خلاصة تجربة وما عَلَّمتْ.

الغلاف الخارجي الأول

الغلاف الخارجي الأخير

 

 

 

 

عزيزي القارئ ،

 

لا أكْتُمُكَ سِرًا ما بنفسي ، فكم رَغِبْتُ طويلا ومنذُ بَدَأتْ طفولتي  تَشيخُ ، حَقًّا ، أن أحْكي لك ولِقارئينَ آخَرين ، فَأذكُرُ أنَّ ما سأحكي لكَ ولقرّائكَ ، صائحًا أو هامِسًا ، هو أسطورة صينيّة قديمة، قرأتها قبل سنين في مَسرَحِيَّة قصيرةٍ ورائعة حَقًّا للشاعر والكاتب المسرحي الألماني ، برتولد بريخت ، تأمَّلْتُ الأسطورة والمسرحية بتَمَعُّنِ قارئٍ ، اعتاد طَرْحَ التَّساؤلاتِ على نفسه ، فازددَتُ قناعةً ، إدراكًا ومَعْرِفَةً أنَّ تلكَ الأسطورة هي حِكْمَة حياة مِثْلَ كَثيرِ روايات وكتابات حضاراتنا الإنسانية القديمة وبينَها الحضارة العربية القديمة ، وازدَدْتُ قناعة ومَعْرِفَةً أنَّ هذه الحضارات نَشأتْ مع بدء العقل الإنساني في التَّحَرُّكِ البسيط الواهم والمتخيِّل ، بَدئِهِ عملاً ، فِكْرًا ولملمة تجربًة إنسانية ، فنشَأت الخُرافة والأسطورة وانطلقتا فباتتا حِكايَةً شعبية وقِصَّةً قَصيرة مع نَشأةِ اللغات وبَدء الكتابات وظهور الحروف ، خاصَّةٍ الحروف الفينيقية .

 

ـ  3  ـ

 

مجموعة قصص قصيرة

مختارة

أعيدُ  طباعة قسمها الأول

هذا الشهر في ملف إصدارات

ونشر القسم الثاني في الشهر القادم

 

 

 

ـــــــــــــ

هذه واحِدَةٌ من كتاباتي القصصية الأخيرة، شِبْهَ الشِّعْرِيَّة، بَدَأتُ كتابتها مع بَدء النصفِ الأول من شهر تَشْرين الثاني ـ نوفمبر  2019 ،لأوضح باختصار فهمي لكتابة القِصَّة القصيرة كَحَدَثٍ وفكْرَةٍ ،هيَ وليدة بيئةٍ مُحَدَّدَةٍ زمانًا ومَكانًا ، فَنُوَثِّق ، حَكيَا أو كِتابَةً لِنَسْتَفيدَ من ذاك الحَدَث ومِما وكيف كان وحدث، فنتعَلَّمُ مِنْ تجربةِ ما كان ونحسِنُ الاستفادة من تجارب الحياة !

 

 

عزيزي القارئ ،

 

لا أكْتُمُكَ سِرًا ما بنفسي ، فكم رَغِبْتُ طويلا ومنذُ بَدَأتْ طفولتي  تَشيخُ ، حَقًّا ، أن أحْكي لك ولِقارئينَ آخَرين ، فَأذكُرُ أنَّ ما سأحكي لكَ ولقرّائكَ ، صائحًا أو هامِسًا ، هو أسطورة صينيّة قديمة، قرأتها قبل سنين في مَسرَحِيَّة قصيرةٍ ورائعة حَقًّا للشاعر والكاتب المسرحي الألماني ، برتولد بريخت ، تأمَّلْتُ الأسطورة والمسرحية بتَمَعُّنِ قارئٍ ، اعتاد طَرْحَ التَّساؤلاتِ على نفسه ، فازددَتُ قناعةً ، إدراكًا ومَعْرِفَةً أنَّ تلكَ الأسطورة هي حِكْمَة حياة مِثْلَ كَثيرِ روايات وكتابات حضاراتنا الإنسانية القديمة وبينَها الحضارة العربية القديمة ، وازدَدْتُ قناعة ومَعْرِفَةً أنَّ هذه الحضارات نَشأتْ مع بدء العقل الإنساني في التَّحَرُّكِ البسيط الواهم والمتخيِّل ، بَدئِهِ عملاً ، فِكْرًا ولملمة تجربًة إنسانية ، فنشَأت الخُرافة والأسطورة وانطلقتا فباتتا حِكايَةً شعبية وقِصَّةً قَصيرة مع نَشأةِ اللغات وبَدء الكتابات وظهور الحروف ، خاصَّةٍ الحروف الفينيقية .

 

 

1 ـــ

 

" إنْ خِلْيَتْ بِلْيَت "

 

تَقولُ الأسطورة  الصّينِيَّة :

كان يسكن في أعالي السماء آلهة ثلاثة، كانوا إخوة.

قال الإله الأكبر، وكان كبيرَ إخوته :

"عمّ الأرضَ الفَسادُ وطمّ " .

الإنسان ـ بعضه ـ أسود رأس ، أبيَضُه أو أصفره ، وفي كُلِّ بيئةٍ ناكِرٌ للجميل، أعطيناه الطبيعة الرائعة، وهبناه الحياة ، فعمل على إفسادهما. فاستحق ما كان من طوفانٍ وحُروبٍ وما سيأتي من كوارث ومجاعات وحروبٍ وأوبئة  " .

قال الأوسط :

" بلغ السَّيلُ الزُّبى ! ".

قال الإله الأصغر، متحدّيا أخويه، وبتفاؤلٍ عُرِفَ عنه :

"إنْ خِلْيَتْ بِلْيَتْ ،ما زال ثمّة بذرة خير على الأرض".

احتدّ النقاش فيما بينهم ،خلصوا إلى رهان  وقرروا النزول إلى الأرض ، ليروا بأنفسهم الحقيقة وليحكموا.

نزلوا في قرية، يحكمها ملوك رجال. أتوها بملابس متخفية، وعاشوا بين

ظهراني الناس . عجبوا مما رأت عيونهم وسمعت آذانهم .

كانت امرأة مُسِنَّة وحيدة تعيش في القرية ، تتعرض بصبرٍ وَعَقلٍ لفعال الرجال السَّيِئَة وتقابلها بابتسامة .

حاروا فيما بينهم :

من أين لهذه المرأة المسنة كل هذه المقدرة على الاحتفاظ بالطيبة العاقِلَة في قرية يسيء فيها الجميع إليها .

 

مكثوا في القرية شهرا، قال في نهايته الإله الأكبر:

" أعْتَرِفُ، خَسِرْتُ الرِّهان ".

وقال الأوسط، وقد رأى نفسه جالسًا أمامَ قدمَيِّ المَرْأة :

" وأنا خسِرتُ الرِّهان " .

هتف الإله الأصغر فَرِحًا:

"ما زال على الأرض ثمّة بذرة خير ،  فَإنْ خِلْيَتْ بِلْيَتْ " .

 

2 ـ

 

حِكْمَةُ حَياةٍ رائعة

 

لَحْظَةَ ، تأمَّلْتُ الأسطورَة والمَسْرَحِيَّة وما فيهما مِنْ حِكَمِ حَياة ، باتتْ بَعْضَ حِكَمِ حَياتي مع تَقَدُّمِ عُمُري ،تَذكَّرْتُ حِكَمَ 3 أساطير وحِكايَةٍ شعبية .

ترتبطُ الأولى بالحَكيمِ الأسطوري العربي الصَّحْراوي القديم سليمان الحكيم ، أخُ لقمان الحَكيم وابنُ أمِّهِ الحياة وتتحَدَّثُعن حُب الأمِّ الحقيقِيَة لِمَوْلودها !

تَرْوي الأسطورة أن امرأتين اختلفتا ذاتَ يَوْمٍ عَمَّن تَكونُ الأمُ الحقيقِيَّة ؟ فَذَهَبَتا إلى سُلَيمان الحكيم لسماعِ رَايِه .

ادَّعَتْ واحِدَة أنَّها الأم ! وأكَّدَتِ الأخرى أنَّها الأمَّ الحَقيقِيَّة .

عِنْدَها ، تَأمَّلَ الحكيمُ عَيْنَيِّ الواحِدَة والأخرى ، وقالَ مَحزونًا :

 

والله ، وحَقِّ ربي ، لا أعرفُ مَنِ تكونُ الأمُّ الحَقيقِيَّة ، فاعْذُراني ، لكن سأقسِّمُ الولَدَ

بِسِكّيني وأعطي لِكُلِّ واحدَةٍ نِصْفَهُ !

فانْفَجَرَتِ الأمُّ الحقيقية صارِخَةً :

لا ، لتأخُذُهُ هِيَ ، لَنْ أقبلَ موتَهُ ، فما يعنيني هُوَ أنْ يَظَلَّ ابنَ الحياة ، وانفجَرَتْ بالبًكاء .

أما الأخرى ، فبقِيَتْ صامِتَة .

 

عِنْدَها نهض الحكيمُ من قَعْدَتِهِ ، أغلَقَ عينيه وصاحَ :

ما أكرَمَكَ يا رَبّي ، عَلَّمْتَني ما لَمْ أعْلَمْ .

فتح عينيه وقالَ للأمِّ الحَقيقِيَّة الباكية والرافضة قتلَ ابنِها :

 

بَعْدَ قليلِ تساؤلٍ مع نفسي وقليلِ تفكيرٍ ازدَدْتُ قناعَةً ومَعْرِفَةً أنَّكِ الأمُّ ، فانْهَضي وخُذيه ، ليَكْبُرَ ويَنْعَمَ بالحياة مَعَكِ ..

 

3 ــ

 

أسطورة سومرية

 

وتَرْوي أسطورَةٌ سومَرِيَّةٌ قرأتُها ذاتَ يومٍ وقد وثَّقَها مُؤرِخٌ بريطانِيٌّ قبل أكثر من

مِئتَيْ سنة وترجمها للعربِيَّة كاتِبٌ عراقِيٌّ اسمه قاسم الشوّاف وكتَبَ مُقَدَّمَتَه الكاتب

السوري اللُبْناني أدونيس ، تروي أنَّ الآلِهَة السومَرِية علِمَت بما اقترَفَهُ أحَد إخْوَتِها ، إلهٌ آخر .

 

 

تَرْوي أنَّ ذاكَ الإله رأى فتاةً شابًّةً تَسبَحُ عاريَةً في النَّهْرِ ، فَهَبَطَ من عَلْيائه واغتصبها .

بَعْدَها قَرَّرَتِ الآلهة استِدعاءَه وسؤاله عَمَنْ أعطاه حَقَّ اغتصابِ الشّابة وانتِزاعِ حُرِّيَّتِها الحَياتِيَّة ؟

يَوْمَها بَدَأ يزدادُ تساؤلي وهَمْسي الصارخ : ما أروعَكِ يا حِكَمَ تلك الأساطير ، وكم

يَجْمُلُ بِنا اليومَ خُصوصًا أن نَتَعَلَّمَ مِنْكِ ، فلا يبقى بيننا

اغتِصابُ جَسَدٍ ولا اغتِصابُ أرضٍ ولا اغتصابُ كَراماتٍ أو اغتِصابُ حُرِّياتِ حياة .

4 ـ

 

حكمة حياة سمعتها

أكثر من مرَّة في طفولتي

 

كان الشيخ منهمكا في جمع حجارة الوادي ليشيِّد سِنسِلَة حاكورته ، ليقيها وجع

انفلات ترابها من بين الأصابع ، كلَّما سقط مطر أو هبت ريح صرصر ، أو ليدفع شَرَهَ أبناء آوى عما اختزن من شحيح زاد ، كان الشيخ جالسًا في عريشته مشرعة الأبواب على الجهات الأربع ، حين أطل شاب من وراء منعرج وادٍ.

سأل الشابُ الشيخَ دون أن يلقي التحية المعتادة ، قال وهو يلهث من تعب الركض جريا بغية الوصول إلى مرماه :

يا جدي :

هل ما زال مكان المرمى بعيدا ؟

 

وذكر اسم المكان الذي يقصده !

رفع الشيخ رأسه متأمِّلًا وجه الفتى ومفكـِّرا في سؤاله ،

قال :

يا ولدي ، التزم الحذر، سر على مهل ولا تتوانى ،

لكن إن أسْرَعْتَ الخطى لن تصل !

دُهِشَ الشابُ مِمّا سمع ، ضحك في سره وقفز مستعجلًا

متابعا المسير . ودون أن يودع الشيخ أو يشكره سارع خطاه ،

محاولا القفز على الحجارة المنتشرة في الطريق ، عله يصل

إلى ما يريد قبل غياب الشمس !

أدار رأسه وراءً وعلى عجل ، ليرى ما إذا كان الشيخ ما زال

في مكانه ، يجمع حجارة الوادي ، لم يره ، اختفى الشيخ كما

لم يكن ، وحين تحرك الشاب مسرعا في محاولة لتقصير الطريق ،

تعثـَّر الشاب ، مسرع الخطو ، بأول حجر اعترض طريقه ،

سقط وانكسرت قدمه ، فلم يعد قادرًا على متابعة المسير ،

راح ينادي بأعلى صوته دون أن يسمع حتى صدى لصوته ،

فزحف إلى صخرة قريبة بمحاذاة الطريق ، رأى طائرا ، ظنه

راح يرقص متجليا في الفضاء وقد راح يذرَعُهُ على مهل !

 

5 ـ

 

التواصل الإنساني

حِكَمٌ وضَروراتُ حَياة

 

اندَهَشْتُ حَقًّا ، حينَ قَرأتَ أسطورَةً إيطالِيَّة ، يونانِيَّة الأصول تَتَحَدثّ عن كبيرِ

آلِهة كان يركبُ ثورَهُ المُقَدَّسَ ويطوفُ في فَضاءِ البَحْرِ الكَنْعاني ، فرأى شابة لبنانِية ـ سوريّة ابنة واحِدٍ من الآلِهَةِ الكَنعانِيَّة ـ الفينيقِيَّة .

لَحظتها هبَطَ سِرًّا وسريعا ونزلَ من ثورهِ ، رَأتهُ الشابة ، فاعْتَلَتْ ظَهْرَ الثَّوْرِ مُنْدَهِشَةً بنورِ جمالِهِ .

فما كانَ من كَبيرِ الآلِهة إلّا أن سارع وقفز يَمْتطي وراءها وخَطَفَها . وحينَ وَصَلَ إلى بلدِهِ ، باتَتِ الشابةُ زوجَتَهُ المَعْشوقة ، لكِنَّهُ سَرْعانَ ما لاحظَ حُزنَها اليومي وكان حُزنًا موجِعًا ولم تُخْفِه أنَّ أكثرَ ما يوجِعها هو إبْعادُها عن أهلها وناسها ، مَن وُلِدَتْ بينهم وانطلقت من جيل حَبْوِها الطُفولي ومِنَ الأرْضِ التي وُلِدَتْ فيها فرأتْ نورَ الحياة .

عِنْدَها صَحَبَها وركبا مَعًا الثَّورَ المُقَدَّسَ وانطَلَقا يطوفانِ في سماء بلدِه وأرضه ، وحينَ رَأتِ الشّابة جمالِيّات طَبيعَتِها ، اندَهَشتْ كثيرًا، إذ أدرَكَتْ أنَّ لِكُلِّ طبيعةٍ جمالياتها الخاصة والمُتَشابِهَة .

حين لاحظ زوجُها اندِهاشَها وبِدايَةَ ارتِياحِها النَّفسي المُفرِح ، سألَها مَرَّةً ثانِية عن اسمها ، قالت  : أوروبا .

قال سريعًا :

إنَّ هذا سيصبِحُ اسمَ بلدي وستصيرُ أرضي أرضَكِ وسيبقى تواصُلُنا الحياتي شرطَ حَياتِنا

 

6 ـ

 

حكاية شعبية مَغْرِبٍيَّة

 

 

رَوى لي هذه الحِكاية كاتِبٌ فَنّانٌ من مدينة فاس المَغرِبِيَّة ، سرعان ما بات واحِدًا من كُتّابنا الفنّانين الرّائعين ، واسِعي الثقافة ، يقيم في بلدة كفر قرع الواقعة جنوب تلة الرّوحا وغربَ وادي عارة في المثلَّثِ الشمالي ، وقد انتقل للعيش هنا مع فنّانَة باتت شريكة حياته وأمَّ طفليه ( سلمى وعمر ) وكانِ قد اشتَعل عِشْقًا إنسانِيًّا

بالفنانة ابنة هذه البلدة وبادلته هذا العِشْق باحترامٍ وأمل وسرعان ما تزَوَّجا .

حَكى أكثر من مَرَّةٍ ، أصغيتُ لَهُ باحترامٍ واندهاش :

عاشَ إنسانٌ مَغْرِبِيٌّ في بَلدةٍ قريبَة من فاس واندَفَعَ ذات يوم لترميم جُدْرانَ وسَقْفَ مبناه الأثري الجميل ، فَطلبَ من " مِعْمَرْجي " مَوْهوبٍ ومَعْروفٍ في بَلَدَتِهِ أن يبدَأ في ترميمِ المَبْنى كيلا يفقِدَهُ بفَعْلِ تَقَدُّمِ الزمن ، فبدأ العمل حالًا وحين انتهى من ترميمِ الجُدْرانِ صعد إلى السَّقْفِ ، تأمَّله فاندَهَشَ مِمّا رأى ، وجد شِبْهَ حَصى وِديانٍ ورَملٍ ملوّن ، فظَنَّه مُتَأكِّدًا أنَّهُ ثَرْوةُ حَجَرٍ كريم غالٍ الثمن .

وَضَعَه في جيبه ونزل حالًا لِيَرى صاحبَ المبنى ويعطيه الحجر ، ما وجدهُ على

السَّقْفِ .

حَدَّثَ صاحِبَ المبنى وقال حقيقةً لا أعرفُ مَنْ هو صاحِبُ هذا الحجَرُ المُلَوَّنُ وثمين القيمة ، أحسَبُهُ لك ، فخُذه ، المُهِم وجدته فوق مبناك ... !

أجابَ الصّاحبُ سريعًا وباسِمًا :

لَمْ أرَهُ من قبل ، أنتَ وجدتَهُ ، فهو لك .

وبَعْدَ نقاشٍ طَويلٍ اتَّفَقا التشاور مع أحَدِ حُكَماءِ البلدة الأشبه بقاضٍ نزيه ، لا كأكثرَ قُضاةِ اليَوْم .

وحين وصلا إلى ذلك الحكيم ، أصغى لهُما باهتِمامِ جادٍّ وبعد صمتٍ مُفَكِّرٍ ، قال لهما حَقًا لا أعرِفُ مَنْ مِنكما الصّاحِبُ الحَق ، فالصاحبُ الحَقيقي هو بلدَتُنا ، ودْيانُها ورَملُها وربما طيرها المُحَلِّقُ ودائم التحليق في سماء بَلْدَتِنا وبين شجرها

ورُبَّما هذا الطائِرُ وجدَ هذا الحَجَرَ ، فحمله بمنقاره إلى سقفٍ مَبناكَ ، تركَه فوقه وبعْدَ زمنٍ جِئتَ للعمل فوجدْتَهُ . فَهْوَ لكما ولي وللبلدة ، بَلْدَتِنا .

 

 

وبعدَ صَمتٍ آخِذٍ في تأمُّلِ فِعْلِ رَدِّهما ، قال :

كم وَدَدْتُ لو أنَّكُما ستبيعانُهُ وتبدَئا مَعًا ومع آخرين كثيرين من ناس بلدتنا ومِمَّن

تَتَواصَلونَ معهم في بناء جامِعٍ ومَدْرَسَةٍ فوقَ أرضٍ قريبةٍ من سَكَنِكُما ، هِيَ ملكٌ

عام لا صاحبَ لها غيرنا ، ففي المدرسة تتَّسعُ مَعْرِفَةُ ويزداد فهمُ أكثر ناسنا وفي الجامعِ قَدْ يتَّسِعُ الإيمان الكريمُ الخَيِّرُ .

وما أن التزم الصَّمْتَ ثانيةً ، شَكَراه ، شُكْرًا صادقا وخرجا للبَدْء في البَحْثِ عن مُشْتَرٍ ، أرْضٍ وبَدءِ بِناءِ مدرَسَةٍ وجامِعٍ !

 

7 ــ

 

الحوار حكمة حياة

ووليد تجربة عمل

 

سأسوقُ حِكايَةً مَعْروفة لنا ، سمَعْتُها أكثر من مَرَّة في طفولتي ، هِيَ في الواقع حِوارِيَّة قَصيرَةٌ جِدًّا ولكنَّها تَحْوي الكثير مِنَ الدَّلالاتِ العقلانِيَّة .

يقولُ المُتَحاوِرُ الأوَّلُ :

كان أبي يِجْبِرْ ( يُصْلِحُ ) اليَدَ ( أيْ يُعالِجُها و يُشْفيها ) بَعْدَ كَسْرِها .

يُجيبُ المُحاوِرُ الثّاني :

... لكِنْ أبي كانَ يَمْنَعُ كَسْرَها .

 

8 ـ

 

طائِرُ الْقَفَصِ الْحَديدي*

حقيقة لا أعرِفُ متى وأين قرأتُ هذه القصَّة الحكاية ، فجلُّ ما أذكره أنها تركتني أغُصُّ طويلا في بُكاءٍ موجع .

تقولُ الحكاية :

من قديم ليس القديم عاشَ ذاكّ الطائرُ ، كأكثر طُيورِ عالَمِهِ في ذاك القفصِ الحَديدي ، فشبَّ مَقْصوصً الْجناحينِ ومُشَوَّهَ الزقزَقة .

