1 ـــ الفنان عبد عابدي كان ظهوره أشبه بهمساتٍ فَنِّيَّةٍ واعِدَةٍ حَقًّا

 

الفنان عبد عابدي وأنا في برلين في السنة الأولى للدراسة الجامعية أو السنة الثانية

في الصورة من اليمين أنا ابراهيم وفي الصورة من اليسار الفنان عبد عابدي

 

 

التَقَيْنا، عبد وأنا، ذات يوم في برلين في أثناء الدراسة،

أذكر وأشعر أنَّ عبد عابدي الفنان التشكيلي من حيفا كان أوَّلَ فنّان عربي من هذه البلاد وخارجها أشعل عقلي وأثَّر منذ الشباب الناهض على بدايات مسار تجربتي في الكتابة الشعرية والتفكير الباحث عن جمالية الفن وأهميته في تنمية حياة ثقافية مؤنْسِنَة. وإن كنت ابتعدت قليلا عن هذا المسار في سنوات غرقتُ فيها بالكتابات السياسية، الصحفية والحزبية الاجتماعية.

لقيت عبد عابدي الفنان الشاب، ابن جيلي، أوَّل مرة في النصف الثاني للعقد السادس من القرن الماضي، وكنت يومها تلميذًا في مدرسة قريتي الثانوية. في ذلك الجيل كنت قارئا مداومًا لمجلة الغد الحيفاوية – مجلة الشبيبة الشيوعية العربية في إسرائيل. وكنت أقرأ جريدة " الإتحاد "، التي كانت تصدر في حيفا مرَّتين أسبوعيا – نهاري الثلاثاء والجمعة. ومن خلالهما بدأت أعرف اسم الفنان الشاب والواعد في حينه. ويومها كتبتُ رسالة قصيرة للنشر في مجلة " الغد " كما أذكر،  رسالة تشجيعية ومؤكِّدة ضرورة الاهتمام بالعمل الفني وبدايات أعمال عبد عابدي خاصة. كانت مجرَّد رسالة بسيطة وقصيرة، لكنها كانت بالنسبة لي – أنا الشاب في حينه – بالغة الأهمية ورسالة موحِية لي.

وفي أوائل النصف الأوّل من العقد السابع في القرن الماضي بدأتُ أتعرف أكثر على شخص عبد عابدي الفنان والإنسان. وشاءت صُدَفُ الحياة الجميلة، أنِ التقينا بعد سنوات قليلة – في نهاية 1964 وبداية 1965 – في مدينة لايبزيغ الألمانية في ألمانيا الشرقية آنذاك. وكان اختارنا الحزب الشيوعي، يومها، لنكون أول طالبين أرسلهما رسميا للدراسة في الخارج. فالتقينا في معهد تعليم اللغة الألمانية تمهيدا للالتحاق بمعاهد عليا في تلك البلاد.

يومها سافر عبد عابدي لدراسة الفنون التشكيلية في مدينة درسدن، مدينة ثقافية جميلة، وسافرت إلى برلين للالتحاق بالكلية العليا لدراسة العلوم الاقتصادية. تباعد المكان السكني، لكن صداقاتنا بدأت تتوطد وتقوى وبدأت أهتم بأعمال عبد عابدي الفنية. ولا زلت أحتفظ في بيتي بلوحة، كدتُ أفتقدها لولا طيبة أخي الراحل الدكتور علي مالك، طاب ذكره. واللوحة هي من أعمال الفنان عبد عابدي التي رسمها في بداية النصف الثاني من العقد السابع في القرن الماضي.

وفي مدينة لايبزيغ تعرَّفنا، عبد عابد وأنا، على فنان تشكيلي فلسطيني الولادة من بلدة عكا اسمه ابراهيم هزيمة وبدأت من خلال عبد عابدي وابراهيم هزيمة أتعرَّف أكثر على عالم الفنون.

وبعد أن عدنا من الدراسة في ألمانيا عملنا معا في جريدة الإتحاد وبعدها افترقنا بسبب ظروف حياتية.

عُدْنا والتقينا في النصف الأوَّل للعقد العاشر من القرن الماضي في كفرياسيف.

وفي ذلك الحين كان عبد عابدي فنانا موهوبا وأستاذا للفنون يرعى بمختلف الطرق مواهب فنية واعدة في أكثر من مكان في بلادنا.

