مَحارَةِ تَفوحُ بِعَبَقِ تَوابِلِ الْجُزُرِ الْوَحْشِيَّة !

 

 

ــ 141 ــ

 

أيُّ  نـَصـْر  ؟

 

سَألَتِ الصَّبِيَّةُ الطَّيِّبَةُ الْقادِمَةُ مِنْ قُرى أقْصى الْجَنوبِ الشَّرْقيِّ الألماني ،

طَلَبًا لِمَعْرِفَةٍ وأمَلَا بِعِشْقٍ نارِيٍّ ، سَألَتْ : ولكِنْ ... عَنْ أيِّ نَصْرٍ يَتَحَدَّثون ؟

وَقَدْ كَلَّفَتِ الْحَرْبُ كُلَّ هذا الْكَمِّ الْمُخيفِ مِنَ الضَّحايا والْعَذابات !

وكانَتْ تَوَقَّفَتْ قَليلًا في رَدْهَةِ مَتْحَفِ التّاريخِ أمامَ صورَةِ  خـوذَةِ جُنْدِيٍّ ،

تُرِكَتْ يَتيمَةً فَوْقَ أرْضٍ كانتْ لِسنينَ طَويلَةٍ مَسْرَحَ مَوْتٍ وقَدْ أبْقَتْ

رَصاصاتٌ طـائـِشـَةٌ فيها  ثُقوبًا قاتِلةً .

وَقَدْ  أفْزَعَ الصَّبِيَّةَ ما رأتْ :

زَهْرَةٌ بَرِّيَّةٌ تُغالِبُ الثـُّقوبَ لِتَتَنَفـَّسَ حَياةً طالِعَةً مِنْ جَوْفِ الْخوذة !

وَفي عَفَوِيَّةٍ مَحْزونَةٍ ،لكِنْ غاضِبَةٍ ، أخَذَتْ يـَدي وشَدَّتْني إلى الْخارِجِ

الْبَعيدِ، لاعِنَةً  شـَرَّ الْحُروب !

 

 

ــ 142 ــ

 

في ذلك المساء

 

في ذلكَ الْمَساء أمْسَكَتْني رَجْفَةُ أحاسيس

أشْعَلَتْني ، فَصِرْتُ كفينيقِ أخي

أنْتَفِضُ على ناري وَما فيَّ وحوْلِيَ من رَماد

وَجَدْتُني عندَها جالِسًا قبالةَ نَهْرٍ هُوَ أشْبَهُ بنهرِ حَياة

فرُحْتُ أصْغي إلى دَفْقِ مائِهِ

وَما فيهِ مِنْ بحّاتِ خَريرٍ وبوح انْسِياب .

***

في ذلِكَ المَساء كَمْ وَدَدْتُ لَوْ أستعيدُ بَعْضَ ذاتي

لأظَلَّ أصيحُ كأبي ذَرٍّ ، صاحِبي وأخي ،

يا نِعْمَ الصَّحْب ها هُوَ العَقْلُ فاحْذروهُ وَأكْرِموه

فبِهِ نَبْدَأ أوَّلَ خُطانا بَحْثا عن عوالِمَ نَيِّرَةٍ جديدة

وبِهِ نَبْدَأ تَدافُعَ الرُّجوعِ وراءً إلى عَوالِمَ بائِدَةٍ وَمُبيدَة .

 

 

ــ 143 ـ

 

بعضُ رُؤيا

 

رَأيْتُني في لحْظةِ صَحْوٍ في أمْسِ ذي غدٍ سَيأتي

أتمسَّكُ جاهِدًا بحِبالِ غمامة

مُحاوِلًا فيما أتاني مِنْ عَزْمِ حياة

جَسْرَ البُعْدِ الحاصِلِ عِنْوَةً بَيْنَ نهْرٍ وَبَحْر

مُتجاوِزًا القِمَمَ الجليليةَ المُقدَّسة

هُناكَ حيْثُ تغفو بكلّ دَلالِ المعشوق

أميرةٌ كنعانِيَّةٌ ساحِرَةُ الخضرة عِنْدَ وادي "حَبيس"

و نازِلًا أغتسِلُ مِمّا عَلِقَ فِيَّ مِنْ وَعْثاء رَحيل

بمياهِ وادي "البَصَّة " ، لأغفُوَ بعدِها قليلًا

عِنْدَ مَوْقِعٍ تتمازجُ فيه

صُخورُ " رأسِ الناقورَةِ " شَديدَةُ البَياض

برمالِ بَحْرِ "الزّيب" فاتِنِ الزُرْقة

 

 

 

ــ 144 ــ

 

فأسْتعيدَ بَعْضَ أنفاسي وأصغي مبهورا

لبوْحِ المَوْجِ المُنكسِر

تداعِبُهُ بكلِّ رقة العاشِق شِباكُ الصَّيّادينَ السُمْرِ

ما كانتْ تملأ المَكان

قبْلَ أنْ تودِيَ بقواربهمِ الصَّغيرّة عَواصِفُ زَمَنٍ خؤون .

 

 

 

ــ 145 ــ

 

أيَّتُها الحُرِّية

 

أيتها الحرية ،

يا ابنة الحياة ووليدة الرغبة والأمل الإنسانيِّ ،

في العودة إلى ما كانت طفولة ” أنكيدو ” ،

قبل أن يسقط في شرك الشهوة

الجسدية العبثية والخادعة ،

وكان حينها لا يزال يحتفظ بصداقة العشب ،

الزَّهر ، الشجر ، الطير ، الماء ، الوحش ،

النجم وكلِّ ما كان يُحْسِنُ عَيْشَ الجوار في

تلك الغابة المتشابكة ، غابة الحياة .

أيتها الحرية المحلوم بها

كم يوجعني ما نحن فيه ،

فكلُّ مُنعطفٍ في طريق العودة إليك ينزُّ دما غزيرا ،


 

ــ 146ــ

 

موجِعًا ويسود ليلٌ لا يعرف وَهَجَ حياة .

أيتها الحرية الأصيلة ، لا الكاذبة ،

أنت سرُّ وأصلُ وُجودِ إنسانيتي وعالمي ،

فبِلاكِ لن نكون ولن تكون حياة .

 

 

 

ــ 147 ــ

 

شَرْطُ حَياة

 

أحْسَبُ أنَّ أبانا الذي لم يَكُنْ آدَمَ القديم

ضَحِكَ في سِرِّهِ طويلا وَكَثيرا

حين توقفَ أمامَ سُؤالِ الخيار

أنْ يكونَ أوْ لا يكون .

 

لم يتردَّدْ ، تسَلّق أوَّل شجَرَة اعترَضتْ مَساره

وما إنْ بلغَ مُنتصَفَ الجذْع

حتى انكشفتْ أمامَهُ عَوالِم

لمْ يَرَها من قبل ، رَأى ما لا يُرى !

 

فإذا الفضاءُ لا يحدُّه فضاء

 

 

ـ 148 ــ

 

وإذا الأفق ينفرِجُ على أفق

وإذا المَدى يُسَهِّلُ المَسارَ

إلى ما يفوقه مدىً ، فأدْهَشَهُ جَمالُ الانكشاف .

 

ولاح لِعيْنيْه المفتوحتين انشِداها منْ رَوْعَة ما رَأى

ما بدا لهُ أنهُ ذاتُهُ الأخرى

وَقد افترَشَتْ بساطا أخضرَ

وأحاطتْ جَسَدَها العاري كَما الحياة

بزيقٍ مِنْ شَفيفِ نور .

 

وحين رأته قادما نحوَها

أشاحَتْ بوَجْهِها كيلا يَرى عُرْيَهُما

وكانَ فيهِ سِرُّ قوَّتِهِما

سِرُّ الجَمال  وسرُّ ضعْفِهِما .

 

 

ــ 149 ــ

 

لكنه أخذها بيديه ، ضمَّها إليه

وراحا يَخطوانِ قِدَماً

وقد ازدادا قناعة أنَّ الحياة لن تكون

لن تتجدَّدَ ولن تطول ، ما لم يلتقيا .

 

وراح يهمِسُ في أذُنَيْها المُصْغِيَتيْن

ما أشَدَّ حَرارَة اللِقاء

حينَ يَكونُ بينَ الآخرَ وذاتِهِ

وحينَ يلوحُ في فضائِهِ

قبَسُ نورِ معْرِفةٍ

وتابَعا المَسير معًا وباحْتِرام .

 

 

ــ 150   ــ

 

أيَّةُ إرادة ؟

( من وحي صورَةٍ التقطتها عدسة ولدي المصور الهاوي هاني مغربي المقيم في برلين )

 

أيَّةُ إرادَةِ حَياة هِيَ هذِه ؟

سألْتُ نَفْسي لَحْظَة رَأيتُ ” نَبْتَة الْعِلْتِ البَرّي “

تُغالِبُ شُقوقَ الحَجَرِ الصَّخْرِيِّ لِتَنْعَمَ بِألَقِ حَياة

فَتَكْتَسِبَ أوراقُها خُضْرَةً مُتَوَهِّجة ، بَعْدَ طولِ يباس ،

وتعيشَ أمَلاً بِمَجيءِ أوانِ إزهارٍ وتَفَتَّح رَبيع .