وحين شبِّه لَهُ أنَّ ثمَّةَ بابًا للخروجِ ، وَجَدَ نفْسَهُ مَدْفوعاً إلى الخارجِ ، ليقضِيَ ما تبقّى من حياتهِ في قفصٍ آخرَ، دُفِعَ إليه، قفصٍ مُحْكَمِ الإغلاق، أشدَّ عتمةً وتشويها للزقزقة .

وقد أوجعني كثيرًا وطويلا ما كان عالمي وصار اليوم أشبه بقفص حديدي ، يقيم فيه وحوله أغلب ناس عالمنا ونادرا ما وُلِدَ بينهم من تَعَلَّمَ حِكَمَ حَياة ، ليصير مُنْطَلَقَ حوارنا وجادلهم بالتي هي أحسن ، فتَحْسُنُ ملامِحُ تَواصُلنا الإنساني .

 

 

*آخر ما كتبتُ من نصوص هي أشبه بقصة .

 

 

قِصَّص قصيرة من مَجموعَتي القَصَصِيَّة

" من حَكايا أمّي " التي صدرَت عام 2008

 

 

ألبحرة البحيرة

 

قالت أمي :

كان بيت جدك واسعا، يطل على البحرة ، في وسطه تقع المضافة ، التي كانت دائما  مفتوحة لاستقبال الضيوف من البلدة ومن خارجها ، والى جانبها غرفة النوم ،وكان  الطابق العلوي معدّا لجدّك ، أبو محمّد صالح المقيم في مدينة عكّا ، هو وزوجته وبناته . وفي الأسفل كان يقع الحوش المطل على البحرة وننزل اليه بسُلَّم خشبي وفيه البايكة  المخصصة للطرش ومَخزَنِ الحُبوب والمَتْبَن . ويقع في طرفه الشمالي الباب المؤدي الى البحرة وفي طرفه الجنوبي الباب المؤدي الى الشارع العام الموصل الى بلدة الحِمَّة السورية ، التي تقع في آخر ارض " الدوير " التي هي ملك جدِّكَ .

وكان هناك باب يؤدي الى المضافة من الطريق الترابية الفاصلة بين البيت والشارع العام .

لم يكن جدّك غنيا ، كان فلاحا بسيطا ، لكنه كان معروفا بكرم نفسه واستعداده الدائم للمساعدة ، كانت يده دائما مفتوحة ومَضافَتُهُ عامِرَة ، ولا يفوقها الاّ مضافة أبو

هاشم وِلْدْ يَخلف ، العامرة والواسعة في سمخ .

لم يكن ثمّة شيء يفصل بين البيت والبحرة ، أكّدت أمّي . قالت :

كنّا نضع البصل في الزيت على النار وننزل نجلب الماء ونعود قبل أن يحمرّ البصل ويسخن الزيت .

وأضافت :

قصص كثيرة وحِكايات تروى عن البحرة وما أصلها ، يصعب عليَّ تذكّر جميعها .  ولكن ما أعيه جيدا وأذكره من صباي أن البحرة ، وقد اعتادت أمّي تسمية البحيرة بالبحرة ، ظنّا منّها أنها بحرٌ صغير ، فكانت يومها كل عالمها وكل ما رأت ، قالت :

 

كانت في الأصل نبع ماء غزير ، وكان الناس على قلتهم يَرِدون النبع ، يأخذون حاجتهم  من ماء الشَّفَة ، يسقون دوابهم ويروون زرعهم .

وكانت الدنيا ، على قلة خبزها وخشونة عيشها ، دنيا خير .

تقول الحكاية ان باب النبع كان يغلق بحجر ، يُسَدُّ البابُ فلا يفيض ، يطفح على  جمامه ، لكن لا يفيض ، اعتادت القول موضحة .

ويحكون أن فتاة ، في عمر الورد ، كانت عاشقة. ويوم جاءها عشيقها يطلب يدها ،

نزلتْ إلى النبع ، تجلب الماء .وحين تأخرت ، لحقتها أختها ، تسال ما أصابها ، فوجدتها ترقص  عند شجرة الصُّفصاف الوارفة المحيطة  بالنبع .

سألتها أختها : ما دَهاها ، تأخّرتْ .

وفي لهفة التساؤل لم تلحظْ بابَ البئر وقد أزيح الحجر عن فتحته .

قالت البنت الصغرى لأختها :

ألا ترين أن شجرة الصفصاف تشاركني فرحي ، تميل راقصة كلما هبت ريح .

وتابعت الرقص فرحة ، فانضمت اليها أختها ونسيت ما جاءت من أجله ، وكبرت حلقة  الرقص . وحين لم تعد ، أرسل الأب بنته الثالثة . وهذه أيضا ، سمعت ما قالته الأخت  الصغيرة ، ورأت أختيها  تتمايلان راقصتين مع شجرة الصفصاف التي كانت تحركها  الريح ، فانضمت اليهما راقصة . وجاءت الأخت الرابعة ، فسمعت الحكاية ، فانضمّت ، هي بدورها الى حلقة الرقص . وسرعان ما جرف الفرح الأم والأب ، اللذين حضرا كذلك ، فانضما ، هما أيضا ، الى حلقة الرقص ، ونسيا حالهما .

سكتت أمّي قليلا" عن الحكي ، وبعد أن تأكدت من تشوّقي لسماع النهاية ومعرفة ما

كان مع البئر ، تابعت حديثها ، قالت :

في هذه الأثناء نسوا باب البئر مفتوحا ، فأخذ الماء يفيض بغزارة ، لم يشعروا الاّ والماء  بدأ يتصاعد حولهم . لم يُعيروا الأمرَ في البِدْءِ أيَّةَ أهمية وخطورة وواصلوا الرقص . غمر الماء المكان وغمرهم ولم ينتبهوا إلّا والماء بدأ يتهدَّدُهُم . وكان

 

الوقت متأخرا ، حاولوا النجاة لكن الماء غمرهم وأغرقهم . وظلت البئر مفتوحة فغمر ماءها السهل ولم يتوقف الاّ في الأماكن العالية ، وعند المرتفع السهلي الذي تقع  فيه سمخ . ولايزال  يفيض دمعا ودما .

للحظة شعرْتُ أنَّ أمي نسيت حالها ،عالمها الحاكي ، وأن ما تحكيه كان حِكايَة . شعرتُ كأنها عادت فجأة الى عالمها الواقعي ، الذي طالما أرادوا لها أن تنساه ، لكن عبثا ، رفعت رأسها وحدَّقت في عَيْنَيَّ ، كمن يريد أن يحدِّثَ عن أمر جلل .

قالت :

لكن أكثر ما يحزنني ، يا ولدي ، أنَّ البحرة عند سمخ اجتاحها الطوفان

وغمرتها مياهه ، فلم تعد ثمة مضافة ولا ناس يفدون إليها ولم تعد ثمة بايكة ولا حوش ولا متبن ولا بصل ولا زيت . وصرنا من يومها كالضارب في الصحراء ، يبحث عن حلاله ولا حلال .

الحلال سطوا عليه ونهبوه .

وعادت أمّي إلى الصمت الموجع فجأة ،

كأنها تنتظر ما سأقول .

 

المجنون

 

قالت أمّي والحديث لها ، فلا تأخذوني بجريرة ما أحكي لكم .

كان يعيش في قريتنا الغارقة في الطين الوَحْلِي رجل غريب الأطوار ، ناداه الناس،  قبل رجمه بالحجارة ، بالمجنون .

وفي الواقع لم أكن أعرف اسمه الشخصي ولا أخفي  حقيقة أنني لم أعرف سر جنونه ، ولماذا نعتوه بالمجنون، وهل كان مجنونا حقا ،أم اننا كنا ،نحن ،المجانين ؟

ولكن لن أشغلكم بهذه المسألة ، فأحسبكم تعيشون في عصر و زمن " الملك الحكيم"، مع فارق بسيط ،أن الملك جُنّ ، هو  وزوجته ووزراءه ، وكي يكون الناس على دين  ملوكها ، شرب أكثركم من ماء البئر ، بئر الجُنون .

حكت أمّي :

كان يجلس في العراء في عز الظهيرة ،وكانت الشمس تحرق ، حينَها ، العصفورة من حرّها ,  كان يجلس ، يحدّ ث نفسه والسامعين :

سيأتي يوم ، بَدأتْ تذرع فيه سفينة في عرض البحر ، حملت في القديم ما قيلَ أنه

واحدٌ من عائلة اختارهم أحدُ كبار الآلِهة من أبناء عائلة مُختارة ، ووعدَها ذاك الإله ستستبدل بَطْن سمكة البحر التي كانَ ذاك الواحد ، سَتَسْتَبْدِلُه بأرضِ آخرين يَصِلونَ إليها بِوَعْدٍ منه ، وكان ذاك " المَجنون " يقول هامِسًا وصارِخًا :

ها هم باتوا يفدون إليكم ، يشربون من ماء البحر ، النهر والبَحرة حتى تجف  .

ثم يأخذ بالقفز على رِجْلٍ واحدة ، يركض في الطرقات والأزقّة المتربة ، يسبقه صياحُهُ  الباكي ، يلعن من يحتسي ، باللذة المُشتَبَهَة ، عَرَقَ تَعَبِ الناس ، يرقص في مآتمهم ويدير قفاه  لآلامهم ، ثمّ  ينفجر غاضبا .

وما أن يبدأ الصياح ، حتى تفتح بعض النوافذ والبيوت مشربياتها ، فزعة ومتبرمة بهذا  المجنون، الذي ما انفكَّ يُزعِجُ راحتهم في ساعةِ القيلولة .

 

 

أذكره ، قالت أمي  ، فلا يزال ماثلا امام عيني ، مؤكدة أن ثمّة ما يحدث في الطفولة يبقى فينا راسخا كالنقش في الحجر .

كان يطوف عاريا شوارع القرية ، طرقاتها والأزقة  المتربة ، يقف أحيانا

حين يراني مقتربة منه ، احاول ، أنا الطفلة التي لم تؤذه  يوما ، ستر عورته والباسه السروال ، كان يهمهم حزينا ، مستسلما بانكسار ، قلَّ ما عرفته فيه ، ويهمس بصوت أبحّ وشبه باك :

دعيني ، هذا عالم يستحق ان أبول عليه .

وفي أحد الأيام كثرت شكاوى البعض من فعاله وأقواله ، فقرّروا رجمه ، كي يخرجوا  من عقله ما أصابَهُ مِنْ مَسّ شيطاني .

وقال بعضهم :

يجب رجمه بحجارة كبيرة ، حجارة من سجّيل ، تماما كما اعتاد المؤمنون رمي الشيطان في عرفة .

وحين سُئِلَ البعضُ بعد قتله :

لِمَ قتلوه ، قالوا :

لم نشأ قتله ، ولكنّ الحجارة ، التي زُوِّدْنا بها  كانت كبيرة ، وكان القدر غالبا . وفركوا أيديهم، غسلوها من دم ذاك المجنون .

حدَّثتني باكية :

بكيته يوم قُتِلَ ومات ، يوم رجموه ورموه بالحجارة ، يومها غارت مياه أراضِ كَثيرة وجفّ ماءها ، ذبُلَ الشجر والعَشب وهبّت ريح عاتية اقتلعت حتى حجارة البيوت الطينية في قريتنا .

 

 

 

 

ألحَرْذون والْحَيَّة

( من وحي حكايةٍ شَعْبِيَّة )

 

حَدَثَ ذلك قبلَ سِنينَ طويلة . أذكُرُهُ جَيِّدًا , فلا يُعْقَلُ أن أنساه .

يَوْمَها كُنْتُ طِفْلًا كالكثيرينَ مِنْكُمْ ولم تكُنْ في قريتنا مَلاعِبُ وساحاتٌ لِلَّعِبِ ، فَكُنْتُ ألْعَبُ وابنِ جيراننا ، جميل ، في الوَعْرِ القَريبِ من بَيْتِنا .

وفيما نَحْنُ نرْقُبُ الفراشاتِ المُلَوَّنَة ، تطيرُ في حُرِّيَّةٍ ، نَغْبِطُها عَلَيْها ونتَمَنّى في سِرِّنا لو أنَّنا نَسْتَطيعُ الطَّيَرانَ مِثْلَها ، فنَرْكُضَ خَلْفَها في شَيْطنةٍ مُحَبَّبَة , وفيما نَحْنُ على هذِهِ الحالِ ، لَفَتَ انتِباهَنا حرذونٌ يَلْهو فوْقَ صَخْرَة .

كانَ كمن يَرْفَعُ رَأسَهُ وَيُنْزِلُهُ في حَرَكَةٍ ،ظَهَر في حَرَكَتِهِ وكَأنَّهُ كانَ يُصلّي ، فَرَميناهُ ، في شَقْوَنَةِ الأطفالِ البَريئة ، بِما كانَ في أيدينا من حصى ورُحنا نُغَنّي :

" صَلّي صلاتَكَ يا حرْذون ... )

وَ انطَلَقْنا نَرْميهِ بالحَصى ونَجْري في إثرِهِ بَيْنَ الصُّخورِ الملآى حِجارَةً و أشواكًا ، يَسْبِقُنا ضَحكُنا الصّارِخ .

هَرَبَ الحَرْذون ، تَوَقَّفَ عنْ صلاتِهِ ، شوَّشْنا علَيْهِ رياضَتَهُ ، قِيامَهُ و قُعودَهُ ، فَوْقَ

الصَّخْرَةِ ، حَيْثُ كانَ يَتَمَتَّعُ بِحَرِّ الشَّمْسِ وأشِعَّتِها اللاهِبَة .

وَفَجْأةً عادَ راكِضًا في اتِّجاهِنا ، كَأنَّهُ يَسْألُ حِمايَتَنا !

انقَلَبَتْ شَيْطَنَتُنا الفَرِحَة والضّاجَة ،رَأسًا على عَقَب ، صارَتْ خَوْفًا ، خُفْنا مِمّا رَأيْنا .

خَرَجَتْ فَجأةً حَيَّةٌ ( جَدْراء ـ مُنَقَّطَة ) شقْراء ،بِصورَةٍ مُباغِتة ، لَمْ نَتَوَقَّعْها ، خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ الشَّوْكِ الكَثيف وانقَضَّتْ عَلى الحَرْذون المِسْكين ، الَّذي أثارَ بِشَكْلٍ مُفاجِئ شفَقَتَنا .

اعْتَرانا شُعورٌ لَمْ نَدْرِ بِسَبَبِ خَوْفِنا ، تلك اللَّحْظَةِ ، كَيْفَ نُفْصِحُ عَنْهُ :

وُجوبُ نُصْرَةِ الضَّعيف ، رَبَّما لِأنّا كُنّا حينَها ضِعافًا .

 

لكِنّا هَرَبْنا مِنَ الحَيَّةِ وخُفْنا ، حَقيقَةً . حَدَّثْتُ عندها نَفْسي هَمْسًا :

الخَوْفُ في هذهِ الحالاتِ مَسْموح . ولا يَجوزُ الْخَجَلُ مِنْهُ . وفي أسْرَعَ مِنْ لَمْحِ البَصَرِ وَصَلْنا ، جميل صاحِبي وأنا ، وَصَلْنا بَيْتَنا واعتلينا شُرْفَةَ البَيْتِ المُطِلَّة على الوَعْرِ . ورُحْنا ، وَسْطَ دَهْشَةِ الأطفالِ الْمَمْزوجَةِ بالقَلَقِ والخَوْفِ وَلَهْفَتِهِم المُتَرَقِّبَة ،

نَرْقُبُ مِنْ مَأمَنِنا فوْقَ الشرْفَةِ ما يَحْدُثُ .

كانَ الصِّراعُ بَيْنَ الحَيَّةِ والحَرذون مُحْتَدًّا ، صِراعًا بَيْنَ ما تَدْفعه شهواتُهُ وغرائزه

ليَفْترِسَ ، وبينَ مَن يخافُ أنْ يَصيرَ فريسَةً ، فَيَسْهُلَ أكْلُها .

حاوَلَتِ الحَيَّةُ الإمْساكَ بالحرذون في فَمِها وتَخْديرهُ بالسُّمِّ الذي امْتَلأتْ بِهِ أنْيابُها المُخْتَبِئة في جَوْفِ فَمٍها ، لكِنَّها لَمْ تَفلَحْ . فكانَ جِلْدُ الحرذون قوِيًّا وخِشِنًا كَجِلْدِ التِّمْساحِ وكان على صِغَرِ حَجْمِهِ وقِصَرِ طولِهِ يَتَشَبَّثُ بالأرْضِ ، يَتَشَبَّثُ بِها ، بِمَخالِبِه ، ويَدْفَعُ فَمَ الحَيَّةِ عن جَسَدِهِ .

كانَ واضحًا أنَّهُ يُدافِعُ عَنْ حَياتِهِ .

عَلَّمَتْهُ الْحَياةُ كَيْفَ يُحِبُّها وَيَحْميها وَيُدافِعُ عَنْها ، حينَ يَلْزَمُ .لَحْظَتَها وَسَطَ مَشاعِرَ الخَوْفِ والقلقِ لَمَعَ في ذِهْني سَريعًا ، شُعورٌ غَريب ، لَمْ أدْرِ كَيْفَ أفسِّرهُ لصاحِبي

جميل وبَعْضِ صحبي ،أبناء جيراني ،فالحَياة ،كُلِّ حياة ، تَجْمُلُ في عَيْنَيْ صاحِبِها ، حينَ تَتَعَرَّضُ لِلْخَطَرِ وَ حينَ يَتَهَدَّدُها آخرون .

كُنّا خائفين ، أعْتَرِفُ لَكُمْ ، كأنَّ الْخَوْفَ مَلَكَ مَشاعِرَنا ، لكِنَّنا لَمْ نَصْرَخْ ولم نَدْعُ أحَدًا مِنْ كِبارِ الأهْلِ والجيرانِ كَيْ يَقْتُلَ الحَيَّة . بَدا لِلَحْظَةٍ أنَّنا لا نُريدُ قَتْلَ الحَيَّةِ وأكْثَرَ ما كانَ يَعْنينا فَلاتُ الحَرذون من أنيابِها القاتلة ،فما يعنينا هُوَ الحَياة لا القَتْل .

وَ فيما نَحْنُ نَنْظُرُ مَشْدوهين وَ مُنْفَعِلين ، يَشُدُّنا القتالُ بَيْنَ الحَيَّةِ الرَّهيبَةِ والقاتِلة بِسُمِّها وبَيْنَ الحَرْذونِ الْمِسْكين ، لكن المُتَشَبِّثِ بالأرْضِ وَ رَغْبَةِ الحياة .

كَما بدا لَنا في تلْكَ اللَّحْظَةِ ، نَجَحَ الحرذون ، بِحَرَكَةِ ذَكِيَّةٍ مِنْهُ ، في الإفلاتِ مِنْ فَمِ

 

الحَيَّة ، وقَبْلَ أنْ تَتَمَكَّنَ مِنَ الإمْساكِ بِهِ ثانِيَةً ، نَجَحَ في تناوُلِ قَشَّةٍ مِنْ عودٍ صَلْبٍ ، كانَتْ مُلْقاةً على الأرْضِ قَريبًا منه ، وَ عَضَّ عَلَيْها وَ أمْسَكَها في فَمِهِ .

حاوَلَتِ الحَيَّةُ مِرارًا وَتَكْرارَا إدْخالَهُ إلى فَمِها وابتِلاعَهُ ، لكِنَّ الحرذون بَقِيَ في مَوْقِعِهِ بِلا حَراكٍ ، مُتَشَبِّثًا بالأرض ، مُمْسِكًا بالعودِ الصَّلْبِ على عَرْضِهِ بِفَمِهِ ، فَحالَ دونَ بَلْعِهِ وَنَجا .

كِدْنا نَقْفِزُ فَرَحًا ، حينَ تَأكَدْنا أنَّ الحيَّة تعَبَتْ ومَلَّت وفَشِلَتْ في جَشَعِها وَ طَمَعِها ، فانْسَحَبَتْ تتَلَوى للابْتِعادِ عَنْ مَوْقِعِ أرْضِ الحرذون وما فيه من صَخْرٍ وعودِ عُشْبٍ

صَلْبٍ وراحَتِ الحَيَّةُ تختفي بينَ الشَّوكِ المُجاور .

وراح الحرذون على عَجَلٍ بعد رحيل الحية يَخْتَبِئ في شِقِّ صَخْرَةٍ ،

وعادَ يَلْتَقِطُ أنفاسه وينْعَمُ بمَعْشوقتهِ الحَياة .

 

 

 

 

المأساة

 

أدهشني ما كان معي وَمعَ صاحبي . كنا يومها شبانا ، فقدنا أهلنا ، وفقدنا معهم ، كل شيء .

قال لي ، ذات يوم ، ما رأيك أن نأكل من تين جبيل كويكات ، وكانت الطريق اليه غير  محاطة بالأسلاك .

هدموا أكثر البيوت وسكنوا الباقي ، أمّا التين والزيتون فلم يقلعوه في  البداية .

قال :

كان لهم فيه تينٌ طيّبٌ. أغراني ، فقبلت . أقنعني ، أزال كل تردد عندي :

هذا تيننا ، يخرب على غصن أمِّه ، فكيف نُحْرَمُ منه ؟

ذهبنا لنأكل من كرم تين ، كان لهم .ولكن فوجئنا ، حدث ما خِفْنا منه.

لم يكن الهرب ممكنا ، فَقَرَّرْنا مواجهة الواقع بصبر، فالواقع الذي وُضِعنا فيه من زمنٍ أفْضَل من الهرب !