في ذلك الحين لم نكن نرى وجود حركة فنية للفنانين العرب في اسرائيل. كان عبد عابدي واحدا من فنانين حقيقيين ـ هم قلة قليلة حقا. فكنا نعتبره أحد اثنين من الرعيل الأول قبل ظهور ونشأة حركة فنية بين العرب في اسرائيل. وحين بدأ عدد الفنانين الشباب يزداد حقيقة، كان الفنان والمُعَلِّم عبد عابدي من أوائل الداعين، المُفكّرين والنشيطين، لإقامة حركة فنية ترعى المواهب الفنية وتشجعها. وذات يوم التقينا في كفرياسيف مجموعة فنانين وأنشأنا ما أسميناها "رابطة إبداع " ومقرها كان ولا يزال في كفرياسيف.

كان الفنان عبد عابدي من كبار المؤسسين آنذاك.

ومن يومها بدأنا نتَمَنّى ظهور فنانين جميلي الأعمال، الرسوم والمنحوتات.

حين أستعرض مسار تجربة كتاباتي الشعرية العاشقة للفنون الجميلة، أشعر بقناعة ورضى أن التقائي بالفنان عبد عابدي في سنوات عمري الأولى، أيام الشباب، خصوصًا في أألمانيا أسهم كثيرا في عشقي وفهمي للفنون الجميلة، فالحركة الفنية، تطورها ونهضتها، هي شرط أول لبلورة مجتمع ثقافي إنسانِيِّ الملامح والمنطلقات الحياتية، وهو أكثر ما نحتاجه اليوم بين عربنا الفلسطينيين في إسرائيل وخارجها وبين عرب عالمنا الواسع.

 

2 ــ مُعَلِّمي نظير جريس طاب ذكره

 

نظير جريس ( أبو ميشو ) من كفرياسيف، طاب ذكره، كان واحدا من مُعَلِّمِيَّ الذين أسهموا في تنمية بذور الحس الجمالي والوعي المعرفي، البذور الأولى، وهي البذور التي أسَّست لحسي ووعيي لاحقا.

فأنا لا يمكن أن أنساه أو أنسى مُعَلِّمِيَّ من المدرسة الإبتدائية وغيرهم ممن علموني في المدرسة وفي الحياة.

وفي السنين الأخيرة كان معلمي نظير جريس أحد الوجوه القليلة، التي تزدحم بها ذاكرتي، يطل عليَّ بوجهه البشوش وأنا عاكف أتأمل مسار حياتي، الخطأ والصواب، السلب والإيجاب منه، ألخِّصُ بعض تجربتي، فنتحادث في بعض ما كان، حديث التلميذ ومعلمه.

أذكر، أنه علمني في المدرسة الابتدائية، وحين كبرت وعدت من دراستي الجامعية في ألمانيا ولاحقا من عملي في براغ، نشأ بيننا ودٌّ قائم على احترام التلميذ لمعلمه وحب المعلم لتلميذه الذي رآه يكبر وينضج سِنًّا ومعرفًة.

في تلك الأيام بدأت تتبلور في داخلي بدايات تحول في فهمي الأشياء والحكم على سلوكيات الناس وراحت تكبر فيَّ أسئلة، أبعدتني وإن يكن متأخرا قليلا عن الحراك السياسي.

وجدتني، بمرور الزمن وتراكم التجربة الحياتية الشخصية، أكثر ارتياحا وانطلاقا، كلما ابتعدت أو تمكنت من الابتعاد عن التنظيمات ذات الطابع الفئوي المنغلقة على ذاتها، ووجدتني أوسع نظرا وأعمق فهما لما يحيط بي. وقد بدأت أرفض، يومها، أن تتحكم في الموقف من كثير من الأشياء المحيطة ، أن تتحكم بي خلافات سياسية أو فئوية سابقة. فلم أعد أقبل أن تتحكم هذه الخلافات في علاقاتي مع الكثيرين من الناس، ولم أعد أحكم على أيٍّ كان انطلاقًا من ذلك.

ما كان يعنيني وهذا ما كنت ولا ازال أبحث عنه في الإنسان، أيا كان، هُوَ جوانب إنسانية فيه ومدى إسهامه في نهضة المجتمع الحقيقية، لا الشكلية.

هذا الفهم هو ما حكم كثيرا من سلوكي اللاحق.

حين أتأمل جوهر مسار حياة معلمي نظير جريس، يزداد احترامه في عينيَّ.

للحقيقة علمني معلمي نظير جريس مواضيع لم أعرها التقدير الكافي في بدايات نموي وتقدمي المدرسي. فكنت واحدا من مجتمع لا يعرف، حقَّ المعرفة حتى ولا أبسطها، ما لتلك المواضيع من قيمة تربوية، جمالية ومعرفية.