لَحْظتها ألَحَّ عَلَيَّ سُؤالُ نفسي

كمْ يجْمُلُ بإنسانِيَّتي التائهة في صَحْراءَ

جَشَعٍ ، عُنْفٍ وسرابِ شَهَوات

لَوْ أنَّها تتَسَلَّحُ بِهذِهِ الإرادَةِ

فتَعيشُ إطْلالةَ ربيعٍ حَقيقِيٍّ

يَتَجَدّدُ بَعْدَ كُلِّ يباس !

 

 

ــ 151 ــ

 

 

أيـُّهـا الـرّاقـِصُ وَحـْدَك

 

فـَجـْأة خـَلـَتْ حـَلـْبـَة الـرَّقـْصِ وانـْفـَضَّ الـرَّاقـِصــون ،

إلا أنـْتَ وَحـْدَك ، بـَقـيـتَ مـُواصـِلًا تـَرَنـُّحـَك الـْمـُمـَوسـَق

والـْمـَضـْبـوط عـَلـى إيـقـاعِ نـَغـَمٍ لا يـَسـْمـَعـُهُ أحـَدٌ غـَيـْرُك .

أيـَّةُ قـُوَّةٍ هـذهِ الـَّتـي تـَتـَوَلـَّدُ مـِن ضـَعـْفـِك ؟

أيـُّهـا الـْفـارِسُ الـرّاقـِصُ وَحـْدَك !

يـَنـْحـَسـِرُ الـضـَّوءُ عـَن مـَوْقـِع الـْحـَلـبـَة

وَيـَنـْفـَضُّ الـرّاقـِصـون إلا أنـْتَ وَحـْدَك !

تـَظـَلُّ تـُحـَرِّكُ قـدَمـَيـْكَ الـْمـُتـَرَنـَّحـَتـَيـْن

فـي دائـِرَةٍ غـَيـر مـرئـِيـَّة راسـِمـًا ظـِلـَّكَ الـرّاقـِصَ

عـَلـى إيـقـاعِ نـَغـَمٍ لا يـَسـْمـَعـُهُ أحـَدٌ غـَيـْرُك !

أفـْهـَمـُكَ جـَيـِّدًا أيـُّهـا الـْفـارِسُ الـرّاقـِصُ وَحـْدَك

فـَإنَّ بـي بـَعـْضَ مـا بـِك !

 

ــ 152 ــ

 

الحصيرة ... أنا

( من وحي أعمال  الفنانة التشكيلية رانية عقل ، ابنة بَلْدَةِ كفر قرع

في المُثَلَثِ الشمالي وموضوعها الحصيرة )

 

أتأمَّلُ الحصيرة ، تلك التي نسجتها أصابع فنانة تعيش لحظات حلم

محلقة بعيدا وبعيدا في مراح نجوم قصية

فترى ما لا يُرى !

أتأملها ، فأرى من وراء الحجب ، وَجْهَيْ أمي وأبي

وقد أبْصَرا في عُرْيهما " نجمة المجوس " الموحِية بأكثرَ من وِلادة ،

فراحا على الحصيرة يرقصان في ليلةٍ غـَرِدَة وَمـُقـْمـِرَة ،

على إيقاع خبطات أقدام آلـِهـَة عـاشـِقـة !

إيه أيتها الحصيرة يا حافظة سـِرِّ عائلتي المقدسة  ويا ملاذنا في الطفولة

في ليالي الشتاء قارصة البرودة لحظة نروح في شغف

نصغي لجدتنا عما كان ، لم يكن ولن يكون !

 

 

ــ 153ــ

 

يا  وطني !

 

كم يحزنني ما كنتَهُ وصِرتَهُ ،

كنت مدى ينفتح على مدى مفترشا ثرى أمي بين ماء وماء

بين شطآن بحر وشعاب قمم وبين طلة فجر وحلكة عتمة ،

وقد راح الطالعون من رَحْمِ أسطورةٍ

واهمَةٍ يطوون ثراك كالحصيرة ،

فباتت معلقة في طرف زاوية من حيطان ما كان غرفتي وبِـتُّ

مـُضـيـَّعَ الجـُذور كتائهٍ في العراء .

ألله يا وطني ! كم يوجعني ما دُفـِعـْتَ إليه !

فصِرتَ سِجنًا أَصـْغـَرَ من قبضة يد وأضيقَ من فسحة أمل

وكُنتَ رحبَ الحوشِ وأشبهَ بمراحٍ تُزَيِّنهُ كمشاتُ نجومٍ ،

بيادِرُ قمْحِ وكروم عـِنـَبٍ ،

كُرومُ زيتونٍ فاتن الخضرة ، أحراشُ بـَلـّوطٍ وَحـَواكـيـرُ تين !

 

 

ــ 154 ـ

 

ألله يا وطني كم تمنيّْتُ !

لو أنك تنتفض على ما فيكَ وحَوْلَكَ من رَمادٍ ، يؤذي البَصَرَ والبصيرة ،

تنتصر على ذاتك وما دُفـِعـْتَ إليه ،

فتفـُكُّ قيدك السِّحرِيَّ وتعاوِدُ التحْليقَ طلق الجناح !

 

 

ــ 155 ــ

 

الحصيرة الربابة

 

شُبـِّهَ لي في ساعة قيلولةٍ نهاريةٍ حالمة ،

أنني رُحْتُ أفترشُ الترابَ في خيمةٍ جليلية

أصْغي للهمسِ الطالعِ من رحمِ مهباجٍ عاشقٍ

وقد أدهشني ما رأيْتُ ،

استحالتِ الحصيرةُ رَبابةً حواشيها

مُلوَّنةٌ ذكـَّرتني بزنـّار فاطمة ،

فراحتْ أصابعي الراقِصةُ فرحا تُداعبُ

أوتارها لِترْوِيَ حِكايَةَ عِشقي :

أللهُ يا وطني ما أجملَكً وإنْ سَرَقوكَ منّي !

 

 

ــ 156 ــ

 

الحصيرة .. أنا

 

تأمَّلْتُ الحَصيرَةَ طويلًا حتى كاد

غبشٌ يحجبُ عن عَيْنيَّ النور ،

فرأيتني أخرج من بين خيوطها الملونة كعينيْ فنانة

مُتكئًا على عَصايَ تلك التي سأهُشّ بها

على ما تجمَّعَ حولِيَ من ذُباب

ولي فيها مآرب أخرى :

كأن أبْعِدَ عن جسدك الهشِّ يا وطني

ما قد يتولـَّدُ من عَقاربَ تطلع مني ومن ذواتي

سُمـُّها بات في ليليَ الطويل قاتلًا حقًّا !

 

 

ــ 157 ــ

 

ما أجمل ذاك المساء

 

كان بليل المطر ،

سَخيَّهُ وكانَ غَيْمُهُ واعداً

بأكثر مِنْ حَبّاتِ رَذاذٍ

وَأكثر من قطراتِ ندى .

 

وَجَدْتُني أتوكَّا على عَصايَ ،

التي كمْ وَدَدْتُ لَوْ أنَّني أحْسَنْتُ الْهَشَّ يِها

على ذاتي لأجَنِّبَها

وُعورَةَ التَّجْرِبَة وَوعْثاءَ السَّفَرِ ،

وَجَدْتُني أنْدَفِعُ دَحْرَجَةً ،

لكن في حذرٍ وروية ،

في دَرْبٍ شَديدِ الإنحِدار ،

 

 

ــ 158 ــ

 

يَصِلُ بَيْنَ مَوْقِعِ سِنْدِيانَةٍ تَخْطِفُ البصَرَ ،

طيِّبَة الذِّكر ، عَميقَةِ الجِذْرِ ، قَوِيَّةِ الْجِذْعِ ،

خَضراء الْوَرَقِ والغُصون ،

وَبَيْن بَيْتِ هُوَ أشْبَه بِخِباءٍ مرتفِعِ العِماد ،

غزير الألوان الربيعية

رحْبِ الْمَدى وسَمْحِ اليَدَيْن .

 

لحْظَتَها رَأيْتُني ،

أوْ هذا ما شُبِّهَ لي ،

كُنْتُ أشْبَهَ بِبُقْجَةٍ مُلَوَّنَةِ الْخيطانِ

والْحَوافي وفاتِنَةِ التَّطْريز ،

ذكَّرَتْني ببقجة أمّي ساعة الْهَجيج .

 

ــ 159 ــ

 

وقدْ رُحْتُ أسْرِعُ الخطْوَ

أمَلاً بالْوُصولِ الآمِنِ إلى ذاك البَيْتِ ،

الذي طالَما أعادَ اسْمُه إلى ذاكِرَتي المُتَحَفِّزة

دَوْماً صورة جدّي مُنْتَصِبَ القامَةِ ،

عِنْدَ بَيْدَرِهِ الْحبيبِ العامِرِ ب " غماراتِ القمح "

وَقَدْ راح يَرْفَعُ طَرَفَ " قُنبازِهِ "

يُحاوِرُ بِحَركَةٍ راقِصَة عُيونَ غُرْبالِهِ ،

يَتَأمَّلُها وَهْيَ تُحْسِنُ الفصْلَ بيْنَ

ما هو غِثٌّ وما هُوَ سَمين .

