موجَعَةٍ وموجِعّة

1 ـ

  قلتَ سنلتقي

 

 

" إلى الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد وزملائه في دمشق وكنت التقيت بهم في إطار زيارة للأقارب ، بيت خالي أمين الساسي ( طاب ذكره ) وكان اللقاء بهم مُفْرِحًا ، أمّا الْحِوار فكان صعبا ، وفي آخر اللقاء نهض الشاعر خالد وعانقني وقال مُصافحا :

                      سنلتقي

 تذكَّرْتُ القصيدةَ كثيرا حينَ قرأتُ مقالة الكاتب الفلسطيني أحمد علي هلال المقيم في سوريا عن الشاعر خالد أبو خالد :

 

ــــ

              قلتَ سنلتقي

 

سنلتقي ، آمَلُ أن نلتقي في الخليل وفي الجليل . "

قُلْتَ سنلْتَقي وفاضَ جَدْوَلٌ وأشْرَقَتْ بالفَرَحِ العُيون

وَغَرَّدَ الدّورِيُّ فَوْقَ بابِنا وفي الْغِنا استَرْسَلَ زهوا طائِرُ الْحَسّون

كانَ الْمَساءُ في دِمَشْقَ

شُرْفَةً لِلْعِطْرِ شامِيَّ الهوى يَعْبِقُ نارِنْجًا وَياسَمين

وراحَ في ضريحِهِ " الشَّيْخُ " يُغَنّي أعذبَ اللُّحون

 

يا زَغْرَداتِ الْعودِ تَصْفو في يَدَيْ " زِرْياب "

إنّي عاشِقٌ وَتَيَّمَتْني في هواها فاطِمة .

 

كانَتْ دِمَشْقُ مُلْتَقى الألى أحِبُّهُمْ

وكانَتْ مَسْرَحًا لِحُلْمِنا

نافِذَةً مُشْرَعَةً لِلْبَوْحِ والْحَنين .

 

قُلْتَ سَنَلْتَقي ، فيا حُمولَة السنين

تَنْزاحُ فَجْأةً ويَنْتَفي الشَّقاءُ في الْعُيون .

 

يا أيُّها النّسرُ الذي يَسْكُنُنا حَلِّقْ بَعيدًا في الْمَدى !.

 

كانَ الْلِقاءُ مُفْرِحًا وكان الْحِوارُ صَعْبًا موجِعًا وَيُشْبِهُ الْجُنون

فَقُلْتُ في سِرِّيَ هذي عادَةُ الْعُشّاقِ في عِشْقِهِمِ المَجْنون

قُلْتُ : كِلانا عاشِقٌ وعِشْقُهُ يُشابِه الجُنون ! .

 

يا رَنَّة الطَّنْبورِ في أيدي " عبيد "

أنتُمُ الألى أحبُّكُمْ

ألْمَحُ في عُيونِكُمْ بَهاءَ عيْنَي فاطمة .

 

يا صاحِبي ! يا طائرَ الْحِنّاءِ غَرِّدْ فَرِحًا

فَعُرْسُ مَعْشوقتنا آتٍ ...

أراهُ في احمِرارِ برْقوقِ الْجِبال في اخضِرارِ سِنْدِيانَةٍ

وَفي شَذى لَيْلَكَةِ الْبَرِّ وَفي أريجِ زَعْتَرِ الوُعور

في رائِحَةِ الْقَنْدولِ مُزْهِرًا وفي تألُّقِ الطَّيّون

في الفيجَنِ الأخضَرَ فَوّاحِ الشَّذى

وفي ظِلالِ شَجْرَةِ الزَّيْتون

في كُلِّ شيءٍ طَيِّبٍ ألْمَحُهُ يَلوحُ عُرْسُ فاطِمة .

 

قُلْتَ غَدًا سَنلْتَقي

وفي غدِ قَدْ نَلْتَقي

حبنَ نُعَزِّزُ البقاءَ كَيْ يَسْهُلَ دَرْبُ عَوْدة ! .

 

" الشيخ " المقصود ابن عربي الشاعر الصوفي الكبير وقد دُفِنَ في دمشق

زرياب عازف العود الشهير وُلد في الموصل وانتقل بعدها إلى بغداد وهاجر للعيش في الأندلس .