جاء حالًا المُخضّر ، حارس المكان ، وكان يركب حصانا ، يتمنطق مُسدّسا ويمسك بيده اليمين سوطا مرعبا ، جُدِّل من قضبان زَيْتون ، انهال به علينا، يوجعنا ضربا ويصرخ :

كيف نجرؤ ونطأ أرضا ، حُرِمْنا من العودة إليها ، صرخ  فينا ، نادى أصحابه ، فحضروا .

نادينا بأعلى صوتٍ ، فلم يُسْعفنا النداء ، ولم يسمعنا أحد.

فكرنا للحظة أن نتحداهم ، لمحنا المُسدّسَ عند خاصرة الحارس ،يتزنّرُ به ، وجاءه أصحابه مُسلحين كذلك ، فآثرنا الصمت .

أوقعونا أرضا ، ورفسوا بطنينا .

 

كان الألم شديدا ، وجع الرفس بالأرجل واللكم بالأيدي ووجع الحرمان من الطعم اللذيذ لحبات التين .

مؤلم كثيرًا أن يُحرَمَ المرء مما كان له ، ذات يوم قريب.

ولكن ما حيَّرني هو أمر صاحبي ، كان ينتحب بصمت ، وكان كلما رفسوا بطنينا ، كان   يصيح في  ألم :

آخ يا ظهري .

وحين فرغوا من ضربنا ، وتوّعدوا بأن يرمونا بالنار وقتلنا إذا عدنا ، أو مجرّد أننا فكرنا  بالحلم في العودة ، فالحلم ـ حلمكم ،كما صرخوا في وجوهنا شيء محظور ، أخلوا سبيلنا وقد أشبعونا ركلا ولكما ، تعاونوا في ضربنا . وكانوا يشتموننا بلهجةٍ عربيةٍ مكسرة . كدنا نفقع ضحكا ، لكن الألم كان شديدا وكان حالنا لا يحتمل الضحك والمُزاح.

سألتُ صاحبي ، وقد أخذتُ أستعيد أنفاسي ، وبَعُدَتْ بنا الطريق عن موقع كرم التين ، فلم  يعد في مقدور أحدٍ منهم سماعنا :

كانوا يرفسوننا في البطون، وكنتَ تصرخ :

آخ يا ظهري ،

فلم أفهمْكَ ،بطني تؤلمني ، وتصرخ ،

آخ  يا  ظهري .

قال صديقي ، وقد أخذ يُغالِبُ ألمه :

كنت أفكِّرُ في حالنا .

لكمَني عِنْدَها صارِخًا :

يوجِعُني حَقًّا ما نحنُ فيه ، فلا ظَهْرَ ولا سندَ لنا ، قالَ :

فَكِّرْ ، من هو مثل حالنا سيوجعه دائمًا حاله و سَيبقى حاله موجِعًا .

نَظَرْتُ في وجهه ، أجَبْتُ :

 

 

حَقًا يا صاحبي موجِعٌ أمرُنا يوقعوننا أرضا ويشبعوننا ضربا.

قُلْتُ :

أعْذُرْني يا صاحِبي ، أفْهَمُكَ وَكَمْ وَدَدتُ لَوْ أنَّنا نصحو ونَعْرِفُ كَيْفَ نَبْدَأ نَخْلُصُ مِمّا نَحْنُ فيه.

 

 

 

الضَّحِيَّة

 

جمّعتنا أمسية لطيفة ، منعشة الهواء ، فوق صخرة حادة، عند شَطِّ الزيب الجميل .

قال مُحَدِّثي ، وكان اعتاد ، يجيءُ الشَّطَّ كثيرا، يمارس عنده هوايته المحببة:

صيد  السمك ، ويمارس رياضة تحريك اليدين والرجلين ، وكان نجا من شلل طال جانبه اليمين.

حذّرني الطبيب ، قال لي ، مُحَذِّرا من أن أجهِدَ عقلي، شفقةً عليَّ .

وشوشني ، ضاحكا:

هذا زمن لا يُنصَحُ فيهِ بتحريك العقل أو تشغيله .

وقد تعّود هُوَ وكثيرون أخرون مِثلَهُ على العمل بهذه النصيحة ، حتى بات كالمدمن ، على العمل بها.

تلفتَ حواليه ، لم يَرَ أحدا يركب الصخور القريبة ،ارتاح مِمّا رأى ، فلا أحد يسمع ، ولا من  يرى ، حدّث نفسه.

نظر اليّ ، أسرّ لي :

شطٌّ جميل ، لكن يحزنني حاله وحالنا ، تبدّل ناسه ، لكنه لم يتبدل ، ما زالت أمواجه

تتكسَّر صاخبةً ، كما في القديم القريب ، ثرْثرَةً فَرَحًا ، كأن شيئا لم يقع .

وحرص ألاّ يسمعه أحدٌ ، غيري.

استغربتُ أمرَ الشَّط ، كيف لم يتبدل انكسار موجه .

لكن عقلي سرح بعيدا .

تذكّرتُ عندها ، لا أدري لماذا ؟ تذكرت قول أمي :

اذا ما تقدم المؤمن بِهَديةٍ مُساعِدَة للفقراء، وكنا منهم ، يوم العيد، تشفع له يوم الحساب، فيمتطيها ويجتاز الصراط المستقيم الحاد ، مثل شفرةٍ ، في طريقه الى  الجنة .

 

وتمنّت ، كعادتها ، ضارعة أن تكون من  أصحابها.

سألتها حينها:

لكن يا أمي هل تبقى ضحية عالمنا ضحيّة مركوبة في العالم الآخر!.

لم تنتظر أمي أن اكمِلَ سؤالي ، جاء جوابها سريعًا ودون تردد:

هذا، إن رضيت الضحيّة أن تبقى ضحيّة ، فالخيار خيارها .

أكَّدَت أمي :

يَجْدُرُ بالضَّحِيَّة أن تبْدَأ أوَّلًا في طرحِ سؤال واقعها:

كيف ستخلُصُ منهُ ، فَتَبْدَأ الخلاص مِمّا هِيَ فيه.

عِنْدها سيخلُصً الآخَر من لَعْنَةِ واقِعٍ فَرَضَهُ بغباء !

لاحظ صاحبي شرودَ عَقْلي ،

وكان فرغ لتوّه من اعداد صنّارته، ليلقي بها الى الماء . وبعد  قليل رفعها من الماء، فبدت، فوق الموج المتراقص ، سمكة سوداء ، شديدة اللمعان ،  استدار صاحبي بوجهه اليّ ، وقد أبقى السمكة معلقة في الهواء.

قال ، موجها الكلام نحوي ،هذه سمكة نادرة ، تكثر في الماء العميق ،  لا أحد يصطادها،  وكما يبدو تعلمت الحذر وطول النفس والمكوث عميقا فلا تعلق في الصنارة ، إلاّ نادرا وهي سامة جدّا ، تصيب بسمها الخطير كل من يقرب منها لاصطيادِها ، قال : سأقذفها الى الماء ثانية،  ولن أمسّها بيدي.

اكتفيتُ بتحريك رأسي، قلت :

سمكة عجيبة ورائعة ، تعلمتْ كيف تحمي نفسها ، فلا يستسيغ لحمها الصيادون .

وبعدها ، لفني صمت .

عاد صاحبي الى شؤون صنارته.

 

 

أما أنا ، فكتمت عن صاحبي حقيقة ما كان يدور في رأسي وفي خلدي .

سألته ، مباغتة ، ألا يجدر بنا أن نتعلم من هذه السمكة ، فلا نظل سمكا يشتهي الصَّيادون  لحمنا.

فوجئ صاحبي من سؤالي .

كان كمن أصابه حرج ، فلم يسأل نفسه من قبل:

لِمَ لا نتعلم من هذه السمكة؟

ضحك بأعلى صوته ، ما استطاع ، حين فكّرفي السؤال ، سأل نفسه، بصوت مسموع :

تُرى لِمْ بقينا كالسمك ، نتراقص حول الصنارة ؟

خاف صاحبي من صوته الضاحك . تلفت حوله ، تأكد أنَّ أحدا لم يسمعه.

هبط الصخرة بهدوء .

ألقى الصنارة في الماء ، الذي فقد هدوءه فجأة وصار مائجا . كان كمن حزم أمره أخيرا ، التفت برأسه الي ، قال :

اني ذاهب ، أبحث عن هذه السمكة ، لأتعلم منها. وأسرع يخوض في الماء.

نظرتُ الى ساعة يدي ، كان الوقت متأخرا قليلا . عدت الى بيتي،

يرن كلام أمي في  ذاكرتي :

الخيار هو خيار  الضحية .

 

 

 

 

حمّاد يقع  ضحيّة

 

كان  حمّاد  انسانا  فقيرا ،  يسكن  بلدة  في  الهضبة  السورية ،  يشتري  التفاح والعنب  والخضار  من  قرى  الهضبة ،  بسعر  معقول ،  وينقلها  تهريبا ، عبر النهر ،  متحاشيا  عيون  الشرطة وحرس  الحدود ، ويبيعها  للقرى  الواقعة  غرب  النهر ،  يربح  القروش ،  ما  يكفي  لسدّ  أود  عائلته  وحماريه .

كان  يعمل  مهرّبا ويعيش  من  التهريب ومعه .

ذاع  صيته في  دواوين  بلدته  وفي  القرى  المجاورة .  وعرفه  الناس ،  بعيدا  في  السلط  وعجلون  وحتّى  في  أم  قيس  في  الأردن .  فكان  عريض  المنكبين ، قوي  عضلات  الرجلين ، يستفيد  منها  عند  الهرب  وفي  المشي  السريع ،  خلف حماريه ،  خصوصا  في  المنحدرات ، وكان  لا  ينكر  حقيقة  ما  عرفه  كثيرون، كان  هبيط  القلب ، جبانا ،  يخاف  حتّى  من  حركة  واهتزاز  عود  الفاقوع .

اعتاد ، حين  يحرج  بالسؤال ،  أن  يعترف  بجبنه وبأشياء ،  لا  تمت  للحديث  الدائر،  حينها ،  بصلة ، فيقول  لمحدثيه متباهيا :

ان  زوجته  هي  التي  تركبه  وتضربه ، وأنه  لو  كان  له  زوجة  أب ،  لكان  يسمح  لها  أ ن  تتشاطر  عليه  وتحوله  مخبط  عصا . كل  ما  كان  يهمّه ،  أ ن  ينجو  ويفلت  من  عيون  الشرطة الانجليزية  ومن  عيون  حرّاس  المستوطنات  اليهوديّة  المنتشرة  في  الغور ، كالهمّ ،  كما  اعتادت  أمّي  القول . ويعترف أنّه  يؤثر  الهرب ، يتجنب  المواجهة

ويمشي  الحيط  الحيط ،  يقول يا  ربّي  السترة . وكان  يقول ، ضاحكا بهستيرية ، الهرب  والكذب ملح  الرجال  والهزيمة  ثلثا  المراجل .

ولكنه  كان  يقر  معترفا  أن  انعدام  الجرأة  قاتل ، ولكنه  كان  يضيف ، ليبرر  جبنه ، أن  الجرأة  الزائدة  قاتلة  أيضا . وكان  مثاله  المفضّل ، الذي  يحتذي به ، " غلب  بستيرة  ولا  غلب  بفضيحة " .

 

وكان يحس : لا  حرج  عليه ،  ان  عاش  العمر  مغلوبا.

وقع  ما  كان  يخشاه ، ما  خشيته  زوجته  وما  خافه  أولاده .  وقع  في  ليلة  معتمة من  ليالي  أيار  المشؤوم ،  قبل  سنين .  كان  المساء  لاهبا  والصفرة ، لون  العشب  الذي  استحال أصفر ، تملأ  المكان .  تقدّم  حماريه  وأحمالهما كالعادة .

لاحظ  أن  أحد  الحمارين  سار  في  أرض  موحلة ،  كان  يغالب  حمله  الثقيل ، يكاد  يقع  تحته ،  فلا  يستطيع  التقدم  قليلا  واجتياز  ماء  النهر  في  الموقع  الضحل . تراجع  نحوه ، أنزل  الحمل ونقله  على  ظهره ، متجاوزا  الماء . ثم  عاد وحمل  الحمار  المتعب  على  كتفيه  واجتاز  به  النهر ، ليلحق  بحماره  الثاني .

في  هذه  الأثناء ، وفي  الضفة  الثانية  من  النهر ، كان  ينتظره  قاطع  طريق .

رآه  ينقل  الحمل  الثقيل  على  كتفيه ،  ثمّ  يعود  لينقل الحمار   ، خاف

من  قوته ،  فتردّد فيما  اذا  كان  سيهاجمه  ويسلبه  أحماله .

ما  أ ن  تجاوز  النهر ، قال  حمّاد  محدّثا  نفسه :

عندي قوة  الفيل  وقلب  هبيط .

وأردف متسائلا :

ما  نفع  القوة ، إن  عَدِمْتُ  جُرْأةَ  العَقْلِ  والشجاعة .

سمع  قاطع  الطريق  شكوى  المهرب من  ضعف  شجاعته ،  تشجّع وانقض  عليه، ضربه  بعصاه  ، فكانت  القاتلة ، وساق  حماريه وما  عليهما  من  أحمال  وغيبته عن  الأنظار  عتمة  الليل .

 

 

 

حَمْدان

 

كان   حمدان  انسانا  حسن  النية ، طيبها . عرفه  أهل  قريته  بطيبته ، حتى ظنّه  البعض  أهبل  ،  وظنه  آخرون  مضحكة ، يسهل  الضحك  عليه  واستغلاله، أما هو فكان  يقول  لمحدثيه  انه  لا  ينتظر  عشرة  أضعاف  الحسنة ، التي  اعتاد أن يأتيها. كانت طيبته شيئا ملحوظا، يتجاوز  مسألة  خلقية فيه،  بل ما  هو  اعمق وأبعد ، كانت  مسألة   انسانية ، جزءا  من ذاته  واندفاعه  الفطري ،  مسلكيّاته ، التي جعلته يضحك  أحيانا  من  حاله ، فيصرّح  لأصدقائه أن  المؤمن  لا  يلدغ  من  جحر  مرّتين ، أما  هو  فقد  لدغ  ثلاثة ،  أول  مرّة ، حين  استحال  بعض  صحبه  أفاعي تنهش  من  لحمه . يومها  لم  يتعلم  من  تجربته ، فلدغ  ثانية  وثالثة .

قال  لأصحابه :

سأظل  ألدغ  مرّات ،  فلن  أغير  ما  في  حالي ، قد يغيّر أكثر  الناس  حالهم . و  يضيف :

ما  كان  معي  يثبت  لكم  أني ضحية من صار ضحية  .

وكان  ينفجر  من  الألم .

فكّر  طويلا ، خلص  الى  جواب ، أراحه :

لن  أكون  غير  ذاتي ،  فأنا  حسن  النيّة  مع  ذاتي ، أولا"  . أنا  هكذا  ،  فهذا  هو  جوهري .

لكن  ما  حدث  له  قبل  ساعات  أغضبه  كثيرا ،  الى  درجة  الحزن .

خرج  من  دائرة  البريد ، وكان  أرسل  رسالة  الى  ولده . دبّ  على  عصاه ، توكأ عليها . شعر أنها  رجله  الثالثة . غمره  شعور  من  الفرح  الخفيف ولكن الحقيقي ، تمكن  وحده  ودون  الاعتماد  على  زوجه  ، أو  أيّ  من  أصحابه

 

الطيّبين ، أن يهبط  الى  البريد  ويرسل  الرسالة . أحس  بنشوة  الانجاز : أن  يقوم  بعمله  وحده .

راح  يدبّ  على  عصاه ،  وكان  مرض  أقعده  وحرمه  متعة  الحركة ، وكاد  يفقده متعة  الحياة  قبل  الأوان .

قال  له  الشاب ، الذي  رأى  في  عجزه  فريسة  وصيدا ،  الله  يشفيك .  شكره  على  الأمنية . انتهز  الشاب  فرصة  التحِيات  المتبادلة  ،  فادعى  أنه  حضر

لتوه  من  المستشفى  ولم  يبلغ  أهله ، أراد  مفاجأتهم  بخروجه  المفرح  من  المستشفى  وشفائه ، فلم  يأتوا  لأخذه ،  وهو  في  حاجة  الى  نقود  ليعود  الى  بلدته . وكي  يُطمئِنَ  مُحدِّثهُ ويظهر  حُسْنَ  قصده ، ذكر  اسمه  وعرض  هويّة  شخصية ، يحملها ، وطلب  معرفة  اسم محدّثه  ومن  يكون  ؟  ليرد  له  ما  أستقرضه .

رفض حمدان رؤية  الهوية  وفحصها أو التعريف  بشخصه ، مؤكدا  أنه  لا  يتوقع  أن  يعيد  له  النقود . قال  له :

ما  أفعله  معك ، هو  ما  أفعله  مدفوعا  بنفسي .

أعطيك لأنك  في  حاجة ،  وحاجتك  عندي  ولأن  ما  معي  يكفينا ، الاثنين .

شعر  أنه  لم  يفهمه .

فلا  أتوقع  مردودا ، أن  ترد  النقود  لي ،  قال  وسكت .

كفّ عن  دبّه  وألقى  بعصاه  جانبا ،  غالب  عجزه  وناوله  مائة  شاقل ،

كانت  كل  ما  يمتلك  وطلب  اليه  أن  يصرفها ،  يعيد  اليه  نصفها  ويحتفظ  بنصفها  لديه ،  فهذا  يزيد  عما  يحتاجه  للطريق .

مضى  الشاب ، مستهما ، بورقة  المائة  شاقل وبقي  حمدان  ينتظر . بعد  طول

انتظار  بدأ  حمدان  يتخوّف  من  احتمال  أنّه  وقع  ضحية  احتيال  من  أحد المدمنين  على  المخدرات .

وبعد  برهة  طويلة ثبتت  مخاوفه . ضحك  من  الحياة ، حياته وحياة  الآخرين ، وكيف استحالت ، دبّ  على عصاه  حزينا  وعاد  الى  البيت .  وقد  انبرى  أحد  الأصدقاء  الى  معونته .

وما  أن  دخل  البيت  بمعونة  صاحب ، لم  يشعر  الا  وقد  انفجر  ضاحكا . أطلع زوجته  على  ما  كان  معه ،  فسألته ،  وكانت  مثل  ناس  كثيرين  تؤمن  بالأبراج والخرافات  والقدر  والحظوظ ، سألته  :

في  أي  يوم  نحن ؟

قال ،  دون تفكير ومنساقا  مع  سؤالها ، اليوم  الأربعاء .

ضحكت  الزوجة  وقالت :

هذا  يوم  نحس ،  ففي  هذا  اليوم ، مرّة  كل  أسبوع ، يتصدّر  كرسيّ  العرش ، في السماء ، في البرج  ميركوري  ، أحد  الأرباب ، ويتحكم  بمصائر  الناس . وهو  البرج الذي  يتكفّل  بحماية  كبار  التجّار  وكبار  المحتالين  واللصوص  والمرابين  .

وأكدتْ ، دون  أن  تبقي  لحمدان زوجها مجالا  للحديث  والاعتراض ، فكانت  تعرف  أنه  لا  يؤمن  بحديث  الأبراج ،   فأكثر  ضحاياهم  هم  ناس بسطاء كانوا صدفة من مواليد برج التوأم وباتوا ضحايا بعض ناس عالمنا .

وكانتْ  عارفة  بتاريخ  مولده ، وانفجرت  ضاحكة .

 

 

 

 

 

الضَّمير

( والعالم في غيبوبة )

مارسيل خليفة المُغَنّي اللُبناني

 

التقينا صدفة وسط غابة كثيفة ،كان حسن الملابس ،وكنت مُثخَنَ الجِراح .

عرّفته  بشخصي ، لكنّه لم يتذكرني ، قال.

اعتذر، فمشاغله كثيرة ، ولا وقت لديهِ لسماع  همومي. سمع بها قليلا ، حكَّ شعر رأسه متظاهرا برغبة التذكُّر ، لكن اعترف وبقَّ الحصوة :

لم تحرّك همومي لديه شعرة .

والحقيقة ، كنت لاحظت أنّه  ظلَّ يتحاشى أمري سنين طويلة .

ذكرني بجارنا سمعان.  اعتاد يقول عند الحاجة:

سمعان مش هون، سمعان ما عنده خبر ، لا مين شاف ولا  مين دري.

وحين تطفّلتُ بالسؤال عن سرّ صمته ، قال :

أنا مشغول، فهموم عالمنا كثيرة ، بدء امن  كوسوفو، مرورا بجزيرة بالي وانتهاء بكولومبيا .

قال: لا تنس رواندا ، همومها كثيرة .

قلت : هي مثل همومي ، ولا أحسبها تقل شأنا وإيلاما ، ولا أقلِّلُ من خطورتها . وكلها تؤكد طول  الأصابع الأمريكية الوَحْشِيَّة .

جفل صاحبنا، حين سمع ما قلتُ.

قال : لا تبالغ .

وحين لاحظ الحاحي المتطفل ، قال صراحة:

أنا يا ...ضحيّة.

 

أحَسَّ بزلّة لسانه، خانه لسانه .

عدّل من وقفته ، اعتذر من اقراره ، تابع حديثه وقال:

أعترف لك ، أنا لي حسناتي  وضروراتي ، لكنني في بعض الهموم أتصرف مثل

" روبوت " ، يتحرك كلما ألقمته قرشا .

قلت :

لكن وضعي خطير.

انتبه لأول مرّة أن وحوشا مفترسة كثيرة تحيط المكان وتستوطن الغابة.

