"... فلمّا  أتيا  الى  الموضع  الذي  قال  له  الله  بنى  هنالك  ابراهيم  المذبح  ورتب  الحطب  وربط اسحاق  ابنه ووضعه  على  المذبح  فوق  الحطب. ثمّ  مدّ  ابراهيم  يده  وأخذ  السكين  ليذبح  ابنه.  فناداه  ملاك  الرب  من  السماء  وقال  ابراهيم  ابراهيم.  فقال  هأنذا. فقال لا  تمد  يدك  الى  الغلام  ولا  تفعل به  شيئا.  لأني  الآن علمت أنك  خائف  الله  فلم  تمسك  ابنك  وحيدك  عني. فرفع  ابراهيم  عينيه ونظر  واذا  كبش  وراءه  ممسكا  في  الغابة  بقرنيه. فذهب  ابراهيم  وأخذ  الكبش  وأصعده  محرقة  عوضا  عن  ابنه.

"... اني  من  اجل  أنك  فعلت  هذا الأمر  ولم  تمسك  ابنك  وحيدك أباركك  مباركة وأكثر  نسلك  تكثيرا  كنجوم السماء وكالرمل  الذي  على  شاطىء  البحر. ويرث  نسلك  باب  أعدائه.  ويتبارك  في  نسلك  جميع  أمم  الأرض  ".

" سفر  التكوين،  التوراة  في  العهد  القديم، الاصحاح  22  "

 

سأحاول أن  أطلعكم، أحِبّائي القارئين، على أوجه الشبه والخلاف بين قصة ابراهيم الخليل  التوراتية  والتي  ورد  ذكرها  في  القرآن  وبين  قصيدة " قرى  الضيف " للحطيئة،  الشاعر  الجاهلي  المعروف. ( 1 )

قد  تستغرب أين أوْجُهُ  الشَّبَهِ وتفصِلُ  سنوات كثيرة بين  نشأة  القصة  الأسطورة المذكورة و بين رواية هذه  القصيدة،  التي  ربّما  لفتت  انتباهك ولفتت انتباه  آخرين.

تعرف  ولا  شك  أن  ابراهيم  الخليل  يعيش  في  وجداننا  المشبع  بالمعتقدات  الدينية،  اليهودية والمسيحية  والاسلامية، على  أنه  ابو  الأنبياء.

وقصة  ابراهيم  الخليل  في  أساسها  دينية منشأها  السماء، وبعض  رموزها، الله  والملاك،  لكن  فيها  الكثير  من  الدلالات  والتأويلات  المحتملة.

وبالمقابل،  فان  قصيدة  الحطيئة أرضية. وقد تعلمناها  في  مناهج  التدريس  الثانوية وفي  كتب  الأدب عامة على  أنها نموذج لحياة   الانسان  الصحراوي  الجافة  والخشنة، لكن  المليئة بالكرم  والبذل  والاستعداد  للتضحية، حتى  بالأبناء.

سأحدثك  بإيجاز، كي  أوضح  وجهة  نظري،عن  أمور  ثلاثة،  تؤكد  قناعاتي:

أولها – اعتاد  الانسان  القديم على التقرب  من  الآلهة، آلهته ،  بتقديم  القرابين  اليها. كي  يأمن  في  الأساس  شرورها  وكي  يستحق  جزاءها  وعطفها.  وكان  قبل  ذلك  يؤمن  كثيرا  بالسحر، ويتصوّر فيه  قوّة  خارقة، فيلجأ  اليهه  اتقاء  للشرور  وللكوارث  الطبيعية  المتنوّعة،  التي  كانت  تلم به، ولما  ثبت  بطلان مفعول  السحر،  نشا  الاعتقاد  بضرورة التقدّم  بالقرابين  ابتغاء  لمرضاة  الآلهة. ظهرت  عادة  التقدم  بالقرابين،  وكان  هناك من  له  مصلحة  ومنفعة بالترويج  لهذه  الفكرة.

وكانت  هذه  القرابين مختلفة  من  حيث الماهية  والشكل  بين  شعب  وآخر.