عبيد مُغَنِّية وعازفة على الطنبور وكانت تلميذة الموسيقي الشهير إسحاق الموصلي .

 

ـ

النص الشعري الثاني وليدُ ذاكِرْةٍ مُفرِحة .

 

 

 

                    لا حُدودَ لِحُلُمِنا

 مُهْداة إلى فايزة الشاويش

 

                           ـ أتَيْتُ دِمَشْقَ بي شوقُ المقيمِ عَلى

                                               هَوى بَرَدى ومِلأ عُيونِهِ الْوَجْدُ

                        أتَيْتُ لِأحْتَسي ذوبَ النَّدى مِنْ نَبْعَةِ " الفيجي"

                        فَيُزْهِرُ في دمي النارنجُ فَوّاحًا

                                               ويأسُرُني على شُرُفاتها الوَرْدُ .

                       

                       ـ أتَيْتُ لأسْتَريحَ على وسائِدِها قليلًا

                       كَيْ أعاوِدَ رِحْلَتي بَحْثًا عنِ الحُلُمِ الذي كُنّاهُ يا سعدُ

    

                       ـ اتَيْتُ دِمَشْقُ أسْألُ عَنْكَ ابْحَثُ في حَواريها الْقَديمَةِ

                       عَنْ مكانٍ نَسْتَظِلُّ بِهِ

                       لنُكْمِلَ ما ابتَدَأنا مِنْ شُجونٍ بَحْثًا عَنْ

                                        " أمورٍ كانَ يُمْكِنُ أنْ تُقالَ ولَمْ تُقَلْ بَعْدُ "

 

                        ـ أتيْتُ دِمَشْقَ أبْحَثُ عَنْ مَسْرَحِكَ المُجَنَّحِ

                        فلا حُدودَ لِحُلُمِنا يا صاحِبي

                        فَتَعالَ لا تُطِلِ الغِيابَ

                        تَعالَ نُكْمِلُ حلمَنا       

                               بَرَدى على وَعْدٍ ولا يَجِفُّ مَنْ في حلمِهِ الوَعْدُ .

                                    

                           * آب 2001 مِنْ وَحْيِ زِيارة لِأهلِ أمّي في دمشق وقد زرتً يومها

                           بيْتَ زوجة الكاتب المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس ، فايزة  

                           الشاويش المنشورة صورتها معي ، لِأنقلَ تَعازِيَّ الحارة . 

 

النَّص الثالث

وليد ذاكِرَةٍ حالمة وموجَعَة .

 

                حُلُم

 

أشعُرُ وأنا اتفحَّصُ ذاكِرَتي المَسْكونة بالألم

كم بَقيتُ طويلا وَلا أزال أحْلمُ بوطنٍ

لا تكتسي حُدودُهُ بلطخاتِ الإسمِنتِ المُسَلَّح

ولا بأسلاكٍ شَوْكِيَّة تطلُعُ كالفِطْرِ الجَمْرِي

هُناكَ حيثُ تندَفِعُ بُطونُ أقدامِ الجنود .

 

أللهُ ! كم حَلِمْتُ ! وَلا أزال

بوَطنٍ حُدودُهُ أقواِسُ فرَح

وينبسِطُ وَعْرُهُ قبالة عَيْنيْ كَكَفٍّ سمحة

ليتمازج بوُعورِ عالمِنا المَكسوَّة

بأزهارِ البرقوق البَرِّيْ .

 

النَّصُ الرابع والخامس وليدا ذاكرة لن تشيخ

لوحة الغلاف للفنان الخطّاط من كفر قرع محمد سعيد كلش

 

ـ هاتان القصيدتان ـ من ذاكرة لن تشيخ ـ نشرتُهما في مجموعتي الشعرية السَّادسة

" الرؤيا " الصّادرة في شباط 2010 وسأعيد إصدار هذه المجْموعة مُنَقَّحَةً قليلًا

في نهاية ربيع السنة القادمة

ـ

1 )

           ساحَةُ الحَناطير

 

