- (هل تدري أي ازدحام سيرٍ يوجد في هذه اللحظة على طريق الكرَيوت؟!)

-  (أهذا ما تفكر به الآن)؟!

 -  أجابني نسيبي إذ كنت أصطاد السمك معه على شاطئ بحيرةٍ في النرويجي

لا تنفك المياه تزاح نحو الجانبين بحركةٍ متواصلة، ينجلي معها عبر الزجاج وجه الدنيا. المطر يتساقط بتهذيبٍ، عاكساً في الداخل هدوءاً، تذكر به ذبذبة أصواتٍ خافتة.

- كان الإنتقال إلى المسار الجانبي السريع محظوراً  في تلك القطعة من الشارع. لم تتواجد هناك شرطة سير أو كاميرات لكنه رفض الإنتقال إليه! هناك في النرويج.. حياة منظمة. أناس هادئون. الأسابيع الثلاثة التي قضيتها في رحلتي هناك..! رأسٌ خاليٌ من الهموم. ليس هناك من يبلبل لك المخ!

يتساير الباص مع منعطفاته الحادة بين الجبال والوديان. يتعرج عبر أحراش الصنوبر والسنديان متقدماً، بتؤدة واثقٍ هدفه آخر الطريق. فإذا انتهى من مرتفعات الجليل الأعلى، تسطحت الأرض.

يرتفع هديره عالياً. يتعالى إلى نقطة يستحيل فيها خطاً أفقياً ممتداً، ينسجه اهتزازٌ صوتيٌ أحادي لا نهائي التكرار. يطمر تحته كل ذبذبة صوت. لتتناسخ المناظر خارجاً، تتوزعها قرىً ثبتت في أماكنها، يقابلها جانب الطريق الآخر مستوطنات.

ينسكب الهدير داخل الباص كتلةً، تتشرب كل شخصٍ حتى العزلة. شيئاً بشيءٍ، يأخذ تردده  المنتظم بتواطيءٍ والتتابع المشهدي عبر النافذة، باستقطاب كل وعيٍ إلى ذاته الداخلية. دافعاً رؤىً ورذاذ أفكارٍ عمق الذات بالعبور متتابعة.

صور تومض داخلي تتقاسمها أزمنة شتى، بعضها لم يأت بعد. أفكارٌ تنبت من تلقاء نفسها في كل صوب تمتد على حقل النظر، لتتداعى غيرها  كقطع دومينو تستدعي إحداها الأخرى، مركبة معاً ثرثرةً ضمنية بعيدة عن احتواء الوعي لها. أشعرني أدخل غيبوبة تفكير مستقلة عني، لها عالمها الداخلي، جهازها، نظامها ودورة عملها.  

لا زال باستطاعة كلماته العالية التميز في جسد الهدير، لتصلني أحجاماً مفرغة بعد ارتطام أحرفها. سوى كلمة واحدة، أستدل من ايقاعها الدائري بالعبرية، كونها النرويج.

رؤية تومض في ذاكرتي فجأةً كفلاشٍ هارب،

 كان يتكوم على كرسي القيادة بمعطفه الدبي، مع قميصٍ وشعرٍ يوحيان بالتعرق. أنظر إليه الآن، يجلس على ذات الكرسي، وقد أستطالت ساقاه ورشق جسده.

مذ وقعت عيناي عليه عند صعودي الحافلة، بدا كخارجٍ من حمية صارمة. كان يعاني فائض سمنة، والآن فائض جلد. توزع بعضه أتلاماً في الجبين، ليتسكع ما تبقى في مساحات وجهه المستطيل.

أذكره.. سائقاً لا يعاند ولا يقارع، بعيداً عن السائقين المشاكسين. يبعث الإرتياح في النفس حين يتبين كونه سائق اليوم. يأخذ الأجرة بصمت، مرجعاً الفكة مع نظرةٍ مطواعة. لا أذكر أني سمعت صوته يوماً.

كان يغلفه الصمت. بل يسكنه صمت.

ينعزل في كرسيه. يتداول مع الجميع. دون التعامل مع أحد. تبلدٌ تلبد في عينيه. ينظر إلى الركاب كمن يتفرج على أناسٍ، وحيواتٍ يجرّونها معهم. كمن يتفرج على الحياة. من موقعه.أن

لم يره أحد. كان ممن لا يُرون!

بماذا كان يفكر في تلك اللحظات؟!

بل ما الذي كان يعتريه؟! هل كان يعيش حالة إحباطٍ؟ أم ضغوط حياتية أفقدته تذوق الأشياء؟ لعل روتين عمله قليل الحركة أوصله ذاك المكان ولم يمض عنه؟ ربما كان يعاني اكتئاباً؟ أو السمنة، ضربت الذات وتركته في دائرة مغلقة؟ لكن، قد تكون السمنة نتيجة أيضاًأ ؟!

ها هي كلمة النرويج، أتلقفها من جديد. لا زال يتكلم دون انقطاعٍ إلى محدثه في المقعد الأمامي. يلتفع بلوزةً صفراء يافعة وبنطال جينس عصري القصة، مع رأسٍ حليق.

كان أصغر سناً. والآن أكثر شباباً!