وعرفت  شعوب  كثيرة في  مراحل  تطورها المختلفة شكل  التضحية  بالإنسان. وأعتقد أ ن التضحية  بالإنسان – بالابن أو  الابنة –  وهما  أعزُّ ما  يملك  الانسان، نشأت  في  المجتمع  الأبوي،  فمجتمع  الأمومة  لم  يعرف  ظاهرة التضحية بالمولود،  فالأم  لا  تضحي  بولدها ولا  يعقل  أ ن  تتقدّم  به  قربانا، وهو  ما  نجده في  القصة  الذ كية،  التي  تنسب  للملك سليمان ( يشك  في  أمر   وجوده )   كأحد  معالم  حكمته،  فالأم  الحقيقية  رفضت أن  يقتل  ولدها  بتقسيمه، وآثرت  التنازل  عنه كي  يبقى  حيّا. ومن  الملاحظ،  أنه  يجري التقدم بالإنسان الضعيف، كضحية، سياّن  كان  ذلك  ابنا  ذكرا  او  فتاة. فمثلا المصريون القدامى عرفوا  هذه الظاهرة، واعتادوا التقدم بفتاة  جميلة – قربانا - استرضاءً  وتقربا  من  النيل الإله، في مواسم فيضانه. وذلك  كي  يمنّ  عليهم  بالخير ويغمر الحقول  بمياه  فيضانه.

ويبدو  أ ن  التضحية والتقدم  بالقرابين، ابنا  أو  بنتا، كانا  معروفين ومنتشرين  عند  القبائل  العربية  البدوية  في  الصحراء.

ولكن  العقل  البشري فتّش  عن  بدائل أخرى للتضحية  بها،  استبدل  التضحية  بالإنسان بأشياء  قريبة  منه وفي  متناول  يده  كالحيوان والنبات  وغيرها.

أما  الأمر  الثاني – فيعتمد على  أن  القصص لا ترتبط  بجوهر  الدين،  الذي  هو  الايمان  بالله.  أما  القصّ فقد وصفه  الرسول  ا لعربي خير  وصف،  اذ  اعتبره  من أساطير الأولين.  فقد  أنتج  هذا  القص الناس  الأقدمون، أفرادا  وجماعات، عاشوا  في  بيئة اجتماعية  محدّدة أو  أنه  كان  انعكاسا  لنفسية محددة وكذلك  تعبيرا  عن  مصالح  أرضية محدّدة. وكثير  من  هذا  القص يتشابه في  الجوهر  والغاية،  اذا  ما نشأ  في  بيئات اجتماعية معاشة.  وكثيرا  ما  يعلق  هذا  القص في  أذهان  الناس ، الذين  انتجوه وأبدعوه  أصلا وبات  جزءا  من  عقيدتهم  وتصوراتهم  الدينية. ويكتسب مع  تواتر  الأجيال  صفة  مقدسة، ويغدو  من  المحرمات، فلا  يناقش  في  شأنه،  يصير  تابو.

أما  الأمر  الثالث، فأنا  أرى أن  العبرانيين، الذين  يدّعي  يهود  اليوم  الانتساب  لهم، هم  في  الواقع  قبيلة  بدويّة  مثل  مضر، التي  تفرّعت  عنها  قريش، ومثل  الغساسنة،  الذين  انتقلوا  الى  سوريا  وعاشوا  فيها، ومثل المناذرة  في  العراق، وكانت  في  أصول  نشأتها تعيش في الجزيرة  العربية وفيها  صاغ  العبرانيون  الأوائل  قصصهم  وأساطيرهم.

ومن  شبه  الجزيرة  العربية  انتقلوا الى  العراق وفلسطين   ،  كما  كان  مع  الكلدانيين  والبابليين  والأشوريين من  قبل  والعرب من  بعد.   وكانوا  قبل  أ ن  يفدوا  الى  العراق  وفلسطين  رعاة  يبحثون  عن  الكلأ  والماء. وفي  فلسطين  التاريخية ، التي  كانت  جزءا  من  سوريا  التاريخية، الى  الغرب  من  الفرات، وبالذات في جبال الخليل ( حول  القدس ) ونابلس ( السامرة ) ذهل  العبرانيون  القدامى،  الذين كانوا  أصلا  رعاة  صحراويين، من  وفرة  المياه  في  هذه  المنطقة ومن  كثافة  الخضرة  فيها ، فنشأ  عندهم  التصور  البدوي  الساذج:

بأن  الههم (الرب)  وعدهم  بهذه  الأرض،  أعطاهم اياها لهم  ولنسلهم  من  بعدهم.  نشأ  ما  نعرفه ونقرأه  في  سفري  التكوين  والخروج ونسميه  الوعد الرباني.

وكانت الأرض في  حينه  مشاعا،  تنتقل  الى  من  بيده  القوة. وأستطيع  القول  أن  كثيرا  من  هذا القَصَصِ  الد يني  الموجود  بكثرة  في  التوراة، وهو في  أصله مصري، كنعاني  وسومري  (عراقي قديم) وظف  أساسا  في  الصراع  مع  القبائل الأخرى  الساكنة  في  المنطقة.  كان  جزءا  من  الحرب  النفسية  للتعريض  والنَّيْل  والمَسِّ  بالقبائل  والشعوب  المجاورة،  كالكنعانيين  والمصريين.  وكان  محاولة  لتبرير  الصمود  في  الحرب  على   الأعداء  من  جهة  ومن  جهة  أخرى  تبرير البطش بهم  وكأن  ذلك  بأمر  من  الله، وقد  أظهروا  الله  وكأنه  متعطش  للدم. وبَرَّروا،  بالاختفاء  وراء  القصص  الديني  ، ما  يمكن  أن  نعتبره  اليوم  استئصال  الآخرين.