 

ما أرْوَعَ أنْ يطولَ عمْرٌ ،

لِيَجْمُلَ فيهِ لِقاءُ أحبة ،

فَيَحْسُنُ مَسارُ دَرْب ويَنْفَتِحُ

أفْقٌ عَلى أكثَرَ من مَدى ،

 

ــ 160 ــ

 

فَتَلوحُ فسحةُ أملٍ ويَبينُ

أكْثَر مِنْ بَصيصِ نور .

 

ما أجملَ ذاك الْمَساء ،

ففيه طاب دَفء عُيونٍ يغمُرُها فرح حياة ،

وجَمُلَ هَمسُ كانَ أشبه بِسَقْسَقَةِ ماءِ وِدْيانٍ ،

بَليلَةِ الضفاف

وَتَرَدَّدَ تكَسُّرُ أوْتارِ عودٍ عاشقٍ

وداعبتِ الأذْنَ بحاتُ كمان .

وفيهِ وَجَدْتُني ، إخوتي وأنا ،

نتعلم حُسْنَ الإصْغاء لِجَوْقَةِ نَشيد ،

نُطْرِبُ ذاتنا وذواتنا

الأخر بِشَدْوِ الأبناء ، البنات ، الأحفادِ والحَفيدات .

 

 

ــ 161ــ

 

ما أجمل ذاك المساء ،

كان عرساً يفوحُ فيهِ عَبَقُ حِناءٍ

ويَنْسَكِبُ في مراحِه أصفى نشيد إنْشاد .

 

 

ــ 162 ــ

 

 

نصوص شعرية قصيرة نسبيًا

(  في 4 آب الماضي ( 2019 ) ، انطلق ولدي هاني مغربي المُصوٍّرُ الهاوي المقيم في برلين ، عاشق الطبيعة ، كعادته قبل العمل أو بعده أو في رحلة خاصة ليلتقط بعينه الراصِدَة واحدة من تجلِّياتِ الطبيعة المحيطة ببرلين )

 

 

ــ 163 ــ

 

أيَّتُها الطَّبيعَةُ

 

ـ ما أرْوَعَ ما سَتصيرينَهُ وَتَكونينَه

لَحْظَة يَنْسابُ فَيْضُ ماء بَيْنَ ضَفَّتَيْكِ

وَتَبْزُغُ خُضْرَةُ عُشْبٍ وشَجَر

هِيَ وَليدَةُ حَياة ،

أتَأمَّلُكِ في هَوَسِ مَفْتونٍ عاشِقٍ

يَعْشَقُ الطَّبيعَةَ وما فيها مِنْ تجَلِّياتِ وُجود

فَيَنْبَهِرُ بَصَري وبَصيرتي

بِأكْثر مِنْ صورَةٍ فاتِنَةٍ

وأكْثرَ من وَجْهٍ حَسَن .

 

 

ــ 164 ــ

 

ـ          يا من وهبتني

 

يا مَنْ وَهَبْتِني وَهَجَ الحياةِ لأدْرِكَ مَنْ وما أنا ،

فأدْرِكَ سِرَّ حَبْلِ السُرَّةِ ، دائِمِ الرَّبْطِ بَيْنَنا ،

فَنَصونَهُ لِنَصونَنا .

ها أنا ذا أغْفو بِخُشوعِ ناسِكٍ عاشِقٍ

بَيْنَ يَديْكِ الْحنونَتينِ كَحنانِ أم يُشْغِلُني في غَفْوتي هاجِسٌ

شَديدُ الوجَعِ وَشديدُ الفَرَحِ

فَكَم مَلأتْني رَغْبَة حَياة أنْ أغالِبَ عجَزي الْجَسَدي

لأظل مُمْتَطِيًا صَهْوَةَ عقلي وسارِحًا

أرْصُدُ فرادَةَ تجَلِّياتِكِ المُمَيَّزة

فأزداد انبِهارًا وقناعةً بِأنَ أجْمَلَ ما فيكِ

هُوَ تَعَدُّدَ تجليلتك ، تلَوُّن أطيافِكِ ودوامُ جَرَيانِ مائك

كَيْلا " يُفْسِدَهُ وُقوفُ "، فيُفْسِدَ بَعْضًا مِنْكِ ذاكَ الْوُقوف .

 

 

 

ــ 165 ـ

 

ـ أيَّتُها الطَّبيعة !

 

يا أمَّ الْحَياة ،

سِرَّ نَشْأتِها وَسِرَّ أسْئِلتِها الْوُجودِيَّة

الْمُشْرَعَة عَلى أكْثّر مِنْ عالَمِ أجْوِبَة

ما أرْوَعَ تَداوُلَ فُصولِكِ وتَجَدُّدَكِ الدّائِمَ

أتأمَّلُ عَديدَ تَجَلِّياتِكِ وحَراكَكِ الرّاقِصَ كَنورِ شَمْعَة ،

فأزْداد انْبِهارًا وَتَتَوالَدُ في ذهني أسْئِلة ،

كَمْ يَفْتِنُني فيكِ هذا التَّجَدُّدُ الدّائِم

فأحْسَبُني أعيشُ فيكِ هُبوبَ ريحٍ خَريفِيّة

هُطولَ مَطَرٍ واعِدٍ بِأكْثَر مِنْ وِلادة

إطْلالَةَ ربيعِ حَياةٍ مُلَوَّنة

وَحَرَّ قَيْظٍ حارِقٍ هُوَ فيكِ أصْلُ الْيَباسِ والاخْضِرار

 

 

ــ 166 ـ

 

أيَّتُها الأرض

 

أيتها الأرض ،

أدركْتُ سِرّ الخللِ المُدَمِّرِ الذي أصابك

فلم تبقي كما كنتِ مهدَ البَراءةِ وأصْلَ الحياة ،

أدركته بعمق ووعيٍ طبيعي ،

لحْظَة حاولْتُ أنْ أفهَمَ ما تعنيه

تلكَ الأساطير السومرية القَديمَة حقا ،

فالخللُ بَدَأَ ساعة راحَ إنسانُك القديمُ والجَديدُ

يدوسُ كالفِيَلَة المُتَصارِعة ،

بكلِّ عُنْفٍ ، شهوانيةٍ وجَشَعٍ ،

عُشْبَكِ الغضَّ والمُلَوَّنَ

ويُفْسِدُ عَبَقَ ماءِ وِدْيانِكِ وينابيعِكِ .

 

 

ــ 167 ـ

 

أيُّها التُّراب

 

أيُّها التُّرابُ يا ابن أُمّي

ويا سِرَّ التَّعَدُّدِ الْفاتِنِ في الْحَياة

وسِرَّ التَّجَدُّدِ الْمَنْشودِ فيها ،

يُحْزِنُني ما آلَ إليهِ عالَمُنا

إذْ باتَ دُنْيا بلا سَكينَةٍ ولا أدنى أَمَل

وَصَيَّرَكَ الْبَعْضُ أرْخصَ ما في الْوُجودِ

إذْ داسَتْ عُشْبَكَ بَساطيرُ جُنْدِهمِ الغازين

بَحْثاً عَنْ حَفْنَةِ ذَهَبٍ أصْفَرَ .

وَكُنْتَ أجْمَلَ ما عَرَفتُ

كُلَّما تَأمَّلْتُ زيقَكَ الْمُلَوَّنَ كَنَسيجِ حياة

وكُلَّما تَحَسَّسْتُ ذَرّاتِ ترابِكَ ، فَشَمَمْتُ عرقَ جَبينِ

وعَبَقَ دَمِ مَنْ مَنَحوكَ حَياة .

 

ــ 168 ــ

 

أزهارُ الوَعْرِ البَرّي

( مِن وَحْيِ أعمال فَنّانة مِن قريَةٍ جَليلِيَّة )

 

كُنْتُ في أمْسِ كما شُبِّهَ لي

أتَجَوَّلُ هائِمًا بَيْنَ أزهارٍ بَرِّيَّة

تَتَشَكَّلُ فَوْقَ اللَوْحَةِ بِبَساطَةٍ آسِرَةٍ

هِيَ مَزيجٌ ناطِقٌ بِجَمالِيَّاتِهِ

مِنَ اللَوْنِ والخُطوطِ المَداريَّةِ

لِأقمارٍ مُشْتَعِلَة تَسْبَحُ في حَوْضٍ

لَيْلِيٍّ شَديدِ السَّواد يَكْشِفُ كَمْ هُوَ

جَميلٌ وَطَني وإنْ سَرَقوه .

 

كُنْتُ ، مِثْلَ مُسِنٍّ عاشِقٍ مُوَزَّعَ

الأحاسيس تَمْلئُني دَهْشَةٌ مُحَّيِّرَةٌ ،

 

 

ــ 169 ــ

 

أوَدُّ لَوْ أمْسِكُ مَعْشوقَتي الأميرة

النائمة بَيْنَ الأزهارِ الشوْكِيَّة وأتْرِكُ لِحَواسي

فُرْصَةَ تَنَشُّقِ عَبَقِها المُسْكِر

لِأروحَ في ولهِ طِفْلٍ أنقُلُ

ناظِرَيَّ بَينَ أزهارِ الخُرْفيش البرّي

تَعَرَّتْ لِتَوِّها بِشَبَقِ امرأةٍ عاشِقَة

فَنَثَرَتْ أوراقَها في كُلِّ مَهَب

وَبَيْنَ وُرودِ سُمِّ الحَياة

الأشْبَه بِأقمارٍ مُشْتَعِلَةٍ

مُوَزَّعَةٍ بِفَوْضى مُحَبَّبَة

في وَعْرِ ما كان جليلي

وَتُحاوِلُ الإفلاتَ مِنْ

مَداراتِها المُعَلَّقَة مِثْلَ نُجوم

كَشَفَتْ خَلْفِيَّتُها السوداء كَمْ هُوَ ساحِرٌ فَيْءُ عَيْنَيْ حَبيبي !