كان مجتمعنا عامة يعيش ظروفا معيشية صعبة، فليس لديه متسع زمني وسعة ذهنية وحاجة ملحة لهذا الترف الذهني. وكان ولا يزال مكتفيا بأشكال من الطرب والمتعة الضحلة البسيطة والبدئية، التي لا تتطلب جهدا فلا تتعب عقله بالتفكير والتأمل، ومن شأنه (أي ذاك الطرب الضحل) صرفه عن همومه الحياتية الحقيقية، ككثير من طرب الأعراس وغيره من مناسبات الفرح الصادقة أو المفتعلة.

كان يعلمنا الرسم، الموسيقى والأشغال اليدوية.

وهي لا شك، هذا ما خبرته لاحقا، من الفنون الجميلة، التي تكشف عن مدى تطور المجتمع الثقافي ونمو حسه الجمالي، سعة معرفته العملية واستعداده للنهوض المجتمعي.

لكن الانطباع السائد، آنذاك، في النصف الأول للعقد السادس من القرن الماضي، كان ينتقص من قيمة وضرورة هذه الموضوعات ولا يعيرها في مجالي التربية أو المعرفة أية أهمية.

كنا، لسذاجتنا وقلة وعينا، نعتبر دروس الأستاذ نظير جريس مضيعة للوقت.

تقدَّمَ بي العمر، لكن بقيت أنظر إلى شهاداتي من مرحلة الدراسة الإبتدائية ببعض الغرور الصبياني الفرح، فشهاداتي المدرسية، يومها، كانت تترك في نفسي طعم فرح ورضى. فنتائج امتحاناتي المدرسية في حينه كانت مُرضية ولكن، لدهشتي، كانت علاماتي في المواضيع الفَنِّيَة المذكورة متدنية بشكل ملحوظ.

أذكر أنني مثل تلاميذ كثيرين لم أبذل مجهودا يذكر لتعلم تلك المواضيع، ولو الحد الأدنى المطلوب للنجاح المدرسي.

أناقش نفسي كثيرا في هذه المسألة، لمَ حصل ذلك ؟

فقد اكتشفت، مع تقدم العمر وخاصة بعد الدراسة الجامعية في ألمانيا والعيش في براغ، المدينة الغنية بناسها، حياتها الثقافية وعمرانها، أن كثيراً من قصائدي أشبه بلوحات، أو أنها محاولة للرسم بالكلمات، كما كتب شاعرنا الدمشقي الجميل نزار. ازداد وعيي ومعرفتي بالصلة القوية  بين الرسام والشاعر وبين الشعر والموسيقى. لست رساما أو موسيقيا، لكن التربية بروح فهم الرسم  وحسن تقييمه، التمتع الذهني والحسي بالموسيقى وحب العمل المهني المتنوع، كلها وغيرها تسهم أو من شأنها أن تسهم في تنشئة جيل يتقن، بصورة أفضل، تهذيب النفس الإنسانية، سلوكياتها ومواجهة تحديات الحياة.

وازددت إدراكا بقوة الصلة بين الفنون الجميلة المختلفة وبين الشعر.

ومع زيادة هذا الإدراك والقناعة الواعية بما للموسيقى من أثرٍ تربوي وتهذيبي، أدركت في أعماق نفسي كم كانت خسارتي وخسارة الكثيرين من أبناء جيلي كبيرة وأحياناً لا تعوَّض. وعزائي الوحيد أنني حاولت لاحقا، بمدى ما سمحت به الظروف الحياتية، حاولت أن أشعِرَ معلمي نظير بما له من مكانة محترمة في نفسي تفوق كونه أحد مُعَلِّمِيَّ في الصبا.

ولا أكتمكم سرا أنني حين أكتب، إنما أكتب في محاولة لإبقاء مثل أولئك المعلمين وغيرهم نبراسا يضيء الذاكرة .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

3 ــ كمال ملحم الفنّان، والشاعر الإنسان

الفنان الشاعر الصديق وأنا كُنّا كثيرا ما نلتقي وخُصوصًا في المعارض الفنية في أماكن عديدة مختلفة

 

 

واحِدَةٌ من لَوْحات الفنان كمال ملحم

 

تعود بدايات معرفتي (ب) واطّلاعي على الأعمال الفنّية الجميلة للفنّان التشكيلي، ابن بلدتي  كفرياسيف، كمال ملحم، الى النصف الأوّل للعقد الثامن من القرن الماضي، وبالذات عشيّة الاحتفال بذكرى اليوبيل الذهبي للمجلس المحلي في البلدة.