وما  يزيدني  قناعة  بما  أ قول:

- أ ن القَصَصَ غالبا  ما  سبق  ظهوره الزمن  الذي  سجل  ووقع  فيه، مرويا  أ و  محكيا .

-  أن  هذا  القصص ، ذا  الطابع  الأسطوري،  يعكس  بصدق  البيئة  المعاشة والنفسية الاجتماعية  لأصحابها وكثيرا من أسئلة هذا الوجود. وعليه  يتشابه  هذا  القَصَصِ  من  حيث الجوهر والغاية والشخوص،  اذا  ما  تشابهت  البيئات  التي  ينشأ  فيها. ولا  يغير  في  ذلك  الاختلاف  الحاصل  أحيانا  في  التفاصيل  والشخوص.

-  التشابه في الأصول،  في جذور الأفعال والأسماء والمشتقات " المصادر " بين اللغتين  العبرية والعربية. وهذه الأخيرة هي حقا لغة قريش من مضر في الحجاز ونجد والقبائل  المتواجدة حول مكة في الحجاز. وهذا التشابه يؤكد حقائق، أهمها، أنًّ اللغتين نشأتا وتطورتا  في بيئة واحدة، متجاورة وفي زمن متقارب.

لا  انفي  تأثير  الآرامية  الكبير، كلغة،   وخاصة  على  العبرية،  لكن  نشأة اللغتين  متقاربة  وتمت  في  بيئة  متجاورة ومتشابهة  كثيرا، وربما واحدة، وكثير من  القصص ، الذي  نجده  في  التوراة – في  العهدين  القديم  والجد يد – ونجده الى  حد  ما  وبكثرة  مدهشة  في القرآن، نشأ في  بيئة  بدوية  وفي  مجتمعات تميَّزت  بعقلية  صحراوية  مشابهة  للعقلية  البدوية  في  شبه  الجزيرة  العربية.

وهي العقلية التي تبيح لصاحبها الاعتقاد أن إلهه  -  يهوه مثلا –  أقوى الآلهة وأنه ابن " شعب الله المختار ". وتمشيا مع هذه العقلية البدوية الصحراوية ظن كثير من العرب أنهم خير أمة بعثت للناس.

واستنادا  الى  ما  تقدم  يمكن  القول إ ن  القبائل  العربية في الحجاز ونجد ، والحطيئة  أحد  أبنائها،  كانت  على  معرفة بهذا  القصص،  وإن  الحطيئة  قد  يكون  تأثر  به  واعيا  أو  عن  غير  وعي.

زد  على ذلك أ ن  لكل  قبيلة  كان  قصصها  الخاص،  حفظ  الرواة  جزءا  منه  وتقادم جزء  منه  فإما  نُسِيَ  كليًّا  أو  وصلنا  قليل  منه  على  شكل  نتف.

وقد  وصف  النبي  العربي  جزءا  من  هذا  القصص  بأنه  من  أساطير  الأولين، رأى ببصيرته  الثاقبة  حقيقة  هذا  القصص، مجرد  أساطير  الأولين.

وأنا  أعتقد  أ ن كثيرا  من  هذا  القصص  نسب  عمدا  وعن  غير عمد  الى  جوهر الدين ، فاكتسب  قدسية  وصار  جزءا  من  المعتقدات  الدينية  ومن  المحرمات. وقد احتفظت الديانتان – اليهودية والإسلامية  - بشكل واضح وجلي بأكثر هذا القصص، الذي هو في الأصل قصص أسطوري قديم.

لنعد  الى  أوجه  الشبه  بينهما والى  جمالية القصيدة، وهي  أكثر  ما  يعنينا. سأرفق  القصة، كما  وردت  في  التوراة، وأرفق القصيدة  لتطَّلع  عليها  وتتأكَّد  من  أوجه  الشبه فيما  بينهما.

تحكي  قصة  ابراهيم  الخليل،  بإيجاز  وبدون  تحد يد  زمني  ومكاني، أن   ابراهيم  الخليل  رأى  في  الليل  حلما، رؤيا ،  ظهر  له  الرب  وطلب  اليه  أ ن  يتقدم  اليه بقربان – تضحية – اكراما لله.