 

 

 

ــ 170 ـ

 

 

 

أيُّها البَحْر

 

ـ صورة موقع في الساحل الجنوبي لمدينة حيفا عند  قرية خربة البرج الفلسطينية المهجرة  المُدَمَّرة وكانت عدسة ولدي هاني مغربي المقيم في برلين التقطت صورة ذاك الموقع حيث كان ضوء الشمس ينعكس نوره بشدة فيصبغ بلونه موج البحر ورمل الشط وكان هاني وصل إلى ذاك الموقع في 18 و 19 شباط الماضي بصحبة زميله المصور الهاوي وليد جريس خوري من حيفا ليُوَثِّق العديد من صور الذاكرة المُتَبِّقية في حيفا، مُحيطها والمُتاح رَصْدُها ـ

 

 

ــ 171 ـ

 

أيُّها البَحْرُ يا سِرَّ فَرَحي وَحُزْني

آتيكَ في قلَقِ طِفْل

أبْحًثُ طَيَّ مَوْجِكَ، رَمْلِكَ وصَخْرِكْ

عَنْ كُنْهِ الحَقيقَةِ فيكَ وَسِرِّ الرَّوْعة

أنتَ الْوالِدُ والْمَوْلودُ في آنْ.

أتَأمَّلُ طَويلاً حرَكَةَ موْجِكْ

وَهْوَ يَتَدافَعُ راقِصًا كَأجْمَلَ ما تكونُ حَلَقَةُ الرَّقْصِ

تَجْري إثْرَ ذاتِها الأخرى

لِتَتَوَحَّدَ فيها بَحْثًا عن شَطِّ أمانْ.

نُطْفَةٌ مِنْكَ أنا.. أيُّها البَحْر

وَكَمْ وَدَدْتُ لَوْ أنَّني أعودُ أبْحَثُ مِنْ جديدٍ

عن لَحْظَةِ ضَوْءِ شمس،

عَلّي أدْرِكُ سِرَّ تَلَوُّنِ وتراقُصِ مَوْجِكْ

يا بَحْر ومَوْعِدَ عَوْدَةِ ناسك.

 

السبت 18/3/2017

 

ــ 172 ــ

 

يا شَجَرَةَ النَّخيلِ

 

يبْهَرُني فيكِ بَعْضُ سِماتٍ كمْ وَدَدْتُ لَوْ تصيرُ بَعْضَ سِماتي

فأغذو جِذْراً يَضْرِبُ عميقاً في رحْمِ أمِّه الأرْضِ ،

بَحْثاً عَنْ عَناصِر حياةٍ ،

وَتَسْمو هامَتي الإنسانِيَّة ،

فَأروحُ أسامِرُ مَراحَ النُّجومِ لأسألَهُ

عَنْ سِرِّ رَوْعَةِ الوَمْضِ في إطلالِهِ الدّائم والأشبه ببَريقِ أمَلِ

في هذا اللَّيْل شديدِ العَتْمَة الآخِذِ بخِناقِكَ يا وَطَني

وأصيرُ مِثْلَ تَمَرِكَ الناضجِ ، طيِّبِ الْمَذاقِ كثَمَرِ جَنّة .

 

ــ 173 ــ

 

الله يا شجرة الزعرور

 

وَفـيـما كـُنـْتُ ذاتَ صـَبـاحٍ فـي الأمـْسٍ الـْقـَريـب

أتـَنـَزَّهُ فـي طـريـقٍ وَعـْرِيٍّ

لـَفـَتَ انـْتـِباهِيَ شـَجـَرَةُ زَعـْرورٍ طالِعَةٌ مـِنْ شـِقٍّ صـَخـْرِيٍّ

ظـَلـَّتْ طَويلا تـَبـْحـَثُ عـَنٍ الـشِّقِّ لـِتـَخـْرُجَ مـِن الـْعــَتـْمـَةِ الـتـُّرابـِيـَّة

فـَتـَتـَنـَشــَّقُ عـَبـَقَ حـَيـاةٍ وتـَسـْعـَدُ بـِدَفـْقِ نـور !

 

ألـلـهُ لـَو أنَّ إنـْسـانـَنـا يـَتـَعـَلـَّم مـِنـْكٍ ،

فـَيـُحـْسِنُ الـْبـَحـْثَ الـدَّؤوبَ عـَن شـِقٍّ ،

يـَطـْلـُعُ مـِنـْهُ حـَقـّا

لـِيـُطـِلَّ عـَلى عـَوالـِمَ مـُلـَوَّنـَةِ الـزَّهـْرِ والـْمُروجِ ،

فـَيـَسـْعـَدَ بـِمـا يـَنـْبـُتُ حـَوْلـهُ وبـَيـْنـَهُ مـِن شـَبـَهـِكِ الـْجـَمـيـل .

 

ــ 174 ــ

 

يا عودَ الرُّمّان

 

يا عودَ الرُّمّان المورِقَ كالخِصْبِ المُتَجَدِّدِ في آذار

لا أخْفيكَ سِرّي !

كم حلمْتُ في لَيْلِ عِشْقِيَ الطَّويل

أن يكونَ لي آذار ، لأتَجَدَّدَ فيكَ وفيه !

 

يا عودَ الرُّمّان خُيِّلَ لي من سِنين أنَّكَ مِزمارٌ سِحْرِي

وكم وَدَدْتُ لوْ أنَّ أصابِعي تُشارِكُ هَوَسَ الرّيحِ

فأداعِبَكَ ، لأسِرَّ لَكَ في لَيْلِ عرسي

كّمْ تَبْهَرُني فيكَ رِقَّةُ حَبيبي .

 

يا عودَ الرُّمّانِ ما زالَ فِيَّ حُلُمٌ مُسْتَبْشِر

فكم أتَمَنّى لَوَ انَّ الَّليْلَ المُعْتِمَ لَنْ يَطول

 

 

ــ 175 ــ

 

ويَجيئني آذار

فَيَتَجَدَّدَ فيكَ وفِيَّ وجْهُ حَبيبي ...

 

 

 

ــ 176 ــ

 

أرى الهلال

 

في أمْسِ كنْتُ جالِسًا في حاكورَتي

رأيْتُ الهلالَ مُنيرًا عندَ خَدِّ الأفق

تُسامِرُهُ نَجْمَةٌ شَديدَةُ الاشْتِعال

خِلْتُها عاشِقَةً مثلي تلازِمُ مَنْ تُحِب .

 

رأيْتُ الْهِلالَ فأدْهَشَتْني الْحَياة

في تَجَدُّدها الدّائمِ والْمُفْرِحِ ،

 

رأيْتُهُ يَزيدُ لِيَكْتَمِلَ ويَعودُ ينقُصُ لِيَكْتَمِلَ .

فأيْقنتً لَحْظَتَها ، يا لِسَعادتي

أنَّ العِشْقَ دائِمُ الاشتعالِ كالْهِلال

يَزيدُ أو ينقُصُ لِيَكْتَمِلَ ولا يكتمل .

 

 

 

ــ 177 ــ

 

 

رَأيْتُ الْهِلال فَذَكَّرني بفاطِمة

وَبِتُّ أشْبِهُ ديكًا مُلَوَّنَ الْجناح

راحَ يَنْفِشُ ريشَه فوْقَ مِئْذَنَةٍ جليليَّة

يَصيحُ انْفِعالا :

” رأيْتُ الهِلالَ في إضاءته المُشِعَّة

كانَ أشبَهَ بإلهةٍ قَديمةٍ عاشِقة

اسْتَحَمَّتْ لِتَوِّها بحَفْنةٍ من نور

لِتَشْحَنَ حُبَّنا بِنُطْفَةٍ من نارٍ لا تَنْطَفِئ ” .

 

 

 

 

ــ 178 ــ

زَّهْرَة " اليمرور "

 

( من وحي صورة التقطنها العين الراصدة للأديب الفنان أسامة ملحم )

 

حَدَّثني صاحِبٌ ذاتَ مَساءٍ ، خَريفِيِّ الرّيح

عَمّا رَصَدَتْ عَيْناهُ الْمَفْتونَتان

بِعِشْقِ الطَّبيعَة وما فيها من تَجَلِّياتِ حياة ،

فَزادَني مَعْرِفَةً وفرحا ، قال :

لَفَتَتِ انْتِباهي ، حدَّ الدَّهْشَة الْمُتَسائِلة ،

زَهْرَةٌ مُلَوَّنَةُ التَفَتُّحِ رَأيْتُها طالِعَةً

في هذه الأيام ، شَديدَة الْجَفاف

وشديدَةِ الرّيحِ الخَريفِيَّةِ ، مُخاتِلَةِ الْهُبوب ،

فاتَّضحَ لي أنَّها زَهْرَةٌ نادِرَة في عالَمِنا اليوم

تُصارِعُ الْهاجِرَة وما فيها من حَرِّ جفاف

 

ـ 179 ـ

 

 

تَظَلُّ تَرْقُبُ إطْلالَةَ الرَّبيع الخريفِيِّ

وَما فيهَ مِنْ حَبّاتِ رَذاذٍ مُنْعِش وَقَطَراتِ نّدًى ،

فَتَعودُ حياةٌ شِبْه دَفينَةٍ إلى عيدانِها اليابِسَة

وَتُعاوِدُ الإزْهارَ المُلَوَّنَ مِنْ جَديد .