قلتُ ، بألمِ مَجروحٍ :

هذي الوحوش البرية البشرية أبصرها من مدّة ، تحيط بنا ، تريد افتراسي ، ألا تخاف أن تفترسك معي ؟

ضحك بصوت مسموع ، قال :

حين تأتي لافتراسك ، أختفي عن النظر، أغمض عينيّ قليلا وحين تفرغ من التهامك ، أعود وأستيقظ  ، أعود الى سابق عهدي ،"روبوتا" ، يعمر جوفي بالقروش.

أما أنا فلم أنتظر الوحوش المفترسة ، تنقضّ علي ، هربت الى الاحتماء منها،

هربت الى ذاتي ، مختبئًا بتجويف جذع بلّوطتي .

وفيما أنا هارب الى ذاتي الفزعة ممّا حولنا ويحيق بنا ،

محتميا بتجويف جذع بلوطة،

نبشت جيوبي ، لأتأكّد أنّها خالية ولم يعلق بها ، في حين غفلة منّي ، ما لم أتعب في كسبه من قروش ،

وأسلمت قدميّ للريح بحثُا عن خلاصٍ مُطَمْئنٍ وحقيقي .

 

 

كاهنُ القريَة

 

لم يَحتَمِلْ كاهنُ رَعِيَّةِ الكاثوليك في قريةِ إقْرِثْ الجَليلِيَّة ، عيسى الجَليل ، ما حَدَثَ وكان في ذاك الزمن ، فَطَقَّ ومات .

وكان صاحِبُهُ رجُلٌ مُسِنٌّ حَدَّثَ النّاسُ ، الذين انفَجَروا في حُزْنٍ صامِتٍ كَتَموهُ طَويلًا ، فأكَّد في بيتِ العزاء ، أنَّ ناسًا كثيرين من القُرى المُجاوِرَة في تلك السنة ماتوا ، عامًا بَعْدَ الهجيج .

فَلَم يَكُنْ عيسى الجليل وحيدًا في رَحيلِهِ المُحْزِن .

قالَ الصاحِبُ المُسِنٌّ من أبناءِ الرَّعِيَّة ، كان آثرَ أنْ يَظَلَّ صامِتًا لِفَرْطِ حُزْنِهِ ، قالَ إنَّ المَرْءَ يموتُ أحيانًا مَغمومًا ، حين يُصابُ بِخَيْبَةِ أمَلٍ أو يَقعُ تحتَ وَطأةِ ظُلْمٍ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ .تابَعَ حديثَهُ ، وهو يَهُزُّ رأسَهُ ، ما أمَرَّ أنْ يَكونَ المَرْءُ مَهْزومًا وما أفظعَ غَطْرسة المُنْتَصِرين .

قالَ هذا وعادَ إلى حُزنِهِ ، يَهُزُّ رأسَهُ صامِتًا .

استَغرَبَ طَبيبُ قرية التَّلَّة ، الذي حَضَرَ مَحْزونًا لِفَحْصِ أمرِ وفاة عيسى الجليل ما كانَ ، قالَ للحاضِرينَ بصوتِ العارف الواثق :

إنَّ ما حَدَثّ ما كانَ يَجِبُ أن يحدُث ، فالْكاهِنُ كان لا يَزلُ فَتِيًّا ، كان مُعافًى وسليمًا ، لمْ يَذُقْ طَعْمَ المَرَضِ في حياته . كانَتْ حياتُهُ بسيطة لكن سليمة . وكانَ يُشاعُ عنه أنَّهُ كانَ يَتنَفَّسُ هواءً مُنْعِشًا ونَقِيًّا في قُنطُشِ الكَنيسة العالي المُطِل على قنديل مار الياس دائم الإنارَة في حيفا الكرمِلِيَّة والتي كان أهلُ القرية الجليلية يَدْفأون بنورِهِ الخافِتِ في ليالي الجليل الباردة . وكانَ كثيرَ الحركةِ والتَّنَقُّلِ بينَ بُيوتِ الرَّعِيَّة ، الَّتي كانتْ تَشْعُرُ أنانًا وطُمأنينَة في حضورِه وتتلَمَّسُ البرَكَة بينَ يَديْه . وكانَ يُداوِمُ على فُطورِهِ الصَّباحِي ، يتناوَلُ رَشْفَتَيْ خَمْرٍ مُقَدَّس يَعتَصِرُهُ من عِنَبِ أرْضِ

 

الكَنيسَة ويَتْبَعُهُما بِبَيْضَةٍ مَسْلوقة وحَبّاتِ زيتون سوْداء ، قويَّة رائِحَة الفيجن والفلفل الأحمر الحار قليلًا ، وكأسِ حَليب ، كانَتْ جارَتُهُ وجارة الكنيسة الأرملة الطيِّبَة العَجوز ، أم جميل ، تحرِصُ على إحْضارِهِ ، كُلَّ صَباح ، ساخنًا من عَنْزَتِها الوَحيدة ، وَكانَ يَكْتَفي بِكَسْرَةِ خُبْزٍ ساخن ، تُعِدُّهُ أم جميل في مَوْقِدِها المَعْروف بطَعْمِهِ الشَّهِيِّ في القرية .

قلبُ الكاهِنِ لم يَحْتَمِلْ ما حَدَثَ وكان ، فطَقَّ ومات .

 

 

 

 

 

يُخَيَّلُ لنافع أنَّهُ رأى

مَنامًا مُزْعِجًا

( لَمْ نَعُدْ في تخوم الصَّحْراء ،

باتَتِ الصَّحْراءُ فينا )

من رواية الكاتبة الجزائرية المقيمة في لبنان أحلام مستغانمي

 

رأى نافع في تلك الليلة منامًا مزعجًا ، أخافَه ، أضحكه وأبكاه في آن .

لَمْ يُحَدِّثْ زَوْجَتَهُ الجَميلة ولا وَلَدَيْه ، مَسْعَد وَمَسْعود ، عَمّا رآهُ وَلَمْ يَرْوِ لِأحَدٍ من صَحْبِهِ أمْرَ منامِهِ ، خِشْيَةَ أنْ يُسيئوا بِهِ الظُّنون .

كانَتْ تِلْكَ لَيْلَةً عادِيَّة ، واحِدَة من ليالي كانون الأوَّل ، الذي يُسمّيهِ النّاسُ كانون الأكْحَل ، لِما تَمْتازُ لَياليه بعَتْمَةٍ شَديدَةٍ تُذَكِّرُ بِعَتْمَةِ عالَمِنا وَعَتْمَةِ ما بِتْنا فيه ، باتَتِ الصَّحراء فينا وأكثر عَقْلِياتِها.

رأى نافِع نَفْسَهُ مُحاطًا بحَواجِزَ قاتِلَةٍ في صَحْراءَ مُتَرامِيَةِ الأطراف ، كانَ في أعلى بَعْضها بنادق مُصَوَّبَة ، سَريعَةُ الطَّلَقاتِ وَمُحْكَمَةُ التَّصْويب ، أشْبهَ بِقَنّاصَةٍ آلِيَّة تُذيقُ الموت الموجِع ،لكن السَّريع . وَ كُلُّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنَ الحاجِزِ ويُشاهِدُ أجْهِزَةَ التَّصْوير ، نُصِبَتْ فَوْقَ بَعْضها ، تَرْصُدُ عُيونَها المُتَحَرِّكَة في كُلِّ اتِّجاه ، مِثْلَ عُيونِ حِرْباء تَرْصُدُ كُلَّ حرَكَةٍ في المَكان ، حواجٍز شَوْكِيَّة تُدْمي مَنْ يَقْرَبُها وَتَتْلوها حواجِز .

وَرَأى ما هالَهُ ، رَأى جُثَثًّا لِبَقايا آدَمِيَّة مُعَلَّقَة فَوْقَ الحَواجِز وكِتاباتٍ بِخَطٍ أسْوَدَ نافِرٍ وَبِلُغاتٍ ظَنَّها مُتَحَضِّرَةً ، رأى صورَةً لِما كانَ إنسان تُحَذِّرُ كُلَّ مَنْ دنو مِنْها ، تُحَذِّرُهُ مِنْ حَقْلِ ألْغام .

سألَ نَفْسَهُ مُسْتَغْرِبًا ما رأى في مَنامِهِ المُزْعِجِ ، الطَّويلِ والْقَصير ، سألَ :

أيُّ عالَمٍ بِتنا نَعيشُ فيهِ ، باتً بعض ناسِهِ يَخْتَبئ خَلْفَ هذِهِ الألْغام ؟ وَ أيُّ عَقْلٍ هُوَ الَّذي سَوَّغَها أداةً للتَّخاطُبِ بَيْنَ الناس ؟ أهُوَ الَّذي حَرَّرَ الإنسانَ مِنْ بَهيمِيَّتِهِ وأعطاهُ صِفَةَ فُرْصَةَ أنْ يَكونَ إنْسانا .

شَكَّ في أمرِ فَهْمِ هذا الإنسان وأرْدَفَ مُتَسائلًا ؟

 

 

ما الفَرْقُ بَيْنَ السَّجين والسَّجّان ؟

فَكِلاهُما سَجينُ واقعِهِ ، وَ إنْ كان واحِدٌ يَسْلِبُ حُرِّيَّة الآخَرَ لِجَشَعٍ ، عُنْفٍ وَ طَمَعٍ في نفسِهِ ، يوهِمُ حالَهُ فلا يَدْري أنَّه عِنْدَها يَخْسَرُ حُرِّيَّتَه كَضَحاياه و يخْسَرُ نَفْسَهُ .

وَ بَيْنَما كانَ نافٍعٌ يَتَأمَّلُ الحَواجزَ ، غَمَرَتْ جَسَدَهُ قَشْعَريرَة المُخْتَشي مِمّا رَأى ومِمّا

حاصِلٌ ويَحْصَلُ  ، عَجَبَ حينَ رأى الرَّجُلَ العَجوزَ ، الذي عَرَفَهُ طَويلًا وخَبٍرَ بُعْدَ ما يراهُ ، رآهُ في الْمَنامِ المُزْعِجِ ، يَذرَعُ الصَّحْراء ذهابًا وإيابَا ، يُحاوِلَ أن يُمْسِكَ بأطرافِ ثيابِ الناسِ ويُحادِثُهُم حَوْلُ ما يجْدُرُ بنا أن نَبْدَأ ونصير ، فيبدأ واقِعُ عالَمِنا يَتَبَدَّلُ ويتَجَدَّد ويَظَلُّ دائم التَّواصل الإنساني الذي لن يكون إلّا بأجمل الاحتِرام المُتَبادل ، لكِنَّ أكْثَرَهم يَفْلَتون من بين أصابِعِهِ ويَنْضَمّونَ إلى طابورٍ ، تَتَقَدَّمُهُ أعلامٌ وبنادق ، تلبسُ هوامِشَ الطابورِ مَلابِسُ رمادِيَّة ، فلا تبينُ حَقيقة ذاك الطابور ، حقيقة ما فيه ومَنِ انضَمّوا إليه !

عِنْدها كَمْ وَدَدْتُ لَو يَبْدأ صَحْوي ، فأبْدَأ  أحَدِّث أكثَرَ ناسي ، فأقُصَّ ما عَلَّمَني ذاك العجوز وأظَلُّ أحاوِلُ التَّقَدُّمَ ، معه ، خَلْفَهُ وقبله ، خُطى في صحراء عالَمي وَوَعْرِ بَلَدي ، نَنَتَفِضُ ، عَقْلًا وحُلُما بَحثًا عَن شُعْلَةِ نورٍ دائم التوَهُّج وعَنْ عودٍ نَخيلٍ عازِفٍ ، دائمِ الشَّدو فنظَلَّ نَشْدو همسًا وصراخًا :

أزيلوا الحواجز

وَبَدِّلوا ما أنتم فيه ...

كَيْ تَتَبَدَّلَ صحراء عالمنا !! .

 

 

 

 

 

السّاعَة

 

كانتْ طُرُقاتُ البعنة ، القَرْيَةِ الجليلية ،يَوْمَها مُتْرَبَة وكثيرةَ الغُبار ، وكانت شَمْسُ ذلِكَ اليَوْم الحارق قَدِ استَقَرَّتْ في وَسَطِ السَّماء ، كَأنَّها تَوَقَّفَتْ ساعَتَها وَ تَوَقَّفَتْ مَعَها وعِنْدَها كُلُّ حَركَةِ النّاسِ الفَزِعين مِمّا يَنْتَظِرُهُم ،فكُنْتَ تراهُمْ يَهيمونَ على وُجوهِهِم في كُلِّ اتِّجاه ، لكِنَّهُم يدْفَعونَ بِقُوَّةٍ ، أخَذَتْ تَتَحَكَّمُ بِمَصائِرِهِم وبِحَرَكَتِهِم ، كانَتْ تَضْبِطُ حَرَكَتَهُم وَتَدْفَعُهُم أفواجّا مُتَحَرِّكَة ، رِجالًا ونِساءً ، شيوخًا وَفتيانًا ، أمَّهاتٍ وأولادًا ، عَجائِزَ وفَتَيات إلى نُقْطَةٍ مُحَدَّدَةٍ أصْلًا ، يَتَحَدَّدُ فيها بِحَرَكَةِ بُنْدُقِيَّةِ لا يعرفونَ شَكْلَ وَجْهِهِ ، يَتَحَدَّدُ مَصيرُهُمْ في ذلكَ اليوم ، مَصيرُ التَّرْحيل وفقدان ما كان وطنًا .

شَعِرَ معها صالِحُ الأوراسي ،بِما تَبَقّى لَهُ مِنْ قُدْرَةٍ على التَّفْكيرِ في ذلكَ اليَوْم الحارقِ والْمَأساوي ، شَعَرَ أنَّ هذه هِيَ ساعَةُ التَّهْجير ، الَّتي طالَما خافَ أن تَقَع في وَطَنهِ الثّاني بَعْدَ رحيلِهِ من الأوَّل .

اعْتَرَضَ جُنْدي شاب ، أشقر البَشَرَةِ كالغزاة الكولون ، مَنْ سَرقوا وَطَنَهُ الأول ذاتَ يوم ، اعترضَ اندِفاعَهُ مُرَحَّلًا من حَيْفا وخاطبَهُ والعائِلة ، الزَّوْجَةَ والأولاد والابنة

، وقد صوَّبَ بُنْدُقَيَّتَهَ إلى رأسِه وسألَ : أينَ السِّلاحُ الكان في جيوبِكُمْ ؟

بَكى الأطفالُ الثلاثة خَوْفًا مَنَ الجُنْدي وبُدُقِيَّتِهِ وأقْسَمَتْ زوجَةُ صالح أنَّهُم لا يَحمِلونَ غَيْرَ ما يَسْتُرُ جُلودَهُمْ مِنْ ثياب !

أما صالح ، فاكتَفى بِتَرْديدِ قَسَمِ زوجَتِهِ . وَنَبَشَ جُيوبَه ، فَكَشَفَ من حيْثُ لَمْ يَقْصُدْ عَنْ ساعَةِ جَيْب ، كانَ يَحْمِلُها .

سألَ الجُنْدِيُّ صالح ثانية وقَدْ خَفَّضَ بُنْدُقِيَّتَهُ قليلًا !

ولكِنْ مِنْ أيْنَ لكَ هذِهِ السّاعَةُ ؟ وما حاجَتُها إلَيْك ؟ فَقَدْ تَوَقَّفَتِ اليومَ ساعَتُكُم ولا يَتَحَرَّكُ شَيءٌ لَدَيكُم وبَيْنَكُمْ إلّا بِمَشيئتِنا !

 

طَأطَأ صالِح وَزَوْجَتُهُ رَأسَيْهِما في حَرَكَةٍ حَزينة ولا إرادِيَّة ، تبِعَتْهُما حركةٌ صامِتةٌ بِحُزْنٍ أشَد للأطْفالِ ، كَأنَّهُمْ أدْرَكوا خَطَرَ ما قالَهُ الجُنْدي . ولكِنْ شَعَروا ، تلكَ اللَّحظَة ، أنَّ الدَّمْعَ خَذَلَهُمْ ، فلَمْ يَبْكوا ...

انتَزَعَ الجُنْدي السّاعَةَ بَقُوَّة من جَيْبِ صالِح ، وَ قالَ :

هذِهِ ساعَتُنا ، بريطانِيَّةُ الصُّنْعِ ،

وقد أورثتنا بريطانيا كُلَّ ما كانَ لَها وما لَمْ يَكُنْ لها في هذا البلدِ الَّذي بَدأ يَصيرُ بَلَدَنا .

سَكَتَ صالح ، تِلْكَ اللَّحْظَةِ ، فَقَد أدركَ خُطورَةَ قولَ الجُنْدي .

قالَ الجُنْدي أخيرًا مُحَذِّرًا :

لا تَدَّعي يَوْمًا أنّا أخَذنا منك الساعة وبلدَكَ ، فَهُما كانا لكَ وأخَذناهُما . وتَمْتَمَ الجُندي بعدها بِضْعَ كَلِمات كَمَنْ يَتلو صلاة وفاجأ صالح وعائلَتَهُ حينَ صَفَعَهُ بِقُوة وانتَهَرَهُ ، هُوَ والزَّوْجَة والأولاد :

شِمالًا ارحَلوا إلى لُبْنان أو شَرْقًا ارْحَلوا إلى سورِيَّة أوِ الأرْدن .

وَوَدَّعَهُم بابتِسامةٍ  ، أخْفَتْ مَعانِيَ كثيرة وخبيثة .

 

 

 

بَعَض ما حكى الصاحب أبو محمد العمقاوي

( خَبِّرْهُم على ما كان ،

بَلْكي بْيوعى الضَّمير )

مِنْ أغنيَة لفيروز ...

 

رَجاني الصَّديق والجار أبو محمد العَمْقاوي أنْ أحَدِّثَ أكثَرَ مِنْ ناسٍ عَمّا حَكى لي .

أخْبَرْتُهُ حالًا وبِفَرَحِ أمَلٍ أنَّ حَديثَهُ باتَ مَصونًا دائمَا بينَ الناسِ ، الذينَ يتناقَلونَهُ هَمْسًا وجِهارًا ولا يَنْساهُ إلّا مَنْ يَتَعَمَّدُ البَقاء بعيدًا عن الذاكِرَة ، فلا يَتَعَلَّمُ أحدٌمنها ومن حقيقة ما كان وما زال .

قُلْتُ :

حَقيقَةً ،ما كانَ وما حَدَثَ في ربيعِ ذلِكَ العام ، الذي استَحالَ رَبيعًا موجِعًا !

فَرِحَ أبو محمد ،حينَ أخبرتُهُ ،أنَّ حَقيقَتَة باتَتْ حقيقة كَثيرين يأمَلونَ خَيْرًا .

قالَ بَعْدَ صَمْتٍ قليل ... كانَ الناسُ في بَلْدتي مُسالِمين ، بُسَطاء وضحايا أكثرَ حاكِميهم المَخاتير وأكثر المشايخ ، يَخافون كُلَّ ما باتَ حولَهُمْ

ويَخافون خَوْفَ المَوتِ ما حَدَثَ وَكانَ ، ذاتَ مَساء ، يخافون احتِمالَ وُصولِ الغُزاة وما سَبَقَها مِنْ غَطْرَسَةِ مُخْتارِ الَبَلدَة وسلوكِ بَعْض ناسها .

وَالناس ، أكثَرّهُمْ ، لَمْ يُطْلِقوا النارَ على أحَدٍ ، فكانوا يَخافونَ النّارَ ويَكرَهون ما يُحْتَمَلُ أن يكون ، فالنّار حينَ تَبْدأ الانطِلاق ، تَظَلُّ تَعودُ كُلَّ مَرَّة وبعدَ حين .

والناسُ تَعوَّدوا الابتِعادَ ، كُلَّما استَطاعوا عَنْ أي حربٍ وحَتّى عَنْ طُوَش .

أصلًا ، حينَ جاءَ الغُزاةُ كُنّا " عِيَلْ " يُتْعِبُها و يوجِعُها ، وَجَعًا شديدًا ، صِراعُ الأفندية الأغنِياء في بَلْدَتِنا وغَيْرَها كُلَّما ارتَبَطوا بهذا الصراع ،

 

 

وكانَ أكثَرَ ناسنا فقراء ، رُعاةٌ و " قَطاريز " زراعة ، تُدْهِشُهُم شُرور بَدْوِ ظَهْرِ الجبَل وخُبْثُ بعض زُرْقِ العُيونِ وَسودِها وتَكْشيرَةُ المُختار ، كُلِّ مُختار .

وَ كانَتِ البلْدَة ، مِثْلَ بُلْدانٍ كثيرة في ساحلنا ،مقسومة إلى حارتين تعيشُ فيها عائلتان ويَعيشُ في بَعْضها طائفتان .

وَكُلّمَا تّذّكَّرْتُ طفولتي وما كانه أهلُنا من قبلٍ وقَبْل ، تَذَكَّرت بانْدِهاشٍ مُفْرِحٍ ما كانَهُ أكثرَ ناسي .

أذْكُرُ كثيرا ما حَدَّتْني جَدَّتّي وحَدَّثَتني أمّي بعدها :

كان ناسُ تلك الحارتين ، تِلْكَ العائلتين وتلْكَ الطائفَتين يَتَواصلونَ دائمًا في لحظات

الفرح وساعات العزاء ، وأكثر ما شَدَ انتباهي ما حَدثتني الجَدَّة والأم عن التواصلِ في فرحِ الأعراس ، كانَ أكثر النّاس ، نِساءَ ورجالًا ، شُبّانًا وصبايا ، يَقِفونَ معا وَ يَبدئون رَقْصّةَ الدَّبكة مُتَحَرِّكين رقصا وغِناءً في ساحة العرسِ و كانوا بسطاء في حالَةٍ مُدْهِشَة مُنْشَغِلينَ كثيرًا في

المَوتِ والإنجاب ولا يعيشون طويلًا وَحياتهم مِثْلَ موتهم، شقاء من المهْدِ إلى اللَّحْد !