كانت تلك سنوات بدايات تذوّقي الفني والجمالي وميلي الادبي والفكري.

لفت انتباهي يومها نزعة الأخوين، كمال وأسامة،الفنية، الأدبيّة والانسانية. وأكثر ما شدَّ انتباهي في  حينه معدنهما وتربيتهما المجتمعية والأخلاقية بالذات، التي

كانت تترك في نفسي وعقلي صدى  إنسانيا، في زمن كان مجتمعنا المحلّي والقطري يتعرض إلى تشويهات اجتماعية مميتة، نحصد  أدرانها وثمارها المسمومة في هذه الأيام. وقد لاحظت أن كمال يلجأ الى قصاصات الورق البسيطة والعادية، وهي الشيء الوحيد المتوفّر بكثرة آنذاك، ويلجأ الى قلم الحبر الكتابي، الملوّن  ليستعير منه لوني الحبر الأزرق والأحمر، وينسج منهما خيوطا ووجوها، لم أوعَها في حينه، لكن  ألوانها الحارة كانت ذكرتني في حينه بفنّ التطريز الشعبي الجميل والذي كان منتشرا بصورة  ملحوظة في القرى الدرزية في الجليل، وبالذات قبّعات الرأس الصغيرة المطرّزة والتي للأسف  الشديد راحت تختفي تدريجيا، مثل أشياء وفنون تراثية أخرى، تحت وطأة التمَدْيُن الموهوم.

وقد أكبرت في حينه هذه النزعة الفنيّة لكمال، عميقة الجذور وثريّة الدلالات، وحرصه على الرسم  والتعبير عن روحه العاشقة للألوان والجماليات البدائية وبحثه عن هذه الألوان والجماليات في خشب الزيتون وأعواد الشجر البريّ في الوعر المحيط بنا والحرص الدائم على تنويع تقنيّات وأدوات الفنّ وتهذيبها.

وكم شعرت بالسعادة ذات يوم، حين زرت الفنان في بيته، الذي بات مرسمه الدافئ. فأطلعني  على مشروعه الفنيّ آنذاك.

أحسست كأن كمال، الذي عرفته طويلا هو وصديقنا المشترك الفنان جمال حسن من جولس، وقضيت ساعات طويلة أرقب، بصبر ومتعة، حركة وخبطات ريشتهما فوق القماش المشدود، أحسست كأنّه عاد بي الى البدايات، بداياته وبداياتي، عاد الى سنوات شبابه الأوّل، كما أذكره، يتناول ببساطة مدهشة قصاصات الورق العادية، التي تصادفه أو يجدها بمتناول يديه مصادفة، ويأخذ قلميّ الرصاص والحبر الملوّن ويترك لخياله أن يخط خطوطا، استمدّ حركتها المتشعبة من لا وعيه وذاكرته المشحونة والمتيقظة، لحظتها، خطوطا تستحيل لوحات فنيّة مدهشة ومثيرة فوق  الورق العادي والبسيط، الورق المدرسي.

تحدّثنا طويلا عن أعماله الأخيرة، تلك، وما تعنيه. وكان حديثا شيّقا وغنيّا بمضامينه وصراحته.  وقد تعلّمت منه كثيرا ووسّعت آفاق مداركي قليلا.

كنت أقطع الحديث لأهنأ ذِهْنِيًّا وأتعمّق في البحث الصامت عن ايحاءات أستمدها من القصاصات  الورقية، التي منحها كمال بُعْدَ اللوحة الفنية الناطقة والمعبرة وفضاءات تتشكل من خطوط ووجوه  وحركات تجمعها ألوانا في نسيج مسحور.

وكنت كلّما أتأمّل تلك الأوراق المتناثرة، أمامنا، تصيبني حيرة فأخلص منها الى بديهيّة معروفة، وهي أن الفنان التشكيلي لا يستطيع الاّ أن يكون شاعرا، بخياله، جنونه وتحليقه في فضاءات، تتجاوز واقعنا المعاش، فأحسب الشاعر يرسم بقلمه وعقله ويكتب الفنّان بريشته، فكلاهما واحد.