لَحْظَتَها وَجَدْتُني أفْلَتُ طَليقًا مِنْ شِباكِ قلقي الموجِع ،

صائِحًا : مَرحى ، ما اروعَ ناسي

لَوْ يتعَلَّمونَ مِنْ تجْرِبَة زَّهرة " اليَمْرورِ " هذه ،

فينْتَهي ألَمُهُمْ وألَمي .

 

 

ــ 180 ــ

 

يا فاطِمة مَنْ تَكونين ؟

 

يا فاطمة ! مَنْ أنْتِ يَسْألون ؟

لا ضَيْرَ في السّؤال ! يا فاطِمة !

أنْتِ أنا ؟

أم وَطَني الْمَسْبِيُّ في جَدائِلِ الْبَحْثِ عَنِ الْخَلاص

يا رَوْعَة الخَلاص

لَوْلا دَمي الْمَسْفوكُ في غَزارَةٍ

هذا الذي يَظْهَرُ لِلْعَيانِ قاتِلاً وفي حَقيقَةِ الأمْرِ هُوَ الْقَتيل .

أمْ أنْتِ يا فَريدَتي جُمانةُ الْغَواصِ في بَحْثِهِ الدّائِمِ والْمديد

عَنْكِ أيا فِرْدَوْسَه الْمَنْشود

في الصَّدَفِ الْبَحْرِيِّ في الْخُلْجان في الأعماق

في أسْفَل الْبِحار

يا أجْمَلَ الْمَحار

 

 

ــ 181 ــ

 

لؤلؤتي الْمَحْزونَةُ السَّوْداءُ أنْتِ يا تُرى  ؟

يا سُدَّةَ الْحُلْمِ الذي كُنْتُ أجيْ ذاتَ يَوْم

في رَشاقة المُهورِ في الْبَراري

أمْ أنتِ يا فريدَتي زُهَيْرَةُ الصّبّارِ ؟

هذي التي تَطْلعُ في عوالِمٍ كُلِّيَّةِ الْجَفافِ كالصَّحاري !

أمْ رَعْشَةُ العِشْقِ التي تَحْضُرُنا أوّلَ مَرَّةٍ وَلا تَعود

أمْ كُلُّ شيءٍ طَيِّبٍ في عالَمِ الْوُجود

أفتَقِدُ

وأنْشِدُ !

يا فاطِمة !

هلْ أنتِ وَجْهُ أمِّيَ الضَّحوكُ كالشَّقاء في حياتنا

أأنْتِ وَجْهُها الْمُشِعُّ حُزْنًا في سَماءِ بَحْرَةِ الْجَليل

أمْ دَمْعُها الذي استَحالَ بَحْرَةً تَفيضُ كُلَّ عام

هلْ أنْتِ وَجْهُ والِدي الْمُطِلُّ مِنْ عُيونِ صَقْرٍ طاعنٍ جليل

 

 

ــ 182 ــ

 

أوْرَثَني الشَّقاءَ مَوْروثًا وَعِشْقَ سِحْرِكِ الجَميل

يا فاطِمَة !

أأنْتِ طِفْلَةٌ لَقيتُ صُدْفَةً ذاتَ مَسا

وَحَرَّكَتْ جُنونِيَ الْقَديم

أأنْتِ طِفلَةٌ وَمِنْ لَحْمٍ ودَمْ

أمْ ظَبْيَةٌ تَشْرُدُ في بَرِّيَّتي

شَهِيَّةٌ كالْخُبْزِ ساخِنًا

تَتْرُكُني أعيشُ حُلْم

يا فاطِمة !

يا غِنْوَةً حُروفُها نَبْضُ دمي

هَلْ كُنْتِ مُنْذُ الْبِدْءِ

هَلْ كْنْتِ حقًّا أوَّلَ الأشْياءِ

وآخِرَ الأشياء

يا كُلَّ شَيءٍ في وجودي ، كُلُّ شَيْء !

 

 

 

ــ 183 ـ

 

نَشيدُ حبِّكِ يا فاطِمَة

 

ها أنا أصْعَدُ الجبَلَ وَحْدي

مُمْتَطِياً صَهْوَة ذُهْنٍ باتَ أشْبَهَ بجَناحَيْ

ريحٍ دائمَةِ القلقِ وَمُؤَلَّهَة الْعِشْقِ

عَلّي أطلُّ عَلى عوالِمَ

لَمْ يَطْرقْها عقلٌ عاشِقٌ وسارِحٌ مِنْ قَبْلُ ،

فأصْغي إلى هَمَساتِها التي تشُدُّني أكثرَ

مِنْ أيِّ نَغَمٍ سابحٍ في تِلْكَ العوالِم

وألَمْلِمُ  بَعْضَ وَشْوشاتِ هَمَساتِها

وَهْي تَتَحَدَّثُ عَنْ عشْقٍ مُؤَلَّهٍ ،

فأسْتَعيرُها لتكونَ نَغَما لِنَشيدِ

حُبِّكِ يا فاطِمة .

 

 

ــ 184 ــ

 

وفيما أنا أتأمَّل مُروجَ وجودِنا

الملَوَّنة كَأبْهى ما تكون لوحة الوُجود

بحثا عن إيقاعات نَغَمِ حياة

تَتَراقَصُ معَ نَبَضاتِ عَقلي

لأعزفها في ليلِ عِشْقي

وأنا أمَوْسِقُ نَشيدَ حُبِّكِ يافاطِمة ،

شَدَّ انْتِباهَ ذُهْني زقزقة عَصافيرَ غَرِدة

تنطَلِقُ مُغرِّدَة في جَوْقةِ غِناءٍ

هِيَ أصفى ما سَمِعَتْ أذني مِنْ سِمْفونِيّاتِ حياة

وكان أجملُ  ما فيها

أنَّ لكلِّ طَيْرٍ نَغَمُهُ الغَرِدُ .

 

لا أجْمَل مِنْ هذا الشعور الذي يسكنني

لحظة أجدُني في غيْبوبَةٍ واعٍيَة

 

ــ 185 ــ

 

وقد رُحْتُ في حُلُمٍ نَهارِيٍّ يَقِظٍ أصغي

في صمْتٍ فرِحٍ وانْدِهاشٍ ثَمِلٍ

إلى نبَضاتِ عقلي  وهي تبُثَّ موسيقاها .

 

لحْظَتها راحَ يَتَخَلَّلُ عَتمة أحاسيسي

الْمُتحَفِّزَة القلِقة شُعورٌ راجِفٌ

فأراني أتنقّل خفيفَ الْوَطْء

بَيْنَ عوالِمَ راقِصَةٍ استعارت موسيقاها

من سقسقةِ حصى الوِدْيانِ

الْمُنْدَفِعَة في وَلَهٍ إلى عِناقِ مَوْجِ الْبَحْرِ

وقد راحَ هذِا يَتأوَّهُ مَحْزوناً كَصَريعِ

عِشْقٍ مُنْطَرِحاً عِنْدَ قَدَمَيْ صَخْرِ خُلْجانِهِ ،

واستعارتها مِنْ بَحّاتِ ربابَةٍ

جليليةٍ برَّحَها جُنونُ عِشْق

 

 

ــ 186 ــ

 

مِنْ الْوَمْضِ الْمُشِعِّ ، بَرْداً وَسَلاماً ،

الْمُنْبَعِثِ مِن زُنّارِ فاطِمَة

مِن غُنْجِ أعْوادِ رُمّان تُداعِبُها

أصابِعُ نَسائمَ نيسانية العبق

مِنَ اهْتِزازاتِ أجنِحَةِ الْفراشِ

وَهْوَ يُغازِلُ رَحيقَ الزُّهورِ المُلَوَّنة

وَمِنْ عَصْفِ ريح خريفِيَّةِ الهُبوبِ

وَهْيَ تَدُقُّ أكْثَرَ مِنْ بابٍ لِينْفَتِحَ .

 

لَحْظتها كَبُرَ فيَّ شُعورٌ لا أجْمَلَ مِنْه

أحْسَسْتُ أن تلك الموسيقى

هِيَ بَعْضُ إيقاعاتِ حياة

وَهْيَ  بَعْضُ نبْضِ عقلي  وَمِنْ

إيقاعاتها سَيَكونُ نَشيدُ حُبِّكِ يا فاطِمة .

