ـ الشيخ مطيع وولده سعيد ازدادا قناعةـ 

لن يتغيَّر ما في عامنا ما لم نغيِّرْ ما بأنفسنا

 

 

 

ـ النصُّ الأول

 

كانت جدةُ الشيخ مطيع  سعدة الطواهرية ، ابنة حمدان الأوراسي ،

حَدّثته ذات يوم وكان لا يزال يعيش في قريته في مِنْطقة الأوراس عند وادي مجردة القريب من غرب تونس ومن شرق الجزائر ،

روت :

في واحد من فصول الربيع وذاتَ يَوم كان الطَّقسُ دافئا وكانت الأرض مليئة بالزهور المُلونة والأعشاب شديدة الخضرة ، سمح الأهل لابنتهم الطِّفلة ، صغيرة السِّن ، بالخروج من البيت لجمع ورودٍ قد تُعْجِبُها ، فبدأت الطفلة تقفِزً راقصة ومُنْشِدة . وبدون حذر ودون معرفة ابتعدت عن البيت قليلا ، لكنها راحت تجمع باقة زهر ملوَّنٍ ، اندهشت بلونه ، فنسِيَت ما أوصتها أمُّها بعدم الابتعاد عن البيت ، كيلا تضيع ، وراحت تواصل قفزتها المُفرِحة فوصلت غابة كثيفة الشَّجر ، وسرعان ما علِقَ شعرُها وعلقت ثيابها بفروع شجرة زيتون بريَّة ، لم تنجح في التَّخَلُّصِ منها ، فباتت كالحبيسة ، ظَلَّت بعدها واقفة لا تستطيع حركة ، مَرَّ الوقتُ سريعا ، فانتبه

الأهل مساء وسألوا أنفسهم :

أين الصغيرة ؟ !

وفي هذه الأثناء رآها نمرٌ عن بُعْدٍ ، فاقترب من شجرتها وراح ينتظر حلول بعض العتمة لينقضَّ عليها وبدأ يراقب ما حوله وحولها ، رأته الطِّفلة .

في البداية خافت وكادت تنفجر بكاءً ، لكِنَّها بدأت كمن يُكَلِّمُهُ ، فراحتْ تُرَدِّدُ :

        " أنا لا نِنّي ... وْإنْتَ لا توكِلني "

وقبل غياب الشمس خرج أهلها وأهلهم يبحثون عنها رافعين عُصِيَّهم ، التي أشعلوا رؤوسها بالنّار ـ النور ، خوفا من كلِّ احتمال قد يُصادِفونه . وصدفة اقتربوا من مكان الطفلة العالقة في فروع شجرة زيتون ومن النمر ، فسمعوها تردِّدَ ما أرادت قوله للنمر القريب منها :

        " أنا لا أنام ... وأنت لا تأْكُلْني "

 وما أن رأى النمر ناسا يقتربون من المكان ، نهض من قعدته وبدأ يفرُّ مبتعدا ، فوصل الأهل طِفْلَتهم وأفلتوها من الفرع ، وراحت الطفلة ،

كأنَّ ما عرفته من خوف كان ولم يكن ،

راحت تواصل القفز شبه الراقص عائدة بصُحبة أهلها ، حاملة ضُمَّة الزهر المُلون ومُرَدِّدَةً ما ابتدأته من غناء .

شعر الأهل براحة نفسية ، فلم يخسروا ابنتهم الصغيرة .

وحين دخلوا البيت ، أوصَوا الجميع بالحذر مِمّا قد يحدث في هذا الليل ، شكروهم شكرا لائقًا وأغلقوا باب البيت .

تذكَّرَ شيخ مطيع ما قالته جدته في خاتمة ما روت :

حقيقة لا أعرف متى حدث ذلك ، فجدَّتي هي ما روته لي مؤكِدة عِبْرة الحكاية ،

فاليقظة وعدم النوم ،

ساعة يصل قرب بيتك مُفترِسٌ هو أشبه بغازٍ عنيف ،

هما شرط نجاة الحياة ،

فلا يُقتلُ عِنْدَها أيُّ إنسان .

 

النص الثاني

                               ما حكت الجدَّة

 

عندها تذكَّر شيخ مطيع ما حكتْ جدته له قبل الرحيل من الجزائر .

حكت الجدَّة أن ولدها ، عمَّهُ سعدالله ،

شُبِّه له ذات يوم أن اسدًا مُخيفًا ينبطِحُ على صَخرة عند الوادي ،

فخاف منه ورمى البندقية ـ المُكُحْلِة ـ وما فيها من كحل قاتل حين يشتعل ويصيب كلَّ ضحِيَّة ،

وراح يهرب إلى وراء بلا انتباه ،

فاصطدم بحجر صخرة وسقط في موقع عميق عند ضفة ذاك الوادي وبعد بعض الوقت عرفنا ما اصابه ،

احزنني موته كثيرا ،

ومن ذلك الوقت أكَّدَتِ الجدّة ، ازددتُ إدراكا أن المُكُحْلِة ـ البارودة ـ القاتلة هي وليدة حضارة وثقافة ، هي ما جلبها معهم الكولون الفرنسيّون ، أملا في السيطرة علينا ونهب ثرواتنا وهي ما أخفى الأسود من غاباتنا ، قتلتها ، وباتت تهدّدُ حياتنا بالاختفاء كذلك ،  لحظتها التزمتِ الجدَّة صمتًا حزينًا ،

لكنَّها سرعان ما قالت إنَّ جدَّكَ عبد الرّازق كان واحدا من أوائل ضحايا هذا الغزو  حين رفض ما يريدونه من سرقة أرض احتلّوها .

وكان عمُّك سعد الله قد بدأ يُدْرِكُ فظاعة وفحشاء ما قد فعل ، قالت الجَدَّة ،

فبات يعيشُ حالة خوف دائم وحين اشتدَّ خوفه وقلقه ،

شُبِّهَ له أن بلده استحال صَخرة صارخة غضبًا ،

يرتاح فوقها أسدٌ بقي ينتظره ،

لينبِّههُ ،

فيُحَذِّرُهُ من خُطورة ما كان يفعله ويقومُ به من قتل حياة غابتنا وساكنيها ،

ومن يومها بِتُّ أصيح كُلَّما أرى أحد أبناء الغزاة الكولون يدخل بيتنا لغرض في نفسه كالعمل أو المُتاجَرة ، أصيح بوجع محزونة فقدت زوجها وابنها ، أقرب الناس إليها ، حين قتلهما الغزاة :

غَطّوني .... غَطوني ،

كَيْلا أرى غازٍ ولا أقبل بالتواصل معه ،

وما يوجعني أن ولدي سعد الله قبِلَ التواصل معهم مثل كثيرين من ناسنا طمعًا ببعض قروش ... !

وراح يُساعدُهُم في صيد الأسود وفي التحرُّك في الغابات المحيطة بنا ،

فباتَ ضحِيَّة نفسه ،

ضحية عمله ،

عقله وضحية غُزاته .

 

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;