قالَ صاحِبي بِهَمْسٍ لا أخفي عَلَيْكَ ، حين سمع الناس ما أصابَ جارتنا ، بَلْدَةَ كويكات ، فَكَّروا بِشِراء بواريد لِمُقاوَمَة خطَرِ التَّرْحيل ولَمواجَهَةِ شَرٍ مُتَوَقَّع . فباعَتِ النِّساءُ ما كانَ في صُدورِهُنَّ وخَزائنهِنَّ من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ وأعطَيْنَ النُّقود وَجيهًا شَيْخًا في القرية اسمُهُ ، عَبْد المُعطي ، ذَهَبَ إلى لبنانوَ لَمّا يَعُدْ ، هَرَبَ بالنُّقود وبِصُحْبَة امرأةِ التَفَّتْ عليه ، صارَ هُوَ لاجِئًا وصارت هِي مَسؤولَةً فيما بعد في الكبوتس الّذي بنَوْهُ مكان خرائبِ جارتنا البلدة المُدَمَّرة وقت التَّهْجير .

فَما كان يَوْمَها لَمْ يَكُنْ حَرْبًا ، لَمْ نَكُنْ طَرَفًا فيها ، إنَّما فُرِضَتْ عَلَيْنا وَ سَرْعانَ ما بِتْنا ضَحِيَّتَها ولا نَزال .

وَ حينَ جاء الغُزاة مِنَ الناحِيَةِ الغَرْبِيَّة ، ناحِيَةِ البَحرِ ، كُنّا نَعيشُ تَحْتَ رَحْمَةِ سُيوفٍ

عَديدةٍ ، أوَّلُها سَيْفُ تَخَلُّفِنا الاجْتِماعي وأبشع سيوفِهِ حِدَّةً كان من وَصَفوا أنْفُسَهُم بالمخاتير الذين لم نَرَ أنْيابِهِم إلّا حين نرى تكْشيرَهُم في وُجوهِنا وَصِرْنا نعيشُ

 

 

تحْتَ " رَحْمَةِ " سيوفِ الغُزاة الطامِعينَ فينا .

والأمْرُ الغَريبُ ، الذي لفتَ انتِباهي كثيرًا ، أنَّ بَعْضَ جنودٍ كان لَغْطُهم وكانَ لَوْنُهُم مِثْلَ لَغْطِنا وَلَوْنِنا ، وَصَلوا إلى البَلْدةوبلداتٍ أخْرى ، قبلَ وُصولِ الغزاة ، وَ قَدْ جاءوا كالفاتِحين وقَد نزلوا في بَيْتِ المُختار .

وَكُنّا حينَ نسْألُهُم إنْ كانوا سيَحْمونَنا ، كانوا يَقولون مَرّاتٍ كثيرَة :

" لَيْسَ لَدَيْنا أوامر ما سنفعل ... ماكو أوامر . وَما زِلْنا كما كُنّا ماكو أوامر ... "

وَ في المساء من ذلك اليوم ، الذي سبقَ التَّهْجيج ،  أذكُرُ ،حَدَّثَني الصاحب بِألَمٍ مكبوت ، خَرَجَ ناطور القرية وطافَ كُلَّ الأزِقَّة مُنادِيًا بِأعلى صوته ِ:

يا أهْلَ البَلْدَة عموم التَزِموا البَيتَ وَ أطْفِئوا النور ،فَفي اللّيْلِ سَيَبْدَأ الهُجوم .

استبشرنا خَيْرًا ، لكِنْ بَعْدَ أنِ انتَشَرَتِ العَتْمَةُ وانطَفَأت كُلُّ الأنوار ما عَدا في بَيْتِ المُخْتار ، سمعنا صراخ جارنا في ساحة القرية ، استاقَهُ الجُنود الذين جاءوا لحمايتنا كما أوهمنا ونزلوا في بيت المختار، وأشْبَعوهُ ضربًا موجِعًا وكانوا يَصْرَخون بَحثًا عن بارودة قيلَ أنَّها كانَتْ في حَوْزَتِهِ ويَخافُها المُختار ، أما الجار الباكي الموجَع ،

فَباتَ يَصْرَخُ مناديًا زَوْجَتَهُ :

" وِلِكْ بيعي لِوْلادْ وِشْتْري بارودة ونِعْطيها لَمينْ قالوا إجو يِحْمونا " .

وَ علمنا فيما بعد أنَ المُختار كان يطمع ببيْتِ الجار ويشتهي مُعاشَرَةَ زَوْجَةِ الجار .

في ذلكِ المَساء التزم أهلُ البَلْدةِ البُيوتَ ، أطفَأوا كُلَّ نورٍ وَلم يَسألوا أنْفُسَهم مُجَرَّدَ سؤال .

وَ كَثُرَتْ شائعاتٌ تُؤكِّدُ أنَّ المُختار وبعض ناسه والمُقَرَّبينَ منه كالجنود تركوا البلدة وارتحلوا شرقًا . وفي الصَّباحِ أرْغِمنا على الرّحيل شرقا في اتِّجاه جارتين ، جَتْ ويركا وراء زيتون وادي المجنونة .

وَفي لَحَظات قَرَّرَ أبي البقاء في أرضِ زيْتون وادي" المونة " ، كما

اعتاد الناس تَسْمَية الأرض ، فَبَقينا مُفتَرِشين الأرض بين زيْتونَتَيْن شِبْهَ مُلْتَصِقَتَيْن بعيدًا عن العيون المتلصلِصة .

 

 

وَ أكَّدَ أبي ضرورةَ البقاء قريبين منَ الغزاة رافِضين ما أمكن الرحيل , فَحَتّى الموتُ بِرَصاصِهِم أقَلَّ وَجَعًا من الرحيل .

وَبَعْد قليل قال الصاحب لي سأروي لك ما حَدَث في النِّصْفِ الأول من الخمسينات

بعْدَ الترحيل الفعلي وما كان من خيارٍ صُدَفي :

خَيار البقاء .

في تلك السّنوات اعتادتْ أمي جَمع النَّباتات البرِّيَّة ، كالعِلْتْ والخبيزة والقُرْصَعَنِّة ، وَتُحاوِلُ جاهِدَة أنْ تُعِدَّ لنا بَعْضَ الطَّعام .

أخَذَتْني مَرَّةً مَعَها لِجَلْبِ ما يُمْكِنُ أكَلَهُ من أعشاب مِنْ وَعْرَةِ بلدة الغابسية المجاوِرة ، التي رُحِّلَ ناسها بعدنا بسنة ونِصْف السنة .

كُنّا هذِهِ المَرَّة شِلَّةَ أطفالِ مَعَ أمهاتِهِم وفوجئنا بِجُنود ، اعتلَوا سطحَ الجامع

في البلدة ،التي هُجَّرَ سًكّانُها مِثْلَنا ،وَ بَدَأوا يُطْلِقونَ الرَّصاص  نَحْوَنا ،

فَرَكَضْنا هارِبينَ مِنَ المَوْتِ وفي كُلِّ اتِّجاه .

ما زِلْتُ أذكُرُ ، اخْتَبَأنا ، أمّي وأنا ، حَمَتْنا مِنَ الرَّصاص . وَ حينَ تَوقَّفَ إطلاقُهُ الكثيف ، رَكَضْنا جَنوبًا إلى بلدتَيِّ الشيخ داهود والشيخ دَنّون ، الْلَتيْن لم تَبْعُدا كثيرًا ، رَكَضْنا جنوبًا ، رُغْمَ ما في الطَّريق الوعريِّ من شَوْك وَحَصَىً كانَتْ تُدْمي أقدامَنا . كان الرَّكْضُ نَحْوَ الجنوب لِحُسْنِ

حَظِّنا ، رَكَضَ الباقون شِمالًا يطارِدُهُم رَصاص الجنود من فَوق الجامع .

نَحْنُ بقينا ، أمّا الباقون ، فأبْعِدوا إلى لبنان مُهَدَّدينَ بالقتل بالرصاص وباتوا لاجِئينَ فيه .

بَقينا صُدفَةً ورُحِّلوا عَمْدًا .

هذه هي الحقيقة .

نَجَوْنا صُدْفَة وبَقينا صُدْفَةً .

وَكادَ مِنْ حُزْنٍ يَبْكي .

غالَبَ الحُزنَ والبُكاء ، قال ، عِنْدَها ، البكاء لا يُجدي .

 

التمساح

( من وحي حكاية شعبيّة افريقيّة )

( .. لنْ ... من  فصلٍ كانَ يُقْرَا في مصر الفِرْعونية القديمة لصد  التمساح القادم  لاغتصاب تعويذة  الإله المصري القديم " نو "  )

 

اسْتبْعدَتْ أمّي أنْ يكونَ بهلول اختطفهُ تِمْساحٌ وَنزلَ بهِ إلى قاعِ البَحْرِ والتهَمَهُ .

استبعَدَتْ ذلِكَ ، رُغمَ أنّ كَثيرينَ كانوا شُهودَ عَيانٍ ، رَأوْا ما وَقَعَ ، كيْفَ خرَجَ التمْساحُ ، فجْأةً ، مِنْ بيْن أشجارِ الْقُصّيبِ النامِيَةِ في المِياهِ الموحِلَةِ ، اختطفهُ مِنْ رِجْليْهِ وَشدّهُ إلى  أعْماقِ البَحْرَة والتهَمَهُ.

رَوَوْا ، لِيؤكِّدوا حَديثهُم ، أنهُم شاهَدوا في ذلِكَ الزَّمَنِ بُقعَ دَمٍ كثيرةٍ تطفو فوْقَ ماءِ

البَحْرَة ، مَكانِ الحادِثة وكانت أمّي اعتادت تسمية البُحيرة بالبحرة ،

استبعدتْ أمي ذلك.

روتْ، سمعت ناسا ًكثيرين ، من سَمَخ ومن نقيب ومن السمرا والباقورة ، يتحدثونَ في أمسياتهم ، بَليلةِ الهواءِ في الغور الحارق ، أنّ جنيَّة ًتسكنُ قصراً خربا في قاع  البحرة ،  تختطفُ الناسَ إليها ، ولكنها استدركت ، حين تذكّرتْ أنَّ ناساً كثيرين لا يُؤمِنونَ بحِكايات الجنِّ ، قالتْ :

يا ولدي سأحدثك عن تمْساحٍ ، كانَ يَعيشُ بيْنَ الناسِ وَكانَ مِنهُمْ .

يَحْكونَ في بلادٍ بعيدةٍ أنَّ التمْساحَ ، الذي يكثرُ في وِدْيانِها ، كانَ في القديمِ إنساناً عادِيّا ، يسْكُنُ في بلدةٍ ، تقعُ وسطَ غابةٍ وعندَ حافةِ نهرٍ كبير . يومَها كانَ الرجال والنساء مُنسجمين ، فالرجل جنّى والمرأة  بنّى ، كان الكل يعمل ، فالرجلُ يخرج

للصيد جماعات ، وتعمل المرأة في الأرض حول البيوت .

وكانَ في البلدة رجل خمول وكسول ، ادّعى أنه مريض ، فبقي في القرية . ولكنه كانَ يتحيّن الفرص ، يخرج الرجال إلى الصيد أياما طويلة ، فينتهز الفرصة ويتسلل

ليلا إلى  أسرّة النساء ، يُسْقطُ في حبائله البعض ويرفضه البعض الآخر ، تماما كما هو حال الكثيرات من نساء الأرض.

ضحِكتْ باكِيَة . ومن بعد انقطاع قصير عن الكلام مسحتْ دمْعَةً غالبتها ، فسحَّتْ رغماً عنها ، واصلت حكايتها :

لكن ، حينَ استشرى خطره ، شكته النسوة ، فقرر الرجال ، العائدون من الصيد ، أن يُلقنوه  درسا.

طردوه من البلدة ورموه مجتمعين بحراب صيدهم ، فأدموه وجرحوه . قفز إلى ماء

النهر ، شفي من جراحه ، لكن ظلت آثار الندوب ، التي خلفتها رماح الصيادين باقية  وظاهرة . اعتاد البقاء طويلا في ماء النهر ، والخروج إلى القصيب المنتشر عند الشطآن، يلوذ به ويختبِأ من عيون الصيادين ، يبطش بمن يخلو به من الناس ، تلاحقه اللعنة . فتمسَحَ جلده ، بمرور الوقت وصار تمساحا .

سكتتْ أمّي قليلا ، لاحظت انتباهي وكثرة اهتمامي بالحكاية ، قالت :

يا ولدي ، من يومها،  كثر الماء الموحل وكثر القصيب وكثرت التماسيح في عالمنا وحول شطآن البحرة . واعتاد التمساح من يومها حياة الخمول والكسل والعيش في المياه الموحلة وتحيّنَ الفرص للبطش بالآخرين .

قالت :

ربما هذا ما كان من مصير بهلول ، والتزمت الصمت .

وأخيراً، اقتنعت أمي بما حدّثَ الرواة عن محنة بهلول ، وبما خبرته في صباها .

قالت بصوت مسموع :

حقيقَةٌ محنة ، فما حدث لبهلول كان حقيقةً محنة.

وصدّقت كل حديثٍ عن بقع الدم ، التي انتشرت ، كالفطر ، يومها فوق سطح البحيرة.

همست في وجعٍ شديد :

ما أفظع الماضي ، القريب البعيد ، حين يصير حاضرا يطول ويبقى المستقبل رهن  الماضي . فلن يرجع بهلول ، كعادته ، وكما اعتادت رؤيته ، يفترش الرمل عند شطآن البحيرة ، يصطاد سمكها ، يأكله مشويّا ، ويقايض ما زاد عن حاجته بتفاح الهضبة  وعنب الجبل وزيتون المغار وحليب بقر عرب الغنّامة الذين كانوا يسكنون سهل  الحولة ذات يوم .

صمتت طويلا قبل أن تسرّ لي بلهجة حزينة وفي همس :

بدأتُ أشكّ في بعض قناعاتي ..

وَأرْدَفَتْ :

يحزنني حال البحرة  وحالُنا .

من يومها امتلأت عيدان القصيب والشطآن الموحلة تماسيح ،تُذَكِّرُني بِما كانَ مع بهلول .

 

 

 

 

 

 

 

الرجل  العجوز

(من وحي حكاية شعبية)

 

حدّثتني أمي مرّة ، قالت:

تنازع أخان على أرض ورثاها عن أبيهما.

قال الصَّغير ، وكان المُعْتَدي ، هذه الأرض كلها لي أنا وحدي.

رفض الكبير أن يشرك أخاه ، فيما كان حقا ، أرضه.

أعماهُما التنافس على الأرض .

فلم يجدا الاّ القتال خيارا والموت سبيلا.

كان الصغير، لفتوته ، أشدّ قوة وَمَضاءً وَذَكاءً . انتصر على أخيه ، أسكره النصر وأعمى بصيرته . لكن الكبير لم يستسلم ولم يسلِّم . وفيما هما يتقاتلان مرّ رجل عجوز، سألهما  عن سر قتالهما.

قال الأصغر:

هذه الأرض لي ولي الغلبة.

قال الأكبر:

هذه أرضي وعندي الحق والدليل.

تعجّب الرجل العجوز من حالهما ، قال للصغير:

معك الغلبة ، لكنك لم تسأل نفسك على من ستنتصر. وتنسى أن الدهر قلاّب، فيوم لك ويوم عليك. وإن بنيت جيرتك ودنياك على منطق الغلبة ،  فقد ينقلب يوما عليك .عش يومك ولكن لا تنسَ غدك . والتفت إلى الأكبر ، قال له:

حسنا، ليكن لك الحق ولديك الدليل ، لكن ينقصك حسن تدبر الأمر . ألم تفكر في التعاون،  ففيه حياة ،لا التنافس ، فهو مولّد للخصام ومورِدٌ للتهلكة.

نظر الرجل العجوز الى الأخوين المثخنين بالجراح والنازفين دما ، رثى لحالهما ،وقد  أدهشه أن الأصغر اختار  من السهل صخرة كبيرة وجلس عليها ، أما الأكبر

 

فانتبذ  مكانا قصيّا أقصي إليه وجلس على صخرة صغيرة . خاطبهما ، رفع صوته الأبح الهرم عاليًا ، كي يسمعاه جيّدا:

كل ما ستحتاجانه، أرضا مساحتها لا تزيد عن مترين.

فوجئ الأخان، حين نهضا لمعاودة القتال ، أنّ الرجل العجوز اختفى.

 

 

 

حِكايَةُ إوَزَّة

( من وحي برْدِيَّةِ الكاتب المصري

الراحل الدكتور

مصطفى هيكل طابَ ذِكْرُهُ )

 

حقيقة ، أصْدقائي القراء ، لا أدري مَتى وأيْنَ قرَأتُ هذِهِ الحِكايَة ومَنْ تلاها عَلى مَسامِعي ذاتَ مَرَّةٍ وَحَبَّبَها إلى نفسي . أعْترِفُ لكم أنَّ مَنْ يَكونُ أوَّلَ  مَنْ رَواها ، دوَّنها ، تفتقَ عقلُهُ عَنها ، قرَأها لِتحْتفِظَ بها الذاكِرَة ، مَسْألة لا تهُمُّني كثيرًا مِنْ قريبٍ أوْ بَعيد ، فما يَعْنيني هُوَ أنَّ هذِه حِكايَة حَقيقِيَّة .

أقولُ ذلِكَ قصْدًا لتصَدِّقوها مِثلي ، كما سَبَقَ لِعقلي أنْ صَدَّقها .

ولكِنْ للحيطةِ والحذرِ أوثِرُ أنْ ألفِتَ انتِباهَكمْ ، أصْدقائي القراء ، إلى أنَّ كلَّ شبَهٍ أوْ تماثلٍ قد تجدونهُ بينَ ما يجري حَوْلنا مِنْ جُنونٍ وبينَ بعْض إيحاءاتِ القِصَّةِ وما ترمي إليْهِ هُوَ مُجَرَّدُ صُدْفةٍ لا غيْر ، فلا تأخذنَّكُمْ بي الظنونُ ولا بالقصةِ ، مَعَ أنني أميلُ إلى الاعتقادِ والقول إنَّ بعضَ الظنِّ فِطنة وأنَّه أوّلُ الدُّروبِ إلى السَّلامة.

وأبيحُ لنفسِيَ القولَ:

أحسَبُ أنَّ جَدّاتٍ كثيراتٍ في زمنٍ قديم اعتدن قصَّها وتكرارَها عَلى مَسامِع  الأحْفادِ في الليالي الحالِكة ، شديدَةِ العَتمَةِ كحَياتِنا في هذِهِ الأيام ،

لِما في القصَّة مِنْ مُتعَةٍ ذِهْنِيَّة وقِصَصِيَّة مُسَلِّيَة وما فيها مِنْ حِكمَةِ حَياة .

وكيلا أطيلَ عَليكمْ حَديثي ، أسْرُدُها لكم ، كما احتفظتْ بها ذاكرِتي الشائِخة ، وكما يذكرُها ما تبقى فيَّ مِنْ عَقل .

يَحْكونَ كانَ هُناكَ نهرٌ في بلادٍ بعيدة ، يخرُجُ مِنْ مَغارَةٍ في سَفح جَبَل ،

ظنهُ أكثرُ الناسِ  مَسْكنَ آلِهة ، ماءُهُ صافٍ كقلبِ فتاة وَمُنعِشٌ كذوْبِ ثلجٍ مَمْزوجٍ

 

 

بنزفِ حبّاتِ ليْمون ، يعيشُ في مائِهِ سِرْبُ إوَز ، وكانتْ تعيشُ بينَ أترابها إوزَّةٌ ، اصابتها رُعونةُ تفتحِ حَياة .

فحينَ لاحَظتْ أنَّ ما توَفرَ مِنْ طَعامٍ عِندَ وَحَوالي ضَفتيِّ النهْرِ كانَ شحيحًا وقليلًا ، سَوَّلتْ لها نفسُها البَحْثَ عَنْ حيلة تمَكنها مِنَ الاحتِفاظِ بقليلِ الطعامِ لها وَحْدَها دونَ غيْرِها ، تلتهِمُهُ بجشع .

وفيما راحَتْ تتفكرُ في أمْرِ الحيلة ،وَجَدَتْ جلدَ ثعْلبٍ مَيْتٍ عِندَ ضفةِ النهر ، فسُرَّتْ بهِ وَلبسَتهُ خِفيَةً وبعيدًا عَنْ عُيونِ أترابها .

واختفتْ عَن الأنظار بينَ أوْراقِ الشجر .

وما أن ارتفعَتْ الشمْسُ كثيرًا وتوَسَّطتْ صَفحَة الأفق ، أصابَها بَعْضُ جوع ، فخرَجَتْ تعْدو إثرَ أترابها " الوزّات " وَقدْ أصابَهُنَّ فزعٌ شديد ، أحْدثتهُ المُفاجَأة ، أرْجُلُ إوَزَّةٍ  تعْدو ، وَسّطهُنَّ ، بجلدِ ثعلب ، سِحْنتِهِ الماكِرَةِ وَأنيابهِ القاطِعَة .

فترَكنَ أكلهُنَّ وَلذنَ بالفرارِ بحثًا عَنْ مَأمَن .