 

ــ 187 ــ

 

 

يا قاربي

 

يا قارِبي القديم المُقتطع مِنْ

جُذوعِ شجْرَةِ الحياة

يحار فيك عقلي وأنا أتأمَّلُ

إزميلَ صديقٍ نحّاتَ

وقد أبْدَعَ الشَّيءَ ونفيَهُ ،

فيترُكُني في حَيْرَةٍ مِنْ أمْري

وقد رَأيْتُ فيهِ ما لا يُرى :

 

مَهْدَ وِلادةٍ مُقمَّطًا بزُنّارِ نور

وَقدِ استحالَ في غفلةٍ من عقلي

لحدًا تملأه العتمة وأشباح ديدانٍ

نهمة توّاقة لِبعضٍ مني .

 

 

ــ 188 ـ

 

يا قارِبي لا أخفيك حلمي فكم تمنيْتُ

لوْ أن أصيرَ جَمْرَةَ نار تشعلني في لحظة فرح

فأغسل بوَهَجي كُلَّ ما علق

بعالمنا من أدْرانِ حَياة

وأجلو بدمي كلَّ ذاكِرَةِ

ألم فلا يعرف إنساننا بعْدَها

مِسْحَةَ حُزْن !

 

 

ــ 189 ــ

 

قصيدتان عن حفيدتي لينا وموهبتها الموسيقية منذ الطفولة

 

مَساء أمْسِ

لم يـَكُن عاديًّا

 

وفيما نَحْنُ غارقان ، زوجتي وأنا ،

نصغي إلى " نشيجِ المَزاريب " ،

جاءنا صوتُ طِفلةٍ مرْنان !

" أنْظروا الشاشة المُلونة

 

 

ــ 190ــ

 

هَيَّأتُ لكم مُفاجَأة " !

وحالًا خيَّمَ صمتٌ

وَرُحْنا ننظر بِدَهْشة .

صورَةُ حفيدتي لينا

كانت تطلُّ ،

كالحُلُمِ المُفرِحِ الموجع !

أمْسكـَتْ بكـَمـان وراحَتْ تعزِفُ !

ساعَتها غُيِّبْتُ في نشوَةٍ

يَشوبُها بَعْض وَجَعْ .

وقد وَجَدْتـُني رُغمَ وَجَعي

أهتِفُ صائِحًا ومُصفقًا

هذا جَميلْ !

ولاح عِندَها آتِيًا مِنَ البعيد

رفُّ عَصافيرَ مُلونة

راحَ يقفِزُ بَيْنَ يَدَيْ زوجتي !

 

 

ــ 191 ــ

 

ـ 192 ـ

 

حَفيدَتي

لينا حَفيدَتي الرائِعَةُ المُتفتِّحَةُ عَلى الحيَاةِ

مِثلَ جورِيَّةٍ مُشتعِلةِ البتلاتِ في حاكورَتي

هاتفتني ذاتَ يَوْمٍ ، قالتْ يا جَدّي:

سَأقرأ لَكَ قصيدَةً حَفِظتها عن ظهر قلب

عَنْ عَلَقةٍ وجدَتْ نفسَها فجأةً في بَطْنَ تُفَّاحة

فراحت تقضِمُ بشرَهٍ القِشرَةَ الصَّلبَة لتخرُجَ إلى النّور

وراحتْ تقضِمُ وتقضِمُ في جَلد .

 

وَحينَ رأتِ النورَ أحَسَّت بغتةً

أنَّ شيئا يَتَمَلْمَلُ في جسدِها الهَزيل ،

فما أنْ خرجت من بطنِ التفاحة

 

ــ 193 ــ

 

حتى استحالتْ فراشةً

مُلوَّنة الجَناحَيْنِ تحلّقُ وتحلِّقُ

مَبْهورَةً بِدَفْقِ نورٍ وانطِلاق ....

 

ــالقصيدة الأولى كتبتُها قبل سِنين ، يومها كانت حفيدتي لينا هاني مُغرَبي قبل السادِسَة من عمرها والمقيمة في برلين ، تعيش هناك مع أمِّها وأبيها ، يومها اتصلت هاتفِيَّا بزوجتي وبي ، فأسمعتنا عزفَها على الكمان وفرحنا بها كثيرا . والقصيدة الثانية حدَثَتْني لينا وهي في الصف الأول عن قصة تحكي عن خروج حَبَّةِ التفاح من عود الشجرة ، رحم أمها ، مُنْذُها  رُحتُ أراقِبُ خاصة تطوُّرَ مَوهِبَتِها الموسيقية ، فأفرَحَتني كثيرا وازددتُ فرحَا حين لاحظتُ بدء موهبة مشتركة للعزف الموسيقي هي وأختها أمينة الأصغر قليلًا . واليوم مع تقدُّمِ الزمن قليلًا باتت الشقيقتان ، لينا وأمينة عازفتي كمان وبيانو ، ويبذلان كل ما يلزم لتطوير موهبة العزف الواعدة بتشجيع من الأم والأب .

 

 

ــ 194 ـ

 

قصيدتان أشبه بحوارٌ شِعْرِيٌّ وقصصي مع ذاتي القلقة والموجَعَة

ـ 1 ـ

يا وَطَنَ إنسانيتي !

هذه القصيدة جزءً من قصيدتي الطويلة التي آمل أن أبوحَ بقصائد أخرى  ، إذا طال عمري قليلا ، والتي سأجد فيها بعض خلاصة تجربتي في كتابة الشعر وستكون جزءًا من مسار حياتي ، عقلا وتفكيرا ، وهو المسار الأساس ، وهذه القصيدة بوح أمل .

وقصيدة فينيق الجديدة الثانية كتبْتُها في أواخر شباط 2018  وهي أشبه بحوار آخر مع ذاتي القلقة التي ازداد قلقها ووجعها مِمّا نحن فيه وازدَدْتُ اقْتِناعًا : لن يتغير هذا الوضع ما لم ننتفض على احتراقنا الذّاتي ونبدأ محاولة الإفلات من رمادنا وبدء الانطلاق ، فكرا وعملاً ، بحثًا عن عيش كريم ودائم التجدد  ، بعد هاتين القصيدتين سأحرص ألاّ أعود إلى كتابة الشعر ، إلّا فيما ندر وصعُبَ ، كيلا أكرِّرَ نفسي في هذا الجيل الشائخ ، كما كتبتُ ذات مرَّة ، حين بدأت أول عامي الخامس والسبعين قبل عامين ، وسأكون سعيد حياة ، إذا ما نجحتُ في كتابة الجزأين الثاني والثالث من عملي النثري الجديد " شيخ مطيع ... " وطال عمري قليلاً ) .

 

ــ 195  ــ

 

يا وطن إنسانيَّتي ما أبدَعكَ وأروعَكَ !

حين تُعَلِّمُني ، فتسعدَني وأظَلَّ طِفْلًا شائخًا

يداوِمُ الجُلوسَ مُفتَرِشًا حَصيرَتَكَ الْمُتْرَبَة

أصغي بعَقلٍ واعٍ لهَمسات كَلِماتِ مُعلًّمي الغردة ،

أستاذِ مَدرَسَتي الأوَّلِ والدَّائمِ ،

مَدرَسَةِ التَّجْرِبَةِ الحياتِية ،

 

فَيَشْتعِلُ عقلي وتتسِعُ مَعرِفتي وأفرَحُ بما عَلَّمَتْني

مَدْرَسَتُكَ يا وَطَنَ إنسانيَّتي

وقَدْ عَلَّمَتني بالقلم وأرشدتني بالكتاب

أنّ القلمَ أوسع وأصْدَق تعليما ومعرفة

من سيف صديقي " أبو تَمام " وصحبه ،

وأن لا حياة جديرة بالحياة

ما بقي سيفٌ مُهَيْمِنًا !

 

ــ 196 ــ

 

فرُحْتُ أنْشِدُ مُنْدَهِشًا بما تعَلَّمَ أخٌ ذات زمن قريب

أنَّ العشقَ هُوَ الحياة

والحياة لن تكون ولن تَتَجَدَّد ما لم تكُنْ

في مسارِها الَّذي لا يعرف بداية أو نهاية ،

ما لم تَكُنْ حياةَ كرامَةٍ وحرية

ولم تعِ ما صرَخَ صاحبُ إنسانِيَّتي ذاتَ زمن

" ليسَ بالخُبزِ وَحْدَهُ يحيا الإنسان "

والعِشقُ لن يكون ولن تكون حياة

ما لم يبدَأ الإنسانُ يَعشَقُ ذاتَهُ الأخرى

ويعْشَقُ إنسانه الآخَرَ ، فيعشقَ ذاته

ويبدأ تواصله الإنْسانيِّ راقِصًا ومُغرِّدًا

كالطيور المُهاجِرة عاشَقَةِ التحليق ودائمة الغناء .

 

وكم وددتُ لحظتها لو أظَلُ أنْشِدُ صارِخًا :

 

ــ 197 ــ

 

يَجْملُ بكِ يا إنسانِيَّتي المُلَوَّنة كَزُهورِ عالمنا

أن تتعَلَّمي من طيور غاباتنا

دائمة الهجرة والغناء الغَرِد

فلا تعْرِفُ حياتُك وَجَعَ ، قَسْوَةَ ،عُنْفَ وغَباءَ

حُدودِكِ الحديدية كثيرة الرَّمادِ الذّاتي ،

رمادِ من استحالوا عبيدُك المَقهورون ـ

أكثر ناسِ عالَمِنا ـ

ورمادِ من حسبوا أنفسهم " الأحرار " الغزاة .