لاحظت في صمتي المتأمّل وأنا أنقّل نظري بين قصاصات الورق أنّ كمال لم يتعب نفسه بشدّ  القماش واختيار الألوان المناسبة، أساسا، للوحة وأنه آثر نقل مشاعره وأفكاره، مباشرة، على  قصاصات الورق، غير المهذّب وغير المعد أصلا لهذا الغرض، فأحسن كثيرا.

كان واضحا لي أن كمال عاد، بشكل متعمّد ومدرك، إلى التقنيات القديمة، لكن بوعي ولاوعي  وبفهم، بفنيّة ناضجة وتجربة غنية ومختلفة جوهريا. ظلّت تلك البساطة العميقة والمتوارثة، كما  يبدو، غالبة في أعماله الجديدة ولكن أخذت منحى واعيا لعالمه الانساني ولثقافاته المتشعبة  وتجربته المعاشة. وقد تركت فيّ هذه الأعمال أسئلة كثيرة، فقد رأيت في بعضها وحدة الوجود الانساني ممثّلا بوجهيّ الحياة الرائعين،المرأة والرجل، الذات والذات الأخرى، في حركتهما  المتدافعة،تجاذبا راقصا ومنسجما، في التصاقهما الموحّد والجامع، وفي تنافرهما الكاشف عن  خصوصية كلّ منهما في وحدة الوجود المعنيّة. وقد ذكّرتني بوجه اله يوناني قديم، تمثال، جانبه  الأمامي وجه رجل وجانبه الخلفي وجه امرأة، أما جسد التمثال فواحد. وتكشف الفكرة المضمّنة  في ذلك الاله القديم أن الانسان أدرك بحسه العفوي والبسيط وحدة كوننا وأن الحياة لا تكون الا  بوجهيها، الرجل والمرأة، كما لا يكون النهر الاّ بضفتيه.

وحين تأملت لوحات قصاصات الورق الأخرى، قفز الى ذِهني السؤال:

من أيّ عالم، واع أو لا واع – في الذاكرة الخلفية، يستمد كمال شخوصه المبعثرة، بنسق غريبٍ ومدهش، فوق قصاصات الورق المذكورة. فالوجوه، يمكن القول انها منحوتة ومقطوعة من عالم خرافيّ وأسطوريّ، يذكرنا بوجوه الأعمال، التي خلّفتها لنا الحضارات القديمة في شرقنا القديم، خصوصا الوجوه السومرية والكنعانية، وفي أمريكا الجنوبيّة، خصوصا ما تركته لنا حضارة الانكا.

لم أكتم صديقي كمال حقيقة سؤالي عما اذا كان رأى هذه الوجوه في قراءاته أم هجمت عليه وهو  في مناماته أو حين كان يتأرجح بين الحلم واليقظة ؟ وهل هي نتاج عقله اللاواعي ؟ فهل يكون عندها في حالة غيبوبة، غير مدركة ومحسوسة، حالة لا وعي، يكون معها الوعي في شرود باحث عن تلك الوجوه ؟ ! ليصطادها كالطير من فضائه الحالم وينقلها على الورق؟!

لم أنتظر أجوبة، فكنت أسأل نفسي لأحسن قراءة الأوراق، الرسوم.

لكن كمال، الذي عوّد سائليه على القول:

حين ينتهي من العمل الفنّي، أيّ عمل، يكتفي عندها بالإصغاء للمشاهد المتلقي لمعرفة ما أثاره  العمل من انطباعات وقراءة، فليس مهمّته شرح ذاته، خرج عن عاداته، لكنّ اكتفى بعدم نفي احتمال وقوع ذلك. فهذا ما يظنّه أن تلك الوجوه والخطوط مختبئة في مكان ما في اللاوعي.

وحين تأمّلتُ بعضها الآخر، شدّ انتباهي أنّ هاجس الجنس، بكلّ ما في الجنس من جمال انسانيّ  ووحشيّة منفرة أحيانا كثيرة، هذا الهاجس المتأصل في انساننا بشكل مزعج، واضح الحضور في الرسوم، كثيفِهِ ومُلاحَظٍ للعين البصيرة. فهل وظّف هذا الهاجس احتجاجا على كل ما هو قبيح في  مسلكياتنا الجنسية وعلى الحالة، التي دفعنا اليها المرأة دفعا، فباتت انسانة، ينهشها الرجال، مجتمعين وقد بدوا وحوشا، تحمل وجوها خرافية وأسطورية.

كثيرة هي الأسئلة، التي قفزت لحظتها في ذهني، ولكن أبرزها كم نحن في حاجة الى الكشف عن الملكات الفنية في مجتمعنا، رعايتها حقيقة وافساح الفضاء أمامها لتنطلق وتبدع.