أكلتِ الإوَزَّةُ حتى شبعَتْ ، لكِنْ غابَ عنها أنَّ مَنْ قضى نهارَهُ يترَبَّصُ بها وبأترابها شرًّا ، يُراقِبُ كلَّ حَرَكة تبْدُرُ مِنها وَمِنهُنَّ ، الثعْلبَ الماكِرَ ،

راحَ يتفكَّرُ في الحيلةِ ويتدَبَّرُ حيلة أكثرَ خبْثًا وأكثرَ تضليلًا وَدَهاء .

وَهْوَ ما تأتى لهُ بَعْدَ طولِ تفكير ، مُراقبَةٍ وَأناة .

حينَ رأى الإوَزَّة في يَوْمٍ ثانٍ ، دَنا مِنْ عُشِّ سِرْبِ الإوَزِّ ، ثمَّ اصْطنعَ أنَّ عَرَجًا أصابَهُ وأنَّ خوْفًا مِنْ تلكَ الإوَزَّةِ ألمَّ بهِ ، فتظاهَرَ بالفرار .

صَدَّقت الإوزة الجشعة والمختالة ، بحيلتها ، كِذبة  الثعلب وحيلته . وغاب عنها أنه أشدُّ حيلة ، أكثر خبثا ، أشدَّ فتكا وعنفا وأكثر جشعا .

نسِيَتْ تلكَ الإوزَّةُ في  جَشعِها ما رَوَتهُ جدَّةٌ ذاتَ ليْل ، أنَّ مَنْ لهُ لحْمُ الأرْنبةِ، مَذاقهُ وَوَداعَتها، لا يَبْحَثُ عَنْ أكلِهِ بينَ أكَلَةِ لُحوم ، لا يتمثَّلُ بهِمْ وَلا يُعاشِرُهُمْ .

فالأرْنبَةُ يَجبُ أنْ تعي حِكمَة الحَياة ، وَشوَشتِ الجَدَّة أحْفادَها ذاتَ ليْلة :

 

 

الوُحوشُ ، أكلةُ اللُّحوم ، لا تغيِّرُ طبائِعَها ، إنْ هِيَ تظاهَرَتْ بلبْسِ جلدِ حملان .

وقد رَوَتْ هذِهِ الجَدَّة ، أنَّ إنسانًا عاش في القديم ، قبلَ زَمَنٍ طويل ، عِندَ حافةِ نهْر.

لاحَظَ ذاتَ صُبْحٍ أنَّ تِمْساحًا يَختفي بينَ عيدانِ القصَبِ النامِيَة عِندَ الضفة،

اعتادَ الخروجَ مِنْ مَخبَئِهِ والتِهامَ ما في حوش ذلِكَ الإنسانِ مِنْ ماعِزٍ وعُجول .

وقد فكرَ ذاكَ الإنسان في أمرِ التِمْساحِ وفي خطرِهِ وكيْفَ يَدْفعُ أنيابَهُ عمّا في حوشِهِ وَمائِهِ.

وبعدَ طولِ تفكير، وبلا طولِ سيرة ، تنكبَ بُندُقِيَّتهُ وأطلقَ ما فيها مِنْ رَصاصٍ في الهَواءِ، فأحْدَثَ دَوِيًّا يُشبهُ الرَّعْدَ في ليالي الشتاء ، أفزَعَ التمْساحَ ومَنْ كانَ عَلى شاكِلتِهِ .

فرَحَلَ التمساح بَعيدًا وَعَميقًا في النهْرِ، يُلاحِقهُ دّوِيُّ صَلياتِ رصاص السَّاكِنينَ قريبًا مِنْ ضفةِ النهْرِ ، ينفجرُ في الهَواء.

صَمَتتِ الجَدَّة.

لكِنَّ الإوَزَّة لمْ تعْتبرْ ولم تعِ ما عَنتهُ حِكايَة الجَدَّة عَن التِمْساح وَحِكايَة  الأرْنبَة.

وَكما في كلِّ حِكايَة مَرَّتِ الأيّامُ سَريعًا وَكبُرَتْ رُعونة الإوزَّة.

وفي ذلكَ اليوْم ، الذي عَرَفَ حيلة الثعْلبِ ، جَرَتِ الإوزَّة تتعقبُهُ لتخيفهُ . حتى

ابتعَدَتْ عَنْ أترابها ، وَأحَسَّ الثعْلبُ أنها باتتْ فريسَة سَهْلة بعيدًا عَنْ عُشها وبعيدًا عن أترابها .

وَهْوَما كانَ ، فالتهَمَها بشرَهٍ ، لمْ تأخذهُ بها رَحْمَة وِلمْ يُسْعِفها غباء .

قالتِ الجَدَّةُ ،التي كانت كما يَظهَرُ أوَّلَ مَنْ رَوى الحِكايَة ،قالتْ في حَسْرَة :

يا أحْفادي،

حينَ أدْرَكت الإوزَّةُ ، بَعْدَ فواتِ أوان ، أنّ ما حَفرَتهُ لأترابها وَقعَتْ هِيَ فيه .

كانَ الوَقتُ مُتأخرًا حقا ، لتسِرَّ لأترابها وَلمَنْ كانَ شبَهُها وشبَهُهُمْ حِكمَةُ الحَياة ، فمَنْ يبتعِدَ عَنْ أترابه ، عَنْ عُشهِمِ المُشترَكِ ويقتلهُ الجَشعُ ، يُضحي لُقمَة سائِغة يتلذَّذُ بها الثعْلبُ الماكِر .

 

" راني جايْ " يا أمينِة

 

لَنْ  تَمْثُلَ  الْحاجَّة  أمينِة  أمامَ  مُحَقِّقي  " الشّباك " ـ المُخابرات ـ وَلَنْ  تَتَوَرَّطَ  في  أيِّ   سُؤالٍ  أوْ  أيِّ  جَواب .

وحتّى  لوْ  مَثلَتْ  أمامَهُم  ووقَفَت  وجْهًا  لِوجْهٍ  في  غُرَفِهِمِ شَديدَةِ  الْعَتْمَة ، فَلَنْ  تَبوحَ  لَهُمْ  بأيِّ  سِرٍ  مِنْ  أسْرارها  الّتي  أخْفَتْها  عَنْهُم  لأكْثَرَ  مِنْ  خَمْسينَ  عامًا.

وَهْيَ كَتومٌ في  طَبْعِها فلا تُشْارِكُ  أحَدًا  في  سِرِّها .

وَمِنْ مَعْرِفَتي الطَّويلة  والْقَريبة  مِنْها  أظًنُّها لَنْ  تَكْشِفَ  لهُمْ  أنَّ  لَها  أخًا  وَحيدًا ، تَكْبُرُهُ  قليلاً ، يُقيمُ  في  مُخَيَّمِ  الْيَرْموك  مَعَ  عائِلَتِهِ مُهَجَّرًا  وَمًبْعَدًا ، يُقيمُ  في  بَيْتٍ ، هُوَ  أشْبه  بِخيْمَةِ  شَتات ، في شارع  الشَّهيدِ  جَلال  كَعْوَش  وَأنَّ  اسْمَهُ  أمين  ساسي  حسين  الْمْهَنّاوي . وَهْوَ ، مِثْلها ، من أصولٍ تونِسٍيَّة ـ جزائرية ، وُلِدَ في  قَرْيَةِ  سَمَخْ  الْفٍلِسطينِيَّة  الْمُهَدَّمة  والَّتي  كانتْ  تُطِلُّ  على  الشّطِّ  الْجنوبي  لِبُحَيْرَةِ  طَبَرِيّا  في  الموقعِ الَّذي  يَتْرُكُ  فيهِ  نَهْرُ  الأردن  المَسْبِي  " البَحْرة "  مُنْدَفِعًا  جَنوبًا  وبَعيدًا  إلى  حَيْثُ  لا  تَعْرفُ  الحاجَّة  أمينِة  شَيْئًا  عَنْ  مَصيرِ النَّهر ومصير أخيها .

ولا  أظُنُّها  سَتَقُصُّ  عَلَيْهُمْ  أنَّ  أمين  كانَ  قرَّةَ  عَيْنِها  وَقَدْ  رَعَتْهُ  مِثْلَ  طِفْلِها  وأنَّهُ  كانَ  كُلَّ  عالَمِها . وأنَّ  أمين  لَمْ  يَعُدِ  الْفَرْعَ  الْمَقْطوع  مِنْ  شَجَرَةِ  ساسي

الْمْهَنّاوي ، بَلْ  أورَقَ  فَرْعًهُ  اخْضَرَّ  واشتَدَّ  عودُهُ  وأنْجَبَ  بَنينَ  وبناتٍ  وأحْفادًا  وحَفيدات ، كانَ  ولا  يزالُ  فارعَ  الْقامَةِ  مِثْلَ  نَخْلَة ، أبْيَضَ  الْوَجْهِ  ، شَعْرُ  رأسِهِ  أقْرَبُ  إلى  الأشْقَر  مٍنْهُ  إلى  الْقَمْحي  وعَيْناهُ  واسِعَتان  وضاحِكَتانِ . ولَن  تُفاخِرَ  امامَهُمْ ، كَعادَتِها حينَ  تكونُ  مُسْتَفَزَّةً ، بَلْ  ستؤكِّدُ  لَهُمْ  أنَّ  أمين  كانَ  واحِدًا  مِنْ  عُرْسانِ  سمخ  الْحِلْوين  أمثال  محمد  صالِح  حسين  المهناوي  وأوْلاد  غْميرِدْ  وأبو  عَفّارْ  ومنصور  وشعبان  وأبو  جعادة وأولاد  سيدي  يَخْلف . كان  وكانوا  زينَةَ  سَمخ  وأملَها .

أعْرفُها  كَتومًا  لا  تَبوحُ  بِسِر ، خاصَّةً  سرِّها  الَّذي  لا  زالتْ  تَحْتَفِظُ  بِهِ  لأكْثَرَ  مِنْ  خَمْسينَ  عامًا . يَسْتَطيعونَ  قَلْبَ الدُّنْيا  وإقْعادَها  والصُّراخَ  في  وَجْهٍها  مُهَدِّدينَ  وَمُرْعِدينَ  غَيْرَ  مُحْتَرِمينَ  لِشَيْخوخَتِها  الَّتي  تَخَطَّتْ الثَمانينَ  وكانَ

 

شَعْرُها  راحَ  يَسْوَدُّ ( ولا  اقولُ  يَبْيَضُّ ) مِنْ  هَوْلِ  ما  عانتْ  مِنْ  أحزانِ  وألَمٍ  وَكِتمانِ  سِرٍّ  وَقَسْوَةِ  عَيْشٍ  وَتَقَلُّباتِ  حياة ، لكِنَّهم  لَنْ  يَفْلَحوا  في  انتِزاعِ  كَلِمةٍ  واحِدَةٍ  مِنْها . وإذا  ما  دُعِيَتْ  إلى  المُثولِ  في  حَضْرَةِ  الْمُحَقِّقينَ  مَرَّةً  أخرى ،

فَلَنْ  تَتَرَدَّدُ  في  الابْتِسامِ  في  وَجْهِهِمْ  تَعْبيرًا  عَنْ  سُخْرِيَةٍ  لاذِعَةٍ  وَعَنْ  سِرٍّ  أخْفَتْهُ  طَويلاً وَرَوَتْهُ  لي ،  حينَ  أخْبَرْتُها  أنَّ  الْمُؤسَّسَة  الْحاكِمة  فيما  كانَ

وَطَنَنا  أغْلَقَتْ  نافِذَةَ  الْلِقاءاتِ  وأنَّ  دَرْبَ  الشامِ  أوصدتها  بِتَوْصِيَةٍ  مِنَ  " الشَّباكِ " وكانتْ تَوْصِيَةً  مَمْهورَةً  بِحَماقاتِ  بَعْضِ  عَربِنا " .

قالتْ  وَقَدِ  اسْتَرَدَّتْ  بَعْضَ عافِيَتَها :

يا  وَلَدي !

لَنْ  أكْتُمَكَ  سِرًّا  ، فلأكْثَرَ  مِنْ  خَمْسينَ  عامًا  وأنا  أنتَهِزُ  عَتْمَةَ  الْلَيْلِ  ، أراوِغُ  عُيونَ  الْعَسَسِ ، لأجيءَ  سَمَخْ  طِفْلَةً  لَمْ  تَكْبرْ  أرْكُضُ  بَيْنَ  أزِقتِها  الْمُتْرَبَة ،  أدْخُلُ  بُيوتَها  ،  أقَبِّلُ  أهلها " إلْلَم "  يَغيبوا  عَنْ  ذاكرتي  ذاتَ  لَحْظَة ، أقَبِّلُهُمْ  فَرْدًا  فَرْدا وأنْدَهُ  مِنْ  قَحْفِ  رأسي :

" وينَكْ  يا  أمين ؟ " !!، فَيأتيني  صَوْتُهُ :

" راني  جايْ "  يا  أمينِة .. " وحَياةْ تْرابِ  الساسي وْمَيِّةِ البَحْرَة  وِبْيوتِ  الطّينِ  الْمَسْقوفَة  بالقَصَبْ راني  جايْ " !!

مِنْ  يَوْمِها  وَهْيَ  تَنْتَظِرُ ، تَحْتَفِظُ  بالسِّرِّ  ولا  تَبوح .

 

 

 

 

3  قصص من عملٍ نثري لم أحَدِّدْ  جنسه الأدبي  ، صدر وطُبِعَ أول مَرَّةٍ في عام  ( 2006 ) عن دار الكلمة في دالية الكرمل  ـ منشورات الشاعر الكرملي صديقي المَرحوم معين حاطوم . لم أحدد جنسه الأدبي ، وقد أسميته في حينه " أنا وعبد الله وقصص أخرى " . وقام الشاعر معين حاطوم بتصميم الغلاف مشكورا .

 

أنا ودينا

 

معذِرَةً أصْدِقائي ! لا تثقلوا عليَّ بالأسئِلة، فها أنا أمثلُ بيْنَ أيديكم لأعترف لكم ، أوْ أدْلي لكم بسري :

أنا أحبُّ دينا !

تنبهت زوجتي ، قالتْ لي :

 

أخشى أنْ يُسيئوا فهمك ، فقل لهم ما هِيَ !

عرَفْتُ مخاوف زوجتي وحِرْصَها عليَّ ، وكُنْتُ عرَفْتُها وخبِرْتُها طويلا وعشنا سِنينَ طويلةً ، نتقاسم حُلْوَها ومُرَّها ونتقاسَمُ فرشة التراب وَلِحافَ الْعَراء .

ضممْتُ إليَّ زوجتي بحَنانِ صديقِ عُمْرٍ ، قُلْتُ لها :

هِيَ حَقيقة ، أحِبُّ دينا ، ومن زمنٍ اختلط الأمْرُ عَلَيَّ ، عرَفْتُها دينا وأحْبَبْتُها قد الدُّنْيا ! لم أعُدْ أميِّزُ بين ما هِيَ ومَنْ هِيَ .

إطْمأنَّتْ زوجتي ، فاسْتسْلَمَتْ لِنَوْمٍ جَميلٍ ، خَفيفٍ وشبيهٍ بنومٍ الْغُزْلان. غطَّتْ في النَّوْمِ ، لاحظتُ وَتيرَة أنْفاسِها ، صُعوداً وهُبوطاً .

تسلَّلتْ دينا إلى سَريري ، مَدَّتْ إلَيَّ لِسانَها ، فحسِبْتُها تسْخَرُ منّي ، لكٍنَّها تُغْريني ، شَعَرْتُ بأنفاسِها توقِظُ شَهِيَّتي ، قبلتني طويلاً ، تعانقنا . وحين اطمأنت أنَّ زَوْجَتي نائِمَة حقا انحنتْ عليَّ بجَلالِ أمٍّ وحنانِ عاشٍقَةٍ مُغرِيَة ، وَمَكَّنتْني مِنْ تقبيلِ نَهْدَيْها النافِرَيْنِ مثل كوزَيْ رُمّان ، ناعميِّ الملْمَسِ صلبيِّ القِشْرَةِ ، أخذا يسْتديران .

شَعَرْتُ أنها فُرْصَتي ، أخذتُهُما بينَ يَدَبَّ بشراهة ، استغربت أمْرَها ، فمن اينَ جاءتْني هذِهِ الشراهِيَة؟ بدا لي وكأنَّهُما يودّانِ أنْ يقفِزا مِنْ مَعْقلهما ،

يفلتا منه من كثرَةِ ما كُبِتا فيهِ .

خفْتُ أن أضيِّعَ الفُرْصَة ، أمْسَكْتهُما بفمي في لين ، تَراجَعَتْ شراهِيَتي قليلا ، رَضِعْتُ بِشَهْوَةِ طِفْلٍ ، كان مذاقُهُما علقما ، ولكني في وَهْمي حَسِبْتُهُما طيِّبَيَّ المَذاق ، وقد ظَنَنْتُ لِغَبائي أن فيهما حَياتي وَمَوْتي .

بَقِيَتْ أحاسيسي مُخَدَّرَةً ، سَكِرْتُ  ، غَمَرَتْني نَشْوَةٌ ، أنْسَتْني أمري . صَحَوْتُ بَعْدَها قليلا ، فهتفتُ :

ما أجْمَلَكِ يا دُنيا وما أبْشَعَكِ !

 

أفاقتْ زوجَتي ، حينَ سَمِعَتْ في نومِها صَيْحَتي ، انسحبت دينا جانبا. أدْرَكْتُ ما أخافَ زوجتي . كانَ أوَّلُ ما قالته لي :

الدُّنْيا غرورة !

أخافني خوْفُها ، فضممتها إليَّ ، قُلْتُ :

هذي فُرْصَتُنا .

سألتْ زوجتي :

عن أيَّة فُرْصَةٍ تتحدَّثُ ؟ وهل أبقت لنا الحياة من فُرْصَة ؟

أفاقت زوجتي من نومِها . وجلست في السريرِ على مَقْرُبَةٍ منّي . خفتُ أن تكون رأتْ دينا .

قالتْ :

هلْ بَلَغَ الأمرُ بكَ أنْ تتحدَّثَّ إلى نفسِكَ ، بدأتُ أخافُ عليكَ .

تذكَّرْتُ ما نحن فيه وما بلغناه .

قالتْ :

خَزانةُ المَطْبَخِ باتتْ فاضية ، لم يبق في حوزتنا إلاّ " مَرْطبان " زَيْتون ، ستأكلُ ، هذه الأيام ، خُبْزاً وزيتوناً ،  فهذِهِ أقصى حيلتنا ، وبعدها ، رُبَّما يبينُ فرجٌ ، طالما تمسَّكْنا بحِبالِهِ ، وإنْ يكُنْ هذا الفرج بات مثل حُكومتنا ، تتنكَّرُ لِمَنْ في مثل حالَتِنا .

قُلْتُ :  لشدَّ ما يُحْزِنُني ! ما عاد في اليد حيلة ، سَدّوا كلَّ النوافذ .

قالتْ : تعني مَنْ بيده الرِّزْقُ ، الحكومة أمِ الله ، يُعْطِيانه لمَنْ ليسَ في حاجة لهُ ولا

يعوزه شيء وقد حرمانا من " فضلهما ".

التزمَتِ الصَّمْتَ علَّها تعودُ إلى النومِ ، فأعود إلى دينا ، لقدِ استعذبْتُ مذاقَ حليبِها رُغْمَ مرارَتِهِ في فمي .

قُلْتُ هامِساً ، مَخافة أنْ تَسْمَعَني زوجتي :

وكمْ مِنْ مُرٍّ شَهِيّ المذاق ! حَقاً اختلطَ الأمْرُ عليَّ ، هٍيَ حقيقة دينا وقد أحْبَبْتُها قدّ الدُّنْيا . شيءٌ مُحَيِّرٌ ما أنا فيه : خِلْتُها دينا وهي دُنْيا .

سألتْ زوجتي وقد بدأتْ نومَها من جديد وتكوَّمتْ إلى جانبي مثل أرنبة أليفة ، سألت بتثاقل وكان هَدَّها النُّعاس : مَنْ مِنّا لا يُحِبُّ الدُّنْيا ؟

لحظتها كَبُرَ في عينيَّ المُغْمَضَتَيْنِ طَيْفُ دينا ، يُعَمِّقُ بَصيرتي ويُنيرُ لي

بصري ، فبتُّ راضِيا بخُبْزي وزيتوني وبقولة : أحِبُّكِ يا دينا .

 

ـ

جَشَعون

 

( منعا لأيِّ التباس أجدني مُلزماً بأن أوضح ، في مستهلِّ هذه القصة الحكاية :

جشعون اسم علم مفرد ، وإن يكن شخصه يعني جمعا أو يوحي بذلك . اشتققته من العبادات المصرية القديمة ، عبادة الإله المصري الفرعوني أون مثلما هو الحال في أسماء صيدون ، بحمدون، ، مَجيدّون ، طبعون ، عبدون ، كفرون ، عجلون وغيرها . الاسم مشتقٌ من أماكن عبادة مصرية كَثُرَتْ في مِنْطَقَتِنا بعد غزو رعمسيس ، فرعون المصري للمنطقة ، لكن المسمَّى يعيش بيننا. أشباهه مُستَنسَخون ، ولذا نحسبهم كُثراً ونجد مُستنسخيه ، أشباهه ،من هم على شاكلته، في أكثر من قرنة في بِلادِنا ) .

 

مدَّدَ جَشعون قدميه على هواه .

قال ، مُطمئنا نفسه :

لا أحدَ يجرُؤُ ، في هذه العتمة المطبقة ، الاعتراض على ما ارتضيته لنفسي.

شعر بارتياح لا يخلو من غرور واعتداد بالذات، حقق ما ظلَّ طويلاً يتمناه في صحوه ونومه.