من هو بالأكثر أمساً أم اليوم؟ أم لعله آخر.. يتحرك في كل يوم مطلقاً وجوهاً مغايرة؟!

ما هذا المونتاج الغريب الذي أقوم به الآن؟! ماذاعن السنوات الفاصلة؟! هل أقتصها كشريط سينيمائي؟! قد يكون هذاهو. وليس آخر. ثم من هو هذا الآخر؟! هل نبت فجأة؟! لقد مرّ زمن مذ كنت أسافر بتواصلٍ على هذا الخط. وما يظهر الآن، حدث خلال ذلك الزمن.

تغيرٌ كهذا بحاجة إلى قرار!                                                                         وفي أحد الأيام وصل ذروةً لم يعد يستطيع معها تحمل تلك الفوضى في حياته يوماً واحداً، وأخذ القرار!

لقد قام بلملمة شتاته حزمةً واحدة، وضعها على الطاولة وبدأ ترتيب الأشياء!   

بل هو قرر الخروج من أماكن كان عالقاً فيها إلى حياةٍ جديدة، طالت مناحي كثيرة، أكسبتها هذه التسمية عن استحقاق؟!                                                      

لقد وصل إلى آخر طريق اليأس، هناك بعد أن خبره جيداً، قام بتعيير ذاته على خط الصفر، تأهب وانطلق من جديد؟!                                                                            ربما كل ما في الأمر أن تراكم عليه غبار الزمن. ليستفيق فجأةً على مسافة من ذاته، فقرر العودة إلى الذات؟                                    

إنما هي رؤية جديدة اعتنقها، كشفت له لانهائية الآفاق. ثم قامت بتفعيل طاقاته المهجورة زمناً.. وهذه هي النتيجة؟!! 

أنظر إليه يستعرض فتوحاته النرويجية بإعجابٍ رياديٍ. يبدو كمن يعاني تورماً فجائياً في الأنا؟

ما يظهر واقعاً، أن تغيراً فارقاً طرأ عليه. لكن! ربما لم يستطع شخصه اللحاق بهذا التغير، استيعابه وتطبيعه داخلاً، فأصابه التورم.

ثم باغتته النرويج!

أترك التحليل إلى حين. أشيح بنظري إلى النافذة. تعود فوراً ثرثرتي الضمنية. أتبعها ممغنطة. من أين تأتي جميع هذه التفاكير؟! تبدو رقدت منذ دهر! ها هي فرصتها، في هذا الوقت الضائع. أحاول الإمساك ببعضها، تبيانها محاورتها، تعبرني مبتعدة. كهذه المشاهد العابرتني خارجاَ.

أقلّب المشاهد عبر النافذة. مساحات ممتدة تتبعها معامل. مجمعات تجارية. كتل أبنية مدونة فيها شقق سكنية، تخبر نوافذها الصغيرة المحفورة في الجدران وشرفها المسدودة، بضيق المكان وعطشها إلى ضوء الشمس. تثير فيّ ذات الشعور كما في كل مرةٍ تعبر أمامي. أنتبه فجأة إلى ارتفاع ذبذبة أصوات الركاب من جديد. ألاحظ كونها عادت منذ دقائق قليلة، إذ لا زلت داخل غيبوبة تفكيري. أنتبه خارجاً، لقد وصلنا الكرَيوت. أبطأ الباص وانخفض هديره.

تتكاثر المسارات في كل اتجاه إلى ثلاثة أو أربعة مع المخارج. تكثر المفارق والإشارات الضوئية وتزدحم السيارات.

- ها قد بدأ هذا الآن..

يتابع لمحدثه في المقعد الأمامي.

ينتهي الباص من مفرقٍ إلى آخر. تتراكم السيارات أرتالاً على الإشارات الضوئية، بعضها تتوقف أكثر من مرة على الإشارة الواحدة. تحاول غيرها الإنتقال إلى مسار أسرع أو أقل إزدحاماً.

- هل رأيته؟ لقد حاول اجتياز السيارة جانبه والدخول إلى مسارها

يتابع بعد قليل:

- لم يحافظ على بعد كاف معها! في اللحظة الأخيرة تراجع!

يبدأ بإزاحة جسده قليلاً قليلاً إلى اليسار مع حركةٍ غير مستقرة. يمد يده نحو النافذة بتردد، يبدو كمن سيرجعها في كل لحظة. لا يظهر واضحاً ما الذي يجري؟! يفتح زجاج النافذة ببطء، يطل بوجهه خارجاً كمن يستكشف شيئاً، ثم يرتفع صوته عالياً:

- أنت. أنت سائق زبالة.

تنقطع ذبذبات الأصوات داخل الباص مرةً واحدة

يتابع بعبرية متنمرة:

- أنت سائق زبالة. أنت زبالة. واحدٌ مثلك يجب أن لا يخرج إلى الشارع. إذهب هناك إلى البيت. إلى زوجتك.

يغلق النافذة سريعاً. يستدير ناظراً ذاته في عيني محدثه، مشيراً بيده اليسرى نحو الخارج قائلاً:

- أترى. هذا ما يعصبنني!

 

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;