 

ــ 198 ــ

 

فينيق يا ابن أمّي

 

" فينيق ... هذه القصيدة ( الثانية ) كتبتها وكنتُ بدأتُ استيحاءها من مقالة رائعة للكاتب الشاعر والمفكّر اللبناني ميخائيل نعيمة ، يتحدَّثُ فيها عن الأسطورة مؤكِّدًا أنها

" حِكْمَةُ حياة " .

 

فينيق يا ابن أمّي !

يا مُلْهِمي ويا وليد حكمة حياة

كم ازدَدْتُ انبهارًا فَرِحًا وحالِمًا

كُلَّما أصغيتُ لِما حكاه رواةُ عَمَلِكِ وَعَقلك

و قرأتُ ما كتب كَتَبَتُك الأقدَمون ،

فَشُبِّهَ لي أنهم كتبوا سطور حكمة حياة

وحُلُمِ إنسانيتي بادئة التفَكير

وبادئة البحث عن تواصل أناسِها المُلَوَّنين ـ المُلَوَّنات

 

ــ 199 ــ

 

للعيش مَعًا في عُشٍّ أرضيٍّ ،

هو اجمل ما نَوَد ونهنأ بعيشه الآمِن ،

 

وقد رأيتك اكثرَ مِن مَرَّةٍ في عُمُري القصير

الأشبه بلحظة انفلاتٍ من عتمة رحم

رايتك سابحًا في نور بحرِيَ الكنعاني

مُنْفَلِتًا من بين كَفَّي أبيك الإله أطلس

الساكن فوقَ قممٍ تحرِصُ على الجمع

بينَ الشمال والجنوب ، وبين الشرقِ والغرب ،

 

رأيتك آتِيًا لِتَسْتَحِمَّ بِذَوْبِ ماء الشاطئ الشرقي

قبل رَحيلك الواعد الى محراب صلاةٍ في وادي النيل

لتبدا حالة الاشتعال

وتنتفض على كُلِّ ما حولك وبينك من رماد احتراقٍ ذاتي

 

ــ 200 ــ

 

وما تراكم من رماد حَرْقٍ اجَّجَهُ غزاة قاهرون ،

فتبدأ بعدها التَّجَدُّدَ الحياتي وتبدا التَّحليق من جديد

بحثا عن أفُقٍ منفتح على أكثر من أفق

وعمّا يَجْمُلُ بإنساننا أن يصير !

 

يا طائري ، فريدَ الحُلُمِ ، العَمَلِ والعقل

كم تمَنَّيْتُ أن أصيرك ذات زمن قادم ذات لحظة

فأبدأ الانتفاض على ما حولي من رماد احتراقٍ ذاتي

وأدرانِ ذاتي

وعلى كُلِّ رمادٍ أبقاه غزاة

" عولَموا " جشعَ عالمنا ، عُنْفَهُم ومُنْحَدَراتِ مَصير !

 

 

ــ 201 ــ

 

ولدي الأصغر بلال مُغرَبي المقيم في برلين

أفْهَمُكَ جَيِّدًا

 

أفْهَمُكَ جَيِّدًا يا ولَدي

الأشبَهَ بِزَهْرِ قَنْدولٍ  طالِعٍ في حاكورَةِ وَعْرَتي

أفهمك جيدا حينَ تُغَرِّدُ:

يجمُلُ بالإنسانِ أنْ يَنْتَصِرَ على الجُرْحِ فيه وَما فيه مِنْ ألَمٍ

 

 

 

ــ 202 ــ

 

لِيُحْسِنَ الْبَحْثَ عنْ هِلالِ قَمَرٍ،

فَيُفْلِتُه من عَتمَةِ مَحاقٍ قاتِلٍ

لِيَعودَ نورًا!

 

 

ــ 203 ــ

 

وَجْهُ حَبيبي

 

على جَفْنِ الْبَنَفْسَجِ وَطَيِّ رُمْشِهِ

رَأيْتُ وَجْهَ حَبيبي الآسِرَ بِطَلَّتِهِ السّاحِرَة .

لَحْظَةَ هَلَّ ، كانتْ قَطَراتُ نَدىً

تَتَلألأ راقِصَةً على جَفْنِ البَنَفْسَج .

أيُها الأنبِياءُ العاشِقون ، أصدِقاءُ الشَّمْسِ ،

لا أكتُمُكُمْ سِرًّا ، فَطَلَّةُ حبيبي جَليلِيَّة .

في فَمي وَجْهُ حَبيبي أعْذَبُ نشيدِ ناي

أغَنّيهِ نَشيدَ عِشقي في العَشِيّاتِ والبُكور .

سريرُهُ مِنْ خَشَبِ سِنْدِيانٍ

كانَ صَلْبًا كَصَخْرِ قِمَمِ الجليل .

زَيَّنَ حوافيهِ بِقُشورٍ وَرْدِيَّة

اسْتَعارَها مِنْ شَجْرَتَيْ مَيْسٍ وَتُفّاح  ..

 

ــ 204ــ

 

 

حوارٌ موجِعٌ مع ذاتي

 

شُبِّهَ لي ذاتَ مساءٍ خريفيِّ شَديد الهاجرة

أنَّ هاجِسًا باتَ يسكُنُني ، يَحُثُّني :

قم انتَفِضْ على ما أنتَ فيهِ !

وَكانَ هذا الهاجِسُ مُدْرِكًا لِما نَحْنُ وأنا فيه ،

فَقَدْ خَبِر وَعْكَةً موجِعَةً ،

نَفْسِيَّة البُعْدِ ،

وَعْكة خَيْبَةِ أمل مِنْ أهْلِ وَ صَحْبٍ

لَم يكونوا أهْلا ولا صحْبًا ،

ألَمَّتْ بي سنين طويلة ،

ولم تَتْرُكْني لحالي إلاّ بعْدَ

أنْ ألمَّتْ بي وَعْكَةٌ أخرى ،

عرفْتُ فيها خيانةَ جَسَد ،

 

ــ 205 ــ

 

فَفَقَدْتُ أجْمَلَ ما في الإنسان –

الإنسانة من سمات حياة :

قُدُراتِ حركة ،

طولِ بصر وروعة انتِصابِ قامَة

في لَحَظات حِوارٍ

أو مُقارَعَةِ فِكْرِيَّةٍ مَعَ آخرين .

وفيما أنا أعيش في سريري

فلا أتركه ولو للحظة

همس الهاجِسُ في أذنَيَّ صارخًا ،

قم انتفض

على ما صِرْتَ فيهٍ شَخْصًا وَإنسانًا

لتَسْتَعيد بَعْضَ ما فَقَدْتَ ذات زَمَن ،

عِشْتَ فيه هَوَس قَلَقٍ

أشْبَهَ بِقَلَقِ صاحِبَيْك الأحْمَدَيْن ،

 

ـ 206 ــ

 

أحْمد*  صاحبك القديم

مَنْ فَقَدَ تُرابَ ناسه وفَقَدَ سِمَةَ التَّخاطُبِ

فباتَ " على قَلقٍ كأنَّ الرّيحَ تَحْتي "

وَاَحمد** صاحِبك الآخرَ

دائمِ العَطَشِ مَنْ سَرَقوا منه ومِنْكَ

حَفْنات تُرابِ الطُّفولة

وَحَبّاتِ غَيْمَةٍ كَرْمِلِيَّة المذاق وجَليليَّة الندى

وقَدْ عاشَ هَوَسَ الرَّحيلِ الدّائم

دائِمَ العَطَشِ والألمِ الْمُتأمِّلِ

حَتّى حالَ نَفْسَهُ الفتى " تَنْتالوس " *** الهِلاّسي

وحين التزم الهاجس الصمتَ الموجعَ ،

فَجَّرَ عَتَمةِ ذاكِرَتي ،

وذكَّرني بما قالَهُ صَديقٌ**** هِلاّسِيٌّ آخرُ في

حَضْرَةِ الزَّمَنِ وناسِهِ :

 

ــ 207 ــ

 

" أنْ تَقولَ الحَقيقَةَ شيْءٌ موجِعٌ

لكِنْ أن تلتَزِمَ الصَّمْتَ أكْثَر إيلامًا " .

 

*الشاعر أحمد أبو الطَّيِّب االمتنبي

**أحمد بهجت الشاعر الغلسطيني الذي توفِّيَ قبل سنين في برلين

*** تنتالوس أسطورة يونانية

****بروميثيوس أسطورة يونانية أخرى ...

 

 

ــ 208 ــ

 

ـ                 لا حُدودَ لِحُلُمِنا

مُهْداة إلى فايزة الشاويش

ـ أتَيْتُ دِمَشْقَ بي شوقُ المقيمِ عَلى هَوى بَرَدى ومِلأ عُيونِهِ الْوَجْدُ

أتَيْتُ لِأحْتَسي ذوبَ النَّدى مِنْ نَبْعَةِ " الفيجي" فَيُزْهِرُ في دمي النارنجُ

فَوّاحًا ويأسُرُني على شُرُفاتها الوَرْدُ .