رأى نفسه :

يطأ العالم بقدميه. رأى الوديان وقد فقدت عمقها والجبال وقد فقدت قممها. أما الصحاري فنسيت حرَّها وجفافها ، فاستحالت غابات موزٍ  كريه الرائحة، لكن المُثير لشهيَّته وشهيَّة أصحاب مجلسه. تمدَّدَ في كلِّ جهات الأرض . وهو ما كان حَلُمَ به زمنًا طويلا .

تحسَّسَ كرشَهُ المُنتفِخ لكثرة ما التهم من حبات موز صفراء وخضراء. راح قبل قيلولته يلتهمها بشراهية. حدَّث نفسه :

حقا تأتي الشهيَّةُ مع الطعام.

لاحظ أنَّهُ كلَّما التهم أكثر ، كان كمن يعودُ إلى أوَّلٍ عهده ، كمن به جوع . ربَّت على كرشه برضى ملحوظ . أعجبته حبَّات الموز كثيرا رُغْمَ رائحتها الكريهة. ألمُهم ، قال ، إنَّها مُلتوية ، لكِنْ قابلة للالتهام وسهلة الهضم .

تحسَّسَ كرشه ثانيةً ، فأعجب بها كيف كبرت بهذه الضخامة . ذكَّرته بجوف الحوت في قصتين قديمتين ومُتناقلتين .

تقول القصة الأولى ، وهي الأقدم، أو كما يشاع من أساطير الأوَّلين، إنَّ الحوت

ابتلع صاحبه ، فبَقِيَ هذا في عتمة جوف الحوت فيما يشبه اللاوعي أو الإغماءة المُمتدَّة ، لَبِثَ فيه طويلا، بعض دهرٍ  وربما أكثر. ولم يعد الى الحياة إلاَّ بعدما شرب من مائها، فأفاق من اغماءته واستعاد وعيه وعادت الحياة اليه .

وتحكي القصة الثانية، القديمة ولكن قريبة العهد بنا ، أنَّ ملاّحا واسمه السندباد البحري كان يمخر عباب البحر على ظهر سفينة، ابتلعه حوت. فمكث هذا وسفينته ، وما عليها من خير ورزق جناه ، مكث طويلا في جوف الحوت . وقد عجب هذا الملاّح ممّا رأى في جوف الحوت. وحين عضَّه الجوع ، أشعل كعادته بعض الحطب لطهي بعض ما توفر له من طعام . فأضاء الحطب المشتعل العتمة وأثار رائحةً جعلت الحوت يعطس، فقذف ما كان في جوفه الى عرض البحر.

تذكَّر جشعون في سرِّه الحكايتين . لكن طمأن نفسه :

فما التهَمَهُ سيبقى في جوفه أبد الدهر ، فالزمن عندها سيكفُّ عن الحركة.

قال ، مُحدِّثًا نفسه، هاتان قصَّتان مُتناقلتان لا يصدقهما العقل ولكن يجمل بي الاستفادة منهما ما أمكن . فالنقل خير من العقل ، قال، وفيه مصلحة لكرشي  وحاول أن يضمَّه بين يديه، لكنه لم يفلح ، فكان شديد الإنتفاخ . وبينما راح يتحَّسسُ بإعجاب كرشه، حضره قول أمِّه فيه :

" مسكين جشعون، بيظل يبلع لكن ما بيشبع . رغيف بزتون ، رغيف بلمون ورغيف بإيشن ما كان يكون . حبيب إمّو لو فتح تمّو ، بلع إمّو وكل ما في الكون ".

انقلب جشعون على قفاه من الضحك ، حين تذكَّر قول أمِّه. لكن سَرعانَ ما انقلب الضحك غمّا ،ًإذ تذكَّر ما كان من أمره .

التهم بشره حبات الموز الملتوية، صفراء وخضراء . لكن حبة واحدة كانت دغريَّة وبيضاء اللون في القطف المذكور. عجز عن التهامها وهضمها . جرَّب ذلك ثانية وثالثة . لم يرق له لونها وأزعجه كونها دُغرية . وحين مدَّ أصابعه مرة أخرى لِقَطْفِها، فاجأته أنها تتكلَّم . حاول ابتلاعها فلم يتمكَّن . فودَّ عندها لو يستطيع قذفها كما قذف الحوت صاحبيه.

قالت له واثقة :

لن تستطيع بلعي وهضمي ، فمثلي مُستقيمة ، دغرية وحلقك لن يستطيع بلعي .

شعر أنَّ قوة خفية واتته ، لم يعهدها به من قبل، فخلص من حبة الموز تلك، فنطَّت هذه من حلقه لتلتصق من جديد بقطف الموز على الشجرة.

رفع جشعون بصره قليلاً، فذُهِلَ إذ رأى أنَّ حبات موزٍ كثيرة ، دُغرِية وبيضاء ، تطلع من قطوف أخرى.

 

 

ـ

يَبْحَثُ عَنِ الشيْطان

 

أصْغى لشَيْخِ البلدَةِ طويلاً .

حَدَّثَهُ الشيخُ ، قال :

يا وَلدي !

كُلُّ ما هُوَ خَيِّرٌ في عالمِنا هُوَ مِنْ فِعْلِ اللهِ .

وحَمَدَ الله على جَميلِ عَمَلهِ .

 

تابَعَ حَديثَهُ :

وأمّا ما كان من شرٍ ، فهْوَ من صُنْعِ الشيطان .

استدرك حديثه ، قائلاً :

إنها حِكْمَةُ الله ، فهو قادِرٌ على كلِّ شيء ، وفي برهة كان يمكن أن يقضي على فعل الشيطان وأتْباعِهِ . لكنَّه يمُدُّ في أجلهم ليوم عظيم ، يوم الحساب ، عندها ستعرف كل نفسٍ ما قدَّمَتْ وما أخَّرَتْ .

صمت الشيخ وقد لعن الشيطان في سرِّهِ وفي علنِهِ .

لم يسألْ وَلَدُهُ أسْئِلَةً كثيرة ، كما تربى منذ الصغر ، فكَّرَ سريعاً إنَّهُ الشيطان .

وكما فكَّرَ سريعا ، حزمَ أمْرَهُ سَريعاً ، تنكَّبَ بُندُقِيَّتَهُ ، حمل جِرابَ زادِهِ وقارورة مائِهِ ووضع السلسلة في رقبته وخرج إلى الصحراء ، يبْحَثُ عنِ الشَّيْطان .

أقْسَمَ الولدُ ، سيقتلُ الشَّيْطانَ ويُنْقَذُ عالَمُنا من شُرورِهِ .

تذكَّرَ ، أنها حِكْمَةُ الله التي تمُدُّ في أجَلِهِ ، فخشِيَ مِمّا هُوَ مُقدِمٌ عليه ،  خشي أنه بذلك سيرْتَكِبُ مَعْصِيَة الخُروجِ على حِكْمَةِ رَبِّهِ . أقسمَ ثلاثاً أنَ نِيَّتَهُ طَيِّبَةٌ ، أكَّدَ اسْتِعْدادَهُ لأنْ يَدْخُلَ النارَ ، راضِياً ، شَريطَة أنْ يَفْلَحَ في إنقاذِ العالم من الشيطان وشروره، فلا يظلُّ فساد ولا إثم . وأسْكَتَ مخاوِفه وأقنع نفسه :

سيغفر الله عملي وسيكافئني خيرا ،فلقد خلَّصْتُ عالمنا من شرور الشَّيْطان .

قال لنفسه :

مَنْ يفعل مثقال ذرة خيرا يرَ !

شعر بقليل من التعب ، اختار شجرة وارفة الظلال ونام ليستريح قليلا عندها . رأى في منامه ما أكَّده له الشيخ ، مرارا وتكرارا ، أن جند الله سيبقون معه . ورأى في منامه عالمنا خاليا من أيِّ سوءٍ ومن أي إثم . وحين استيقظ من نومه حمد الله وتابع طريقه .

سار طويلا ، وعند طرف بركة وجد شيخا جليلا ،اكتسى لحية بيضاء ، لوَّحَتِ

 

الشمسُ بَشَرَةَ جلدِهِ ، فاكتسب وقارا وهيبة ، رآهُ ينكش في مِعْوَلٍ ظهر الأرضِ ويقلبها ،فيخرج في كل مرة زرع أخضر ،يجمعه في كيس .

رحَّبَ الشَّيْخُ المُلْتحي بالضَّيْفِ الوافِدِ ، سأله عن مبتغاه وعن وجهته ؟

قال الولد الضيف :

جِئْتُ أبْحَثُ عن الشيطان خلف الصحراء ، لأقتله وأريحَ العالمَ منه ، فما هو جارٍ في عالمنا لم يعد يُحْتملُ .

وهو أساس كل شرور .

ضحك الشيخ الملتحي بصوت عالٍ وقالَ :

طريقك يا بنيَّ وَعْرٌ .

ولكن قبل أن أدلك على الطريق الموصل إليه ، سأريك صورا تظهره على حقيقته، فيسهُلُ عليك التعرف عليه ،حين تلقاه !

لَمْ ينتظِرِ الشيخُ المُلْتحي جوابَ الوافِدِ ،تناول حزمة صورٍ ، عرضها عليه و سألهُ :

قُلْ لي مَنْ هو الشيطان في نظرك !

وأنا سأقولُ لكَ الحقيقة وكيْف تصِلُ إليه !

خاف الوَلَدُ الوافِدُ من المواجهة ، توقَّعَ أهوالا ، لكنَّهُ لم يتوقع أن يقف أمام هذا السؤال ، لكنه عرف كيف يخفي خوفه . تأمَّلَ الصُّور ، تمثلها مليا في خياله ، كما تركها شيخ البلدة ترسخ في مخيلته وبعد لأي ، هتف فرِحاً : هذا هُوَ .

قال في نفسه ، عند الاختيار ، يُعْرفُ عن الشيطان ، كما حدَّثَهُ شَيْخُ البلدة طويلاً ، المكر والخبث والنميمة والكذب والاحتيال والطمع وله قرنان ويلبس طرْبوشاً أحْمَرَ .

هذا بعضُ ما تذكره من أحاديثِ شيخ البلدة .

هزَّ الشيخ الملتحي رأسَهُ ، مؤكدا أنَّ الاختيار لم يكن موفقا .

سارع الوافد ، مؤكدا :

هذه ، واختار صورة أخرى .

 

كرَّرَ الشيخ الملتحي حركة رأسه ثانية وثالتة ورابعة ، حتى فرغ الوافد من تقليب الصور .

قال الشيخ الملتحي :

أعجب منك ،

تُريد قتل عدوِّ لا تعرفه ،

لم تتعرَّفْ كفاية على حقيقته .

أوافق في كلِّ ما تقوله في أمر عالمك ، لكنك تُخْطِئ التوصيف وتشخيص السبب وتبحثُ عما هو موجود وما هو في الوقت ذاته غير موجود !

سَكَتَ الشيخ الملتحي طويلا ولم يتكلم الوافد كذلك .

كسر الشيخ الملتحي الصمت وقال مفاجئا الوافد :

يا بُنَيَّ ... أنا هُوَ الشيْطان ، فأنا بعض ناسك !

فوجئ الوَلَدُ الوافد ، كيْفَ لم تُزَلْزَلِ الأرْضُ عند ذكره .

اسْتَعاذ بِهِ مَرّاتٍ .

وبعد بُرْهةٍ وجيزة أفاق من ذهول المفاجأة . سأل مرتجفاً :

أأنتَ هوَ حقا من أبحث عنه؟

قال الشيخ الملتحي :

نعم ...

أنا هو الموجود وغير الموجود ، موجود إنْ شئتَ وغير موجود إنْ تَحَقَّقْتَ وبَدَأتَ أنتَ وكثيرونَ من ناسك تطرحون أسئلة ،

فَتَبْدئون وعَيَ الحَياة!

فوجئ الولدُ الوافدُ حين أبصر أن الشيخ الملتحي اختفى ، كأنَّهُ ما كان . تناول بندقيته وحاول أن يصوِّبَها ، سأل نفسه وقد بدأ يطرح أسئلة :

مَنْ سأقتُل ؟ وفي أيِّ اتجاهٍ سأصَوِّبُ الرصاص ؟

وَأحْرَجَهُ كثيرُا سؤالُ نفسِهِ :

هَلِ التَّقاتُلُ وَسَفْكُ الدَّمِ سيُنْقِذُنا مِما نتألَّم من أكثر ما يفعله ذاك الشيطان ؟

ظهر الشيخ الملتحي ثانية ، كأنَّهُ ما اختفى ،  قال :

هُنا تبدأ المشكلة ،

هَلْ نَبْدَأ بإطلاق نار فلا نرى نورَ حَياةٍ تصيرُ غَيرَ ما نحنُ فيه !

وأضاف بكل جدية :

ألم أنْبِئْكَ بحقيقتي ،

فأنا موجودٌ وغير موجودٍ .

إرْمِ البُنْدُقيَّة جانبا ،

أخشى أن تُطْلِقَ النار على نفسك .

أخذ الشيخ يبتعد قليلا عن الوافد ، بدأ جسمه يتضاءل كُلَّما ابتعد .

انتاب الوافد شُعورٌ من الخوف شديد . خاف المواجهة . عَقَدَ الخوف المتزايد لسانه ويده .

حدَّثَ نفسه :

كان خوفا لم أعهده من قبل ! وكأن الشيخ آخِذٌ في الاختفاء ، تراجعت حدَّةُ صَوْتهِ ، لكنه ظلَّ مسْموعاً ، شيءٌ غريب ، يتحدث ، كمن يقول لي :

أنا لا أخاف بُنْدُقيتك ، أخاف عليكَ منها !

شُبِّهَ للضيف الوافد أنَّ الشيخ الملتحي أخذ يصمت ، كُلَّما ابتعد قليلا وكان كمن يفكِّرُ برويَّة ، يختارُ كلماته التي سيقولها له . فراح يصغي لصوته الخافت تدريجيا .

رأى الشيخ وكأنه يحدِّقُ فيه في نوعٍ من الحزن !

سأل نفسه ، مَرَّةً أخرى :

أكان ما شُبِّهَ له حزناً ، لأنَّني جئتُ لأقتله ؟

أم كان حزنا على ما أنا فيه .

كسر الشيخ الملتحي صمته وقال مخاطبا الضيف الوافد :

 

أنا لا أخاف بحثك عنّي ،فأنا موجود إن شئتَ ولستُ موجوداً ، إنْ تحققت . البحثُ أولُ المواجهة مع الحقيقة ، والحقيقة موجعة ومؤلمة ، لقد اعتدتَ السير في أسهل الطرق ، فتتخيَّل من تُحَمِّلُهُ مسؤولية صنيعك .

ضعُفَ صوتُ الشيخ وبدأ يختفي تدريجيا ، فاشتدَّ خوف الضيف الوافد .

كان آخِرُ ما سمعه من حديث الشيخ المُلْتحي قبل أن يختفي كُلِيّاً وييأس من البحث عنه :

ابْحَثْ بين قدميك ، عُدْ إلى حيثُ أتيْتَ ،

لا تُطْلِقِ النار ، أخافُ أنْ تقتُلَ نفسك !

 

 

 

 

 

 

( نصوص مختارة من العمل شبه الروائي " زهرة الجرندس " الصادر في عام 2009 )

 

 

أحمد الخَطّاف

يبدأ الكلام

مهداة إلى الصديق العزيز أحمد مصاروة

أبو عروة من عرعرة في المثلث الشِمالي

 

 

 

حَدَّثَ أحمد الخطاف صديق سِنِّ الرُّجولة مسعود الجليلي ، ذات يوم . وكانا التقيا في مطعم صغير في يافا ، يقدم أكلة المخلوطة المصنوعة من مهموس الحمص ومهموس الفول ، مُتبَّلًا ببعض فصوص ثوم ، قليل من زيت الزيتون وعصير ليمون أصلي .

قصًّ عليه ما كان معه في كرم عنب يعقوب الزخروني، روى أحمد :

كنت يومها ولدا يركض بين حواكير القرية ، الواقعة في موقع يقع عند المنفرج الجنوبي لواد يفصل بين تلال الروحة المنبسطة ككف يد وبين مرتفعات الخطاف الغنية بأشجار الزيتون ونبات السنديان البري وفي المكان الذي يبدأ في الانفتاح على سهول خصبة تتمدد جنوبا وغربا ،حيث تكثر ديوك الحجل ، ملونة الريش ، بين كثبان رمل شَطِّ البحر الغربي .

قال :

أذكر جيدا ذلك اليوم ، حين أتى من رَضِيَ أنْ يكونَ رَسولَ يعقوب الزخروني إلينا ، جاء يبحث عن أولاد ونسوة للعمل في كرم يعقوب ، تنظيفه سنويا من العشب والحجارة والعمل في قطف العنب .

يومها انتقلت للمبيت والعمل في الكرم وفي إسطبل الخيل والبقر ومزرعة الدجاج

الملحقة ببيت يعقوب الرحب . هناك عملت سنوات عدة ، عرفت ما كانه يعقوب. وهناك انتهت طفولتي سريعا ، نسيت شقوناتها وبدأت أعي الحياة ، طيِّبَها ومثالِبّها. حدَّثني من عرف يعقوب أفضل مني أنه حين يقرر التخلص من أحد عامليه ، يلجأ إلى المماطلة في دفع أجرة العمل عن الشهور الأخيرة وإلى السوط والتخويف بالشرطة ، التي كانت سرعان ما تأتي للقبض على من وصفوه بالمتسلل إلى الكرم ، اعتقاله ، عرضه على القضاء للحكم عليه وإعادته إلى قريته أو إلى أي مكان منه جاء.

حين سمعتُ ذلك من أكثر من فم وأكثر من مرَّة وبدأتُ أتَحَسَّسُ ما ينوي فعله بي ، ادعيت أن أمي مريضة ويفترض بي أن أكون قرب سرير مرضها في القرية ، رغم علمي أن لا سرير في بيتنا الطيني ، ورجوته أن يقرضني بعض النقود ، فدفع لي كل ما كان لي من أجرةِ عمل .أعترِفُ كان ذلك تحايُلا مني ، لكنني لجات إليه خِشيَة مِمّا يُمكن أن يفعله بي .

 

 

ولما أفاق على حيلتي واكتشفها ، كان سمع أني أبحث عن عمل في كرم جار له ، لكن يسكن بعيدا عنه ، انقض علي بغتة بسوطه وأشبعني ضربا وتركني مطروحا أرضا وحين حضرت الشرطة ، اعتقلتني بتهمة التسلل إلى البلدة ، قدمتني للمحكمة

، غرمتني المحكمة فأعدتُ ليعقوب ما أخذته من أجر عملي ، خسرت أجرة الأشهر الأخيرة وخسرت فرصة العمل ، أعادتني إلى قريتي والقت علي الحرمان لسنتين ، فلا أغادرها لأي عمل طيلتهما وأمرت بمنعي من العودة إلى ما صار بلد يعقوب أو الخروج من قريتي إلى أيِّ مستوطنة قريبة .

وذات عصر بعد ما كان ،

حدَّثَ أحمد صديقه مسعود ، الذي كان يلتزم صمتا مدويا ، حدثه :

سَمِعْتُ أمي تقول للنسوة جاراتها وقد اجتمعن لشرب فنجان قهوة :

ابن حرام هذا اليعقوب ، استفسرتُ عنه ، فحدثني من كانوا بأصله وفصله عارفين .

أمه كانت حفيدة من كان يعمل مرابيا وتاجر ذهب في بلده ، وهو الذي طلب من أبنائه أن يدعوا  نسلهم وكلَّ من يأتي بعده باسمٍ وَرِثهُ عن جده ، هو اسم "الترَّسي الحمراء".

مرت أيام ودار دولاب الزمن وكان ما كان وأغنته المحن ، محن آخرين ، فانهال

عليه بحر من مال ، هو مال الربا ، أغناه كثيرا ، ولما كبر أبناءه الذكور الأربعة ، أرسلهم إلى جهات الأرض الأربع :

أرسل من كان أكبرهم غربا ما وراء مضيق وما خلف بحرٍ يَنفتِحُ على بَحْر هُوَ أكبر منه كثيرا ،

وأرسل الثاني إلى الجنوب الغربي ، إلى بلد يطلُّ على عالم أوسع منه، وأكثر ثراء وخيرات أرض ،

وأرسل الثالث إلى ما خلف المحيط

وأرسل الرابع إلى بلد يجاور بلده من جهة الجنوب والغرب ، يقع خلف نهر وبين جبال شاهقة .

وحين اندلعت حروب بين تلك البلدان ، عمَّ اليتم والشقاء بلدانا كثيرة ، موَّل كل أخ حكومة البلد الذي جاءه ، مزينا لها فرص الحرب ، تظاهر كل أخ بالانتصار للبلد الذي اختاره وأرسل إليه !

قالت أمي ،

حكى أحمد :

حدث يومها ما حدث ، انقلبت الحروب على مّشعليها ، فاكتوى بعضهم ببعض لفحها واكتوى الآخرون ، وهم الأكثرون ، بحرِّ نارها وعم الأرض خراب .

أما الإخوة الأربعة وفي مقدمتهم أبوهم ، فغسلوا أياديهم من بعض ما فعلوا كما

غسلوه من قبل من دم أخيهم يوسف ، أنشأوا دولة ليست ككل الدول ، ازدادوا غنى وثروة ،عاثوا في الأرض فسادا، أشعلوا فيها الفتن ، أشاعوا القصص وروَّجوا الأساطير، وطوَّعوا في خدمة ما نووا الحمام الزاجل ، السفن الصغيرة السريعة وأجنحة البرق ، لتأتيهم بما ينبض ويتنفس حياة في جهات المعمورة ، فدال لهم الزمان لأكثر من مئتي عامٍ أو يزيد.