 

واحدة من الصور الأخيرة لوَلدي هاني مغربي، المصوِّر الهاوي وعاشق الطبيعة المقيم في برلين، وكان يتجَوَّلُ في واحدة من تَجَلِّيات الطبيعة المدهِشة، فاتنة التلون المحيطة في برلين

 

نص قصير من مقالي المطوَّل عن الشعر والفن كما أفهَمُهُما، ما سأعيد طباعته ونشره بعد قليل في الجزء الثالث

من كتابي خلاصة تجربة وما عَلَّمَتْ تجربة قراءاتي وكتاباتي :

 

 

 

***

ومن هنا أود أن أخلص إلى ما علمتني التجربة:

أن الشعر، وإن يجمعه الكثير مع الفلسفة، إلاّ أنه أقرب الى الفنون التشكيلية المختلفة.

فالقصيدة، كما قال كثيرون، هي لوحة ولكن بالكلمات.

والنحات يتكلم في الواقع مع الصخر والمعدن والخشب والزجاج المُكَسَّر وغيره من مواد النحت ويعيد تشكيل هذا المُنتَجِ ليصبح ناطقا للرائي ومُعَبِّرا عن تفاعلات ذلك النحات الحسية الواعية وغير الواعية.

ويمكن القول ذاته عن الرسام والمصور الفنان.

وقد اتسع إدراكي وفهمي للمصور الفنان وبدأتُ أهتمُّ بالصورة، خاصة، وأتعامل معها بوجهة نظر منطلقة من فهمي للفن، فاحرص على التمييز بين التصوير الفوتوغرافي، أي العمل المهني، والتصوير الفني قويِّ الإيحاء. وقد تعزَّزت وجهة النظر هذه بعد اطلاعي على عدد من الأعمال المصوَّرَة وقد التقطتها عين بصيرة، كما رأيتها. وانشغلتُ كثيرا في تأمل 3 مُصَوِّرين رائعين، هم عبد الرحيم العرجان ( الفنان الأردني ) وسعيد العفاسي ( الفنان المَغربي من مدينة فاس  ) وأسامة ملحم الأديب الشّاعر الفنان بن قريتي. وقد تعرّفتُ عليه من سنين ولاحظتُ فيه عشق تجَلِّيات الحياة الطبيعية ورَصَدَ بعدسته وعينيه، بصورة مُدْهشة، ما لا يُرى وما لم يكن مألوفًا في هذه التجليات.

وفي الفترة الأخيرة بدأت أهتم بما يرسله لي ولدي هاني مُغربي من صور، كثيرا ما شدَّ أكثرُها انتباهي واهتمامي وحركت أحاسيسي الشاعرية. وبدأتُ أرى في ولدي هاني مُغربي مصوِّرًا هاويًا واعدًا يُقيم في برلين وقد أعجبني فيه عشقه للطبيعة وتجَلِّياتها المُخْتَلفة ومحاولاته توثيق هذه التجليات من خلال صورة. وفي أكثر من حوار بيننا، أكد لي أن أكثر ما يلفت انتباهه واهتمامه هو رائحة الورد، عبقها، رائحة الشجر والصخر ورائحة الماء وتجليات الطبيعة الأخرى، كلُّها تُذكرني بوحي طفولتي، وصرتُ أبحَثُ في الصور التي ألتقطِها وأوَثِّقُها عن رائحة الطفولة المنعشة لذاكرتي، فأرتاح نفسانيا وجسديا، كُلَّما خرجتُ بحثا عن تجليات طبيعية. وكنت كُلما سمعته يتحدَّث عن عبق الحياة في مرحلة الطفولة، كنتُ أزداد  تمَنَّيًا لهُ أن يطوِّر هوايته، فيلتقط تجليات طبيعية غير مألوفة وغير مرئية  للناظر العادي، يجد فيها عبقا يُحْيي ذاكرته، كُلَّما تقدَّمَ الْعُمْرُ به.

وقد لفتت انتباهي واهتمامي الذهني بصورة مفرحة وموحية أعمال رأيتُها للفنانة الرسامة والمصوِّرة مريانا منصور، التي بهرتني حقًا رسومها وصورها.

وقد تناهت إلى أذني أسماء مصورين عديدين في بلادنا، إلاّ أنني لم أطلع على أيِّ عمل يُمكنني من الإشارة إليهم والكتابة عنهم، أرجو المعذرة.

 

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;