 

ـ أتَيْتُ لأسْتَريحَ على وسائِدِها قليلًا

كَيْ أعاوِدَ رِحْلَتي بَحْثًا عنِ الحُلُمِ الذي كُنّاهُ يا سعدُ

 

ـ اتَيْتُ دِمَشْقُ أسْألُ عَنْكَ

ابْحَثُ في حَواريها الْقَديمَةِ عَنْ مكانٍ نَسْتَظِلُّ بِهِ

لنُكْمِلَ ما ابتَدَأنا مِنْ شُجونٍ بَحْثًا عَنْ

" أمورٍ كانَ يُمْكِنُ أنْ تُقالَ ولَمْ تُقَلْ بَعْدُ

 

ــ 209 ـ

 

ـ أتيْتُ دِمَشْقَ أبْحَثُ عَنْ مَسْرَحِكَ المُجَنَّحِ

فلا حُدودَ لِحُلُمِنا يا صاحِبي

فَتَعالَ لا تُطِلِ الغِيابَ

تَعالَ نُكْمِلُ حلمَنا

بَرَدى على وَعْدٍ ولا يَجِفُّ مَنْ في حلمِهِ الوَعْدُ .

 

* آب 2001 مِنْ وَحْيِ زِيارة لِأهلِ أمّي في دمشق وقد زرتً يومها بيْتَ زوجة الكاتب  المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس ، فايزة الشاويش ، لِأنقلَ تَعازِيَّ الحارة .

 

 

ــ 210 ــ

 

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

 

وفيما أنا في يَقظتي أحاوِلُ النوْمْ

أجْهِدُ نفسي كي أغلق عَيْنَيَّ المُتعَبتين

فلا ترَيان ما أرى ،

أفقتُ مَذعورا وكُنْتُ غِبْتُ في حُلمْ .

 

رَأيْتُني واقِفًا وسَطَ غابة

أندَهُ مُعَلِّمِيَّ وصاحبَيَّ :

يا صاحِبَي دَرْبي وَرُؤيايْ

ما رَحلتُما إلاّ لتعودَا وَنَعود

فنبدأ ما ابتدأنا بحثًا عَنْ حُلْمْ .

 

 

ــ 211 ــ

 

يا صاحِبيَّ نَدَهْتُ صائِحًا :

آلمَني غِيابُكما في لحظةٍ

رُحتُ فيها أذكرُ نشيداً

طالما أنشدَهُ الأقدمون

ساعَة ضاقتْ بهم عتمة

" في الليلة الظلماء يُفتَقدُ البدر .. "

 

وَلَشدَّ ما آلمَني ما رأيتْ وَسَط الغابة

رأيتُ صَقرا مِنْ أوْلاد أمّي

وَقد قصْقصوا جَناحَيْهِ كيلا يَطير

وألْقوْهُ في قفصٍ مُحْكَمَ الوِثاق

كيْلا يَعيشَ فرَحَ انطلاق !

 

 

ــ 211 ــ

 

وَقد هَزّني حينَ أفقتْ

كبُرَ فِيَّ الحِسُّ الخائِف

أننا بتنا نغالِبُ زَمَنًا كثيرُ ناسِهِ

لا يدرون أنَّ ما يُعَدُّ لنا قفصٌ مُخيف .

 

لكنَّ ما هَدَّأ رَوْعي بعد خوْف ، فأفرَحَني

أنّي لحظة أفقتْ وجَدْتُني

أمْسَحُ عَنْ عيْنَيَّ غبَشَ الدُّمع

أنزَعُ عني بَعْضَ ما اعتدتُ لبسه

ورحتُ أنظر للبعيد مُمْسِكًا بالحُلم

وقدِ اكتسى في عينيَّ حياة .

 

ووَجَدْتُني أندهُ صائحا :

يا صاحبَي دربي ورؤيايَ

ناما قريرَيِّ العَيْنِ والحُلم

 

ــ 212 ــ

 

سَتعودان يومَ نعود

ومن سارَ على الدرب القويم

حَتمًا يَصِل .

 

ـ هذه القصيدة كتَبْتُها ذات يوم في ربيع 2009 إكراما لذِكْرى شهيديِّ الوَطن ، العَقل والحُلم ، الحَكيم القائد جورج حبش والكاتِب الرائِع غسان كنفاني ، الذي يصادف يوم ثماني ( 8 ) تموز  يَومَ استشهاده في بيروت عام 1972 وقد اغتالتْهُ المخابرات الإسرائيلية .

 

ــ 213  ــ

 

قصيدة أخيرة للنشر في الجزء الأول من كتابي خلاصة تجربة

 

يا أخًا وبْنَ أمّي

 

هَلْ باتَ يَلْزَمُ كُلُّ هذا الدَّمُ المَسْفوكُ بغزارةٍ

على جانِبَيِّ الرَصيفِ كَيْ نرى أشياء واهِمَة ؟

هَلْ كانَ يَلزَمُ كُلُّ هذا الدَّمِ المَسْفوكِ بِغَزارَةٍ

كيْ نُدْرِكَ في آخِرِ الرَّصيفِ أنَّ كُلَّ لونٍ

لا يختلِفُ في شَيءٍ عَنْ غيرِهِ مِنَ الألوان

وأنَّهُ لَيْسَ وحْدَهُ الخَيار بي، أشياء كَثيرَةٍ مُحْتَمَلَة .

 

هَلْ كانَ يَلْزَمُ كُلُّ هذا الدَّمِ المَسْفوكِ بِغَزارَةٍ

كَيْ نَسْتوعِبَ الدَّرْسَ الأوَّلَ والبسيط

أنَّ الوَحْشَ فينا يَكْبُرُ حينَ يتراقَصُ الدَّمُ

 

 

مُنْتَشِيًا على الرَّصيف كَيْ نُدْرِكَ بَساطَةٍ

أنَّ القَتْلَ يُغَذّي القَتْلَ في جُنون .

 

هَلْ كانَ يَلْزَمُ كُلُّ هذا الدَّمِ المَسْفوكِ بِغَزارَةٍ

كَيْ نُدْرِكَ أنَّ مُتْعَةَ الحياةِ الحَقيقِيَّة

هِيَ في العيش مَعًا في حَقْلِ من برقوقِ

يُذَكِّرُ بلَوْنِ الشَّفَقِ الوردي كثيرِ التَّلَوُّنِ في عالمنا .

 

يا أخًا في يومٍ سيَأتي عِمْتَ مَساءً

بي رَغْبَةٌ أن أرْقُصَ هذِهِ الليلَةَ

حَتّى الانتِشاء حَولَ موقِدِ نارٍ

مِثْلَ أوراسِيٍّ عاشِقٍ تَتَدافَعُ الموسيقى في

عُروقِهِ المُمَزَّقة بإيقاعاتِ طَبْلَةٍ أمازيغِيَّة ،

 

 

ــ 214 ــ

 

بي رَغْبَةٌ للرَّقْصِ في حَلْقَةٍ للصَّحْبِ يَبْحَثون

عَنْ بَصَّةِ نارٍ وبَصيصِ أمَل العَيْش

في عالَمٍ بلا جِياعٍ ولا مِحَن .

 

بي رَغْبَةٌ للرَّقْصِ حَوْلَ بَصًّةِ نارِ مَعْرِفة

هذي التي دَلَّنا إيقادِها أخونا بروميثيوس

الذي أدرَكَ في عَقْلِهِ المُتَيَقِّظِ مِثْلَ ذئبِ طَرَفة بْنِ الحُر

أنَّ بَعْضَ شرائِحِ أرضِنا الآيِلة للسُّقوط

تُريدُ مُنْذُ القِدَمِ قَتْلَ ناسَ عالَمِنا

للفَوْزِ بحواكيرهم وما فيها من خَيْراتِ حياة .

 

 

 

 

ـ الصورة والقصيدة للغلاف الخارجي الأخير

 

يا طائر

 

 

ابراهيم مالك*

 

) من وحي صورة التقطتها العين الراصدة لولدي, هاني مغربي المقيم في المانيا )

 

يا طائِرَ وَلدي المُلوَّنَ الجَميلَ

كم تدْهِشُني وقفتكَ الناطِقة الموحِية.

أتأمَّلُكَ طَويلاً فأراكَ واقِفًا كَعادَةِ الطُّيورِ الْمُحَلِّقة

تُطِلُّ على مدًى مُشْرَعٍ على أكثرَ مِنْ مَدى

على عوالم مُلَوَّنَةٍ وواعِدَة تَحْفَلُ بِخُبْزِ كَرامَةٍ

مَجْبولٍ بعرَقِ جَبينٍ وَتَحَفُّزِ ذِهْن

وَمراحِ فُسْحاتِ أمَلٍ مُشْرَعَةٍ

عَلى ما يجْدُرُ بالْحَياةِ أنْ تصير.

وَكَمْ أوَدُّ، لَحْظَتَها

لو أصيرُكَ فَتُكْسِبُني أجمَلَ سِمَاتك:

التأهُّبُ الدائِمُ لِلتَّحْليقِ الْمُثْري

بُعْدُ نَظَرِكَ وَصَلابَةُ إرادَتِك

تُكْسبُني إيّاها

لِتَصيرَ بَعْضَ سِماتي الْحياتِيَّة

 

 

 

 

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;