حكت الأم :

ما تجمَّع من ذهب وفضة في خزنة يعقوب الزخروني كان بعض ما أورثته أمه مما جمعته من جيوب الناس وما ورِثتهُ عن أبيها وما كان ورثه عن أجداده وذويه من الأقربين ، وما تجمع من عرق ابني وأترابه وزاد غنى فاحشا ، حين ضم إلى كرمه أرض الشيخ بريك ، القرية المجاورة لما كانتْ زمّارين وطُوِّحَ بناسها في كل شتات .سكت أحمد ، كف عن الكلام وكان صمت مسعود الجليلي مُدَوِّيًا .

أمّا أمُّ أحمد الخطاف فمسحت دمعة حارقة ، نزفت من عينيها ، وقالت في صوتٍ شِبْهِ مخنوق ، كما روى أحمد :

أيّة بلوى وأيُّ بلاءٍ أصابا الوعرة وناسها .

 

 

 

 

ما روته امرأة عجوز

 

تذكر مسعود الجليلي ما روته امرأة عجوز من عرب الكمانة ذات يوم قبل أربعين سنة ، وكان يلهو بنبش تراب زيتونة الحاكورة كعادته في الصغر ليتنسَّم عبق التراب ويتلمَّس ما فيه من دفء وطن ويرى فيه ما تكونه نقطة من ماء بحر .

قالت العجوز وقد استمع إليها جالسة عند براكية الصفيح ، قريبا من مربط الحمار ، من سرير الحفيد المربوط بغصن ثخين لشجرة خروب ، نبتت في المكان ، وقريبًا من شجيرات بلاّن الوعرة ، في موقع يطل على المدينة الجديدة وقد راحت بيوتها الشاهقة تدمي العيون ،

قالت العجوز:

سطوا في عز الظهيرة على ما كان وعرتنا وفيها مراح الغزلان ، أتونا من بطن الوادي ، قادمين من نحف ، ربما من ساجور ، لا أدري ، ربما من الرامة وربما من كفرعنان أو جارتها فراضية ، آتين من ظهر الجبل ، من عين زتون أو

الصفصاف وربما جاءوا من القبل الجنوبي من سهل الملِّ حين اقتربوا من براكيتنا ، اعترضهم زوجي وعشير عمر الشقونة ، سائِلا  ما يبغون ، وكان يتوكأ على عصاه ، أمطروه بزخات رصاص وأبقوه جثة هامدة ، لا حراك فيها ، تحيطه بركة دم حمراء ، عقد الفزع ألسنتنا ، فرفعنا شرشفا أبيض ، حسبناه سيمنحنا الأمان.

يومها حكت العجوز :

أحسب أن صخور الوعرة ، شجر السريس فيها ، غربان البر وثعالبه ،

سمعت نحيبي المفجوع ومرارة البكاء .

هزَّ مسعود الجليلي رأسه وجعا وراح ينبش التراب ، تذكر في وجعه ما تحكيه ثلاث أساطير ، قرأها ذات يوم .

تقول الأولى :

حين عاد قوم من بر صحراء إلى ما وعدهم به إلههم ، أزال ذاك الإله كل من كان

يعترض درب عودتهم إلى الأرض الموعودة .

تقول الثانية :

اتفق إخوة فيما بينهم على التخلص من دم أخيهم الأصغر والأجمل ، فألقوه في غياب جُب ، هو بئر مهجورة ، لا لشيءٍ ، إلاّ لأن أباهم أغدق عليه عطف أبٍ وكان ابن أم ليست بأمهم .

أما الثالثة فتقول :

أنَّ أحَدَ الغُزاة جاء قريَةً ، دخلها سِرًّا ، ذات مساء في زمنٍ ما ، أطلعته زانية على أحوالها ، خرج عائدا إلى جنده وعاد بهم إلى تلك القرية ، صباحا ، وقد أنبأهم بأن آلهتهم أوصتهم بألا يبقوا أثرا لمن كان يسكن القرية ممن يمشي على قدمين أو من كان يدب على أربع ، أما الزانية فأوصاهم بها خيرا .

حدَّثَ مسعود عقله ، وكان أجهده في البحث عن تسوية لما هو فيه ، قال :

لا يؤتمن من هذه هي أصول ثقافته !

كفَّ عن نبش التراب والتزم الصمت في حين راح يشتدُّ التصاقا بصخرة الحاكورة ، صخرته المحببة.

 

 

طيْطَبا

 

حكى مسعود الجليلي ، كان ذلك قبل أيام ، حضرني صديق عمر وأمل اسمه يوسف الموسى من عكا ، يعمل سائق أجرة ، قصَّ عليَّ ما بت أذكره جيدا ولا يعقل أن أنساه ، قال :

جاءني قريب زوجتي، وكان هاجر من مخيم "عين الحلوة" في جنوب لبنان إلى كندا ، وصل البلاد سائحا ، وكان أول ما نوى زيارته ، قريته التي أبعد عنها وباتت بيوتها كومة حجارة ، قرية طيطبا القريبة من الجش والواقعة على مقربة من مدينة صفد في الجليل الأعلى ، عروس جبل كنعان منذ كان القدم .

حين هبت ريح النكبة كان عمره خمسة أعوام ، وبعد ستين عاما من الهجيج والترحال لم يخفت فيه الحنين إلى ما كانته طيطبا ! أدمن الهجيج والترحال قسرا ، سَدّوا عليه كل المنافذ ، أبقوا له باب البحر للتلاشي والضياع فيه ، لكنه أبحر ولم يضع ، عرف كيف يعود ليجدِّد تشبُّثه بطيطبا ، كيما تسْهُلَ عودته إليها ذات غد . كان اسمه أحمد شناعة ، أما زوجه ، فولدت في المخيم في لبنان وكان اسمها صَبحة شناعة ، تصغره قليلا ، لكنها لا تعرف طيطبا إلاّ من خلال ما روته أمها وقصه أبوها وسمعته من آخرين . وكانت طيطبا أشبه بحلم ، يبدو عصيا على التحقيق ، لكن عصيا على النسيان.

سأل أحمد شناعة عن موقع قريته وما إذا كنت أعرفه . قلت ، حدَّث السائق :

لي معارف وأصدقاء في عكبرة وهم سيرشدوننا ، لنجد طريقنا إلى هناك . وهو ما حدث ، وصلنا بعد سؤال ورده إلى العم أبو محمد حليحل ، بادر مُحَدِّثنا من برطعة بسؤال من يكون الوافد  :

تراك ابن مصطفى أم ابن ابراهيم شناعة ؟

ردَّ الزائر الآتي من كندا :

أنا ابن مصطفى وابراهيم هو عمي  !

فلم يكن من المتحدثيْن إلاّ أن نهضا من مقعديْهِما وبدأا عناقا راحَ يَطول .

روى السائق:

تخلل العناق تنهُّدٌ باكٍ.

بعدها خرجنا، وكان معنا أبو محمد وابن أخيه محمود حليحل، صديقي من سنين.

وصلنا بعد فترة، وكان واضحا أن بيوت القرية وما كان فيها من معصرة زيت ، بركة تجميع المطر في الشتاء ومطحنة القمح وغيرها من معالم البلدة دُمِّرَ كليا .

فلم يبق إلاّ ركام الحجارة المقتلعة ، بعض شجر الصبر، شجرة زيتون، شجرة كينا، بعض معالم ما كان مقبرة وبضعة سناسل.

كان من الصعب التعرف على معالم حقيقية ، فجامع القرية هُدِمَ وكذلك مبنى المدرسة . وحين لم يجدوا ما يؤكد موقع البيت ، رفعت صَبحة سَمَّاعة الهاتف المحمول وهاتفت أمها في المخيم، ندَهَتْ:

يا أمي! لو تدرين! أحمد وأنا أفلحنا في الوصول إلى قريتنا طيطبا، لكن هل ما زلتِ تذكرين ما يدلنا على موقع البيت، فالقرية باتت كومة حجارة!

سالت صبحة أمها!

ردت الأم من الطرف الثاني وكان صوتها مسموعا، يغلب عليه صوت بكاء مكتوم:

بيتنا كان في أعلى تلة القرية، أخاله لا زال هناك! من شرقه شجرة كينا عالية، في الغرب بركة ماء محفورة في الصخر وشجرة زيتون، وفي الشمال، بعيدا قليلا  كانت مطحنة القمح وإلى الجنوب منه كانت المعصرة!

راحت الابنة، صبحة، تغالب سُمْنته ، تركض مثل قطة محزونة، لكن فرحة،

بين الشوك والحجارة المتناثرة في المكان، وكانت حريصة على مواصلة سماع الهاتف، تتفقد المواقع لتحدد موقع البيت وما كان حوله،

قال السائق:

دهشتني تلك المرأة كيف راحت تقفز بين المواقع الشائكة وبين الحجارة،

غير آبهة بسمنة بادية عليها ولا بشيخوخة بدأت تتسرب إلى جسدها،

فكان كل همها تحديد مكان البيت، لتسهل العودة إليه حين تلوح بشائر عودة.

وكأنها كانت مندفعة بشعور قوي لتأكيد ما لم يستطع شطبه غائل الزمن:

هنا كان بيت أهلي ولا يزال!

حدَّثَ السائق:

قضينا معظم ساعات العصر في ظل شجرة الكينا، يروي العم أبو محمد حليحل بعضا من ذكرياته ومن يذكره من ناس طيطبا وشقيقاتها وكيف انتكبت.

لكن سرعان ما انحرف النقاش الكان ودودا، لكن كانَ مُحتدّا بين العم أبو محمد حليحل، ابن اخيه محمود، الضيف الوافد من كندا ، زوجه وأنا، انحرف النقاش ليدور حول سؤال:

كيف يمكن الجمع بين حق البقاء وحق العودة وأين يجمل بنا أن نبدا بالمطالبة والعمل، أكد السائق :

أشغلنا السؤال كثيرًا !

هل ثمة عودة دون بقاء؟

وهل ثمة بقاء دون عودة؟

بعدها صمت السائق، قال :

في طريق العودة ، التزمنا الصمت الأخرس ، شديد النطق وأفصحه،

إذ أدرك كل واحد منا لزوم أن يسكت ، نسكت ، ليتحدث واحدنا مع نفسه، علَّنا نعرف حقا ما هو الجواب ، فيكون ذلك أول المطالبة وأول العمل.

 

ـ

ما رواه زميلي

رائف ذاتَ يَوْم

 

حين تقدمت بمسعود الجليلي السنون وراحت تداهمه الشيخوخة المبكرة اعتاد في مثل ذاك النهار الربيعي المشمس، لكن بليل الهواء، مغالبة عجزه والذهاب مع زوجه بصحبة زميل قديم، اسمه رائف المسالم، لقضاء بعض الوقت في أحضان طبيعة وعرية، في كرم يعود لذلك الزميل، يكثر فيه الزيتون السوري المعمِّر، بعض أشجار تين وبعض أغراس عنب أخضر وأخرى أسود، كانت تتعمشق صخوراً حجرية، اصطفت على هيئة سنسلة تحيط بالكرم، وقد لفَّت تلك الأغراس

 

السنسله بما يشبه زيق العروس الأخضر، مضفية على موقع الكرم جمالا يسلب النظر والذهن!

وكانت زوجة ذلك الزميل سبقتهم إليه، فاختارت زاوية مرتفعة في الكرم منظفة من الحجارة وعشب الشوك البري، نصبت فيها مقاعد مريحة وطاولة خشبية غطتها بشرشف خفيف لوقاية ما أعدت لتلك القعدة من فطائر محشية بنبتة المصرية وأخرى بزعتر وغيره من عشب بر، وقد جلبت صحن زيتون أسود، مرصوص

ومتبل بقليل من زيته، يخالطه مسحوق فلفل أحمر وبعض أوراق نبتة الفيجن ذكية الرائحة، وصحن لبنة مغموسة بالزيت وبعض رؤوس البصل.

كان الكرم يتوسط جبل المحوز المنفتح على مشهدية سارقة للبِّ والنظر.

جلس الأربعة حول الطاولة وراح مسعود، مبهورا بجمال المكان، يُنقل النظر جنوباً، شرقاً، شمالاً وغرباً، كاد يصيح:

ما أجملك يا وطن!

راح الزميل رأفت يتحدث عن تجربته في المدرسة، تجربته التدريسية، وكان مسعود لا يزال يتأمل صامتا قرى الشاغور الثلاثة وقد التصقت بمنحدر جبلي، عند أقدام جبل المحوز، إلى الشمال من واد، شكل من قديم نقطة فصل ووصل بين أعالي الجليل وأسفله، ينتقل بناظريه إلى عرب الكمانة ومرتفعات الجليل الأسفل الممتدة إلى بعيد.

قال الزميل رائف :

يا مسعود!

سأطلعك اليوم على تجربة لي، قد تعيننا في وعي ما يحيط بنا اليوم وما وصلناه!

أذكر، كان ذلك في خريف سنة 1962،

في تلك السنة عُيِّنتُ مدرسا في وادي الحمام.

كان الأمر بالنسبة لي في البداية نفياً، فلم أبحث يومها عن واسطة، أو جاه عائلة يعينانني على البقاء في القرية. قبلت التعيين المذكور مرغماً، فكان كل أملي، أن أصير مدرسا. كان حلمي أن أكسب النشء الجديد بعض معرفة كسبتها من غيري، ممن علموني!

وحين وصلت القرية، قابلت المعلمين المعينين حديثا هناك وعرفت معهم لأوّل مرة ما كانت قرية وادي الحمام.

فالقرية لم تكن قائمة قبل ذاك العام المشهود!

قال مقاطعاً حبل الحديث:

لا شكَّ تعرف ما أعني وأيَّ عام.

أعْلِمْنا أنَّ ساكني المكان جاءوا صدفة ومكثوا صدفة فيه، فكانوا قلة من عرب قرى الحولة المهجرة، اجتمعوا في ذلك الوادي الأجرد، المهجور والمنزوي بعيداً عن كل عين وكان لا يسكنه إلا بعض ضباع البر، ذئابه وبعض الكلاب السائبة، فأقاموا فيه مساكن من صفيح وتنك عتيق، ترد عنهم قطرات مطر الشتاء حين تسقط ولكن يكتوون داخلها بلسع حرِّ الهاجرة في صيف الغور الحارق.

ذكرنا الموقع بما قاله رسول كريم

ربي، أسألك العون فقد تركت من ذريتي في

« وادٍ غير ذي زرع ».

وكانت المفاجأة حين عرفنا أن المدرسة، التي أرسلنا إليها للتدريس، لم تكن قائمة فعلاً، فلا مدرسة، لا تلاميذ ولا يحزنون!

فما قيل لنا إنه مدرسة كان براكيتان من تنكٍ صدئٍ ، هرب أكثر التلاميذ منها إلى العمل الموسمي في الزراعة وغيرها من الأعمال المطلوبة في المستوطنات اليهودية المجاورة.

كان واضحاً لنا أننا سنبدأ عملنا من نقطة الصفر وإلا نعود إلى التسكع في طرقات قرانا!

وذلُّ الحاجةِ فيها!

وفعلاً شمَّرْنا عن سواعدنا، تشاورنا فيما بيننا، نحن الأساتذة، بيننا وبين ساكني وادي الحمام.

وما أن انقضت شهور على بدئنا التدريس في وادي الحمام اكتملت عملية التعارف الزمالي بيننا.

اتضح لكل منا أنّا جئنا من قرى قريبة ومن ظروف معيشية متشابهة، جئنا من قرى المغار، الرامة، نحف ، البعنة ودير الأسد.

أكبرنا سِناً وأكثرنا تجربة كان المدير، أما الأساتذة فكنا في جيل متقارب يتراوح بين العشرين والثانية والعشرين، وكان عددنا صغيراً نسبياً، خمسة معلمين ومعلمة، مما سهل وعجل في عملية التعارف، الانسجام والاتفاق.

وما أن انقضى الشتاء الأول بات مؤكداً لنا أن التدريس لا يمكن أن يتم في ظروف مبنى المدرسة القديم.

فاتفقنا فيما بيننا مع عدد من الأهلين على أن أحداً لن يحكَّ جلدنا مثل ظفرنا، فبدأنا نجمع التبرعات لشراء تخشيبتين، كانتا مبنى لمدرسة في مستوطنة « أييليت هشاحر »، لم تعودا تصلحان لتكونا أساساً لمدرسة عصرية.

وقد فوجئنا بحماس الأهل في جمع ما لزم من مال والعمل على إنجاز الفكرة ، شيَّدنا بناء أفضل مما كان، يتسع لكل أبناء القرية، خلصنا من طرطقة المطر ومن حرارة الصفيح.

وفي آخر السنة الدراسية حضر المفتش، كان انساناً خلوقاً واسمه أبو أحمد من الناصرة ، اجتمع بنا وأكد رضاه عما فعلناه وطلب منا البقاء في مدرسة القرية سنة

أخرى لنواصل ما ابتدأناه !

أذكر، تابع الزميل حديثه، وكان مسعود الجليلي يصغي باهتمام وشغف:

كنتُ أنهض كل يوم دراسيٍّ في ساعة مبكرة، أسير مشيا الى الشارع العام، أنتظر الباص الآتي من عكا إلى صفد، أستقله حتى الرامة وهناك أبقى نصف ساعة أنتظر الباص القادم من البقيعة في طريقه إلى المغار فطبريا، لنعود منها إلى وادي الحمام، تنقلنا إلى هناك سيارة أجرة تكون في انتظارنا كل صباح.

حقا رحلة شاقة ومكلفة، لكننا كنا نقوم بها يوميا بلا تذمر جدي!

حين ابتدأت السنة الدراسية الثانية كان فصل الشتاء، موسم المطر، يقترب سريعاً وتصعب معه هموم السفر اليومي، متاعبه الجسدية والمالية.

كان طبيعياً أن نتناول المسألة في حديثنا اليومي، بيننا ومع الأهلين! والخلاصة قررنا المبيت في الوادي بين أهليه وعلى مقربة من المدرسة.

تحمَّسَ الكثيرون منهم للفكرة.

وفي اليوم التالي فاجأنا البعض، إذ نصبوا براكية زنك واسعة، أقاموا داخلها أربع غرف مستقلة وحفروا حفرة قريبة، أحاطوها بأربعة ألواح صفيح متين وجعلوا فوقها لوح خشب، سرعان ما استحالت مرحاضاً مشتركاً للأساتذة ، كما اعتادوا

يُسَمّوننا.

تلك السنة لم يمثل المفتش لفحص مسار التعليم، حضر مرة لدقائق، قابل المدير ومن ثمَّ اختفى.

في تلك السنة واجهتنا مشكلة التعامل مع حقيقة أن رابعنا الذي يشاركنا المبيت في البراكية واستخدام المرحاض كان معلمة، فتيَّة مثلنا وجميلة.

قال رائف ، بعد أن سمح لنفسه بتناول فطيرة وحبتي زيتون أسود، وكان في أثناء حديثه يوزع النظر بيننا الثلاثة، ليلحظ ما إذا كنا نصغي أم لا؟

قال وعينه على زوجه: ناقشنا المشكلة بيننا، أكثر من مرة، لم يخف بعضنا إعجابه بها، لكن اتفقنا أن مصلحة التعليم، مصلحة نجاح التجربة، تجربة التعامل بين زملاء وزميلات عمل، مستقبل العلاقات بين قرانا وعائلاتنا، شرفنا الشخصي وحرصنا على أن نكون نموذجاً، كل ذلك وغيره يفرض علينا معاملتها كأخت لنا، وهو ما كان.

قال مسعود الجليلي معقباً:

هنا يكون الامتحان،

فإما أن يُكرِمَ المَرْءُ زميله، زميلته،

فيُكْرِمَ نفسه أو يُهان.

واصل رائف ما ابتدأ من حديث، حَدَّثَ:

سرعان ما انقضت سنوات أربع، بتنا فيها، المدير والأساتذة، جزءاً من مجتمع الوادي، نشارك أهله ما كان فرحاً وما كان ترحاً.

لاحظنا أنَّ عدد التلاميذ آخِذٌ في ازدياد، تحسنت النتائج الدراسية، قلَّ عدد من يترك مقاعد المدرسة ليذهب إلى العمل في المستوطنات المجاورة، كثر الحديث بين الآباء عن ضرورة التعلم وحيويته، استحالت المدرسة مدرستين، في النهار كان يأتي التلاميذ الصغار وفي الليل يحضر الآباء لتعلم فك الحرف، الأمر مُجْهِدٌ لنا كان، لكن كان فيه كثير من الفرح الداخلي والرضى الذاتي، شعرنا بفيْضِ كرَمِ الأهل، طيبة معدنهم رغم تخابثهم الموروث، وبدأنا نسمع بعض همس عن رغبة لو تقوم عندنا ثانوية ويصير أولادنا مثلكم أساتذة، لكن في ختام السنة الدراسية الرابعة حصل ما لم نتوقعه ولم نشأه:

حضر يومها المفتش ومعه قصاصات ورق، جاء يعلمنا ما قررته الهيئات المختصة في الوزارة:

إرسال المدير إلى التقاعد المبكر،

إرسال المعلمين للتعيين في قراهم .

وهكذا انتهت التجربة ولما تكتمل.

بعد سنين علمتُ ، حَدَّث رائف سامعيه،

أن مدرسة وادي الحمام عادت إلى ما كانت عليه زريبة أولاد فاشلين!

هزَّ مسعود رأسه ببعض حزن، مضيفاً:

يحزنني ما أصاب المدرسة وما باتت القرية!

قال:

هنا مربط الفرس!

من هنا نبدأ أو لا نكون!

وعاد إلى صمته وراح الباقون يتهامسون!

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;