كانَتْ ساحَةُ الحَناطير في حَيفا القديمَة

قَبْلَ أنْ تَصيرَ نَفَقًا للغُزاة

تَبُعَدُ قَدَرَ حَبْلِ السُّرَّةِ

عَنْ بَيْتٍ حَجَرِيٍّ كُنّا نَسْكُنُهُ

وَقَدْ حَسِبْناهُ بِسَذاجَةِ أطفالٍ لَمّا يَعوا

أنَّهُ سَيَقي شُرورَ مِنْقارِ الغُرابِ الغازي المُفْتَرِس

وَهْوَ يَنْبِشُ أعشاشَ صِغارِ العصافير

كُنّا ، أخي الأصغَرُ وأنا ، نَنْزِلُ إلَيْها يومَ العيد

لِنَسْتَقِلَّ " حَنْطورَةَ العَم أبو محمود "

فَيَمْضي بِنا عَبْرَ شارِعَيِّ النّاصِرَة والعِراق

قاصِدَيْن " مِفْرَق السعادة "

لِتَتَزَوَّدَ نُفوسُنا بِدَفْقِ سَعادة وَمِنْ ثُمَّ نَعودُ

نَغْمُرُ أمّي وأبي بِدِفء سعادة الأطفال .

أذْكُرُ حّدَثَتْنا أمّي وكانت عَليمَةً بِما كان

في ذلِكَ اليومِ المَشْؤوم قَبْلَ سِتّينَ عامًا

حَدَّثَتْ

" أتى أبو محمود السّاحة

قادِمًا من بيوت الصفيح " في الْمَحَطَّة " المُجاورة

لِيَهْرُبَ يومَها شَرقًا مِنْ نارِ القنّاصة

فَرَوَّعَتْهُ رصاصَةٌ هادِفة

أصابَتهُ وأصابَتْ بَطْنَ الحِصان

سَقَطا كَنَجْمٍ هوى وَخَيَّمَ لَيْل " .

قالَتْ أمّي

بَعْدَها خَبِرْنا مَرارَةَ الهَجيج والتَّهْجيج .

قُلْتُ في حُزْني ، وَقَد كَبُرَ مَعي كثيرًا ،

مِنْ يَوْمِها لَمْ أعُدْ آتي ساحَةَ الحَناطير

فالسّاحَةُ صارتْ نَفَقًا

يَلوذُ بِهِ المَوْتى مَجْهولو الهَوِيَّة

مِنْ ذلكَ العامِ المَشْؤوم والمِفْرَقُ المُؤمَّل

غارتْ فيهِ نَبعَةُ السَّعادة وَجَفَّتْ ...

ـ

2)

         سَرَقوا منّي الطُفولة

 

سَرَقوا طُفولَتي ذاتَ ليْل وَأشيائي الساذِجَةَ التي أحْببتُ

كالعربَةِ الخشبية ، قِطَعِ الزُّجاجِ المُلَوَّنِ وسَفينتي الورَقِيَّة

التي كم حَلمْتُ أنْ تُبْحِرَ بي إلى عوالِمَ تُقيمُ في

دُنْيا الأطْفالِ العامِرَة بِسَعادَةٍ أبَدِيَّة .

مُنْذُها حُرِمْتُ ، عِنْوَةً وَعَسفًا ، من سِرِّ الجمالِ في تَبَدُّلِ الفُصولِ

وَمِنْ أشْياءَ كَثيرةٍ عادِيَّةٍ وَمُفْرِحَة ،

فَبِتُّ كَمَنْ زَهْوَ الرَّبيعِ وَزَهْوَ وَرودِهِ .

وكَمْ تَمَنَّيْتُ في لَيْلِيَ الطَّويل لَوْ عَرَفْتُ هَوَسَ الوَلْدَنَة

في طُرُقاتِ سَمَخِ المُتْرَبَة

والشَّقْوَنَةَ المَرِحَةَ في حَواكيرِها المُوَشّاةِ بأزهارِ البرقوقِ الْبَرّي

وأعْشابِ الخُبّيزِة شَهِيَّةِ المَذاق .

سَرَقوا عِشَّ طُفولَتي ذاتَ لَيْلٍ قَبْلَ سِتّينَ عامًا أو أكثَر

وَ أشَدَّ ما يوجِعُ أنَّ ذاكَ اللَّيْل راحَ يَطول .

وها أنا في عَجَزي وعَجْزي بِتُّ أدُبُّ على عَصاي مُنْحَنِيَ القامَةِ

أغالِبُ ريحًا مجنونَةً في بَحْثِيَ الدّائمِ عَنْ طُفولَةٍ

سَرَقوها ذاتَ لَيْل ...

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;