وبعد  أ ن  أعمل  ابراهيم فكره، تفتق  عن  أن  الرؤيا  تتطلّب  منه أن يضحي  بأغلى  ما يملك:  ابنه  ووحيده.

ظهر  له  ملاك  الرب في  اللحظة  التي  همّ  فيها  بذبح  ابنه،  فنهاه  الملاك  عن  نيته  وأشار عليه بأن  يذبح  الكبش  عوضا  عنه ويفتدي  ولده،  فقام  بذبح كبش الغنم.

هذه  هي  قصة  ابراهيم،  وهي  في  الواقع  قصة  عظيمة،  لما يمكن  أن  تعنيه  من  دلالات  مهمة.

ولكن  ما  شأن  قصيدة   الشاعر الجاهلي، الحطيئة،  وهذه  القصة.

غالب  الظن  أ ن  الحطيئة  تأثر بهذه  القصة وتكمن  جمالية  القصيدة  المعنية  والمرفقة  في  آخر  المقالة، في  أنه  " حررها "  من بعدها  السماوي وأعادها  الى  الأرض، أي الى  الواقع  البشري  والمادي  المعاش.

أذكر  أنني  تعلمت  القصيدة  في  الثانوية  وقرأتها  لاحقا  في  كتب  الأدب  كنموذج  للكرم  العربي  البدوي،  ولا  أشك  في  أنها تقدم  قراءة  وافية  وصادقة  للحياة  العربية البدوية  في  الصحراء  وتمثل  بوضوح  هذا  الكرم. ولكني  لاحظت  أن  القصيدة  تروح  بنا  الى  ما  هو  أبعد  من  مجرد  الكرم  العربي. حاولت  أ ن  أرى  فيها  ما  هو  أبعد  من  مجرد  المعنى  الحرفي  أ و  اللفظي. أردت  أن  أتلمس  معانيها  المبطنة  المخفية،  وهو  ما  عناه  الشاعر، أ و ما يمكن  أ ن  نستشفه  من  قراءة  متفحصة للقصيدة.

رحت  أراها  بعينيَّ وكأنهما عينا الشاعر،  هذا  البدوي  الظريف  الجميل، جميل  الروح،  وان  يكن  هجا  نفسه  مرة  حين  رأى  قبح  وجهه. ولم  تنج  أمه  حتى  من  هجائه.

فماذا  تحكي  لنا  القصيدة  والتي  مطلعها:

 

" وطاوي ثلاثٍ عاصب البطنَ  مُرْمل        ببيداء  لم  يعرف  بها  ساكن رسما "

 

يحدثنا  الحطيئة  عن  رجل  بدوي - انتبه للطابع  الحكائي  للقصيدة  المخالف  لما  ألفناه  في  الشعر  العربي  القديم بما  يتضمنه  من  مدح  وفخر  وهجاء.

ربما  يحدثنا  عن  شخصه  وواقعه. يسكن  هذا  البدوي  وحيدا في  خيمة، يجلس  أمامها  هو  وأولاده،  وقد وصفه  بقوله " أخي  جفوة " ووصف حالة  اولاده، كانوا  نحيلين  من  الجوع، حفاة  عراة،  فلم  يعرفوا  طعم  القمح في  حياتهم،  بطونهم  خاوية ،  كما لم  يعرفوا  الأكل  منذ  ثلاثة  ايام.

وبينما  هم  جالسون  أمام  الخيمة  في  هذه  الحالة من  العزلة

" ببيداء لم  يعرف  بها  ساكن  رسما  "

والجوع  والعري، حالة  مزمنة  عندهم، ينعدم  فيها حتى  توفر  كسرة  الخبز، يأتيهم  بشكل  مباغت، من المجهول الصحراوي، شديد العتمة، وهم  في  هذه  الحالة المزرية، يأتيهم ذاك الضيف.

يدرك  أحد  الأولاد  ما  يربك  أباه  في حضرة الضيف، فيعرض  نفسه،  يضحي  بها،  للخروج  من  المأزق  ولإكرام  الضيف  الذي  أتى مباغتة.  يطلب  الى  أبيه أن يذبحه ويقدمه طعاما للضيف.  وألاّ يعتذر  بأنهم  فقراء ،  فقد  يظن  الضيف  بهم سوءا. وبينما  الأب  يعيش  حالة  من  الارباك، بين  الواجب  الذي  يتصوره  وبين  حبه  لابنه، انتصر  " الواجب "  على  الحب  الأبوي،  فهم  بذبحه.  وفيما  هو  يهم  بذبحه، تظهر  من  البعد أتان  حمار  الوحش  المكتنزة  لحما  وشحما،  يتقدمها مسحل – الذكر – قاصدين  الماء، لاح  الفرج، فتوقف الأب  عما  كان  ينوي  عمله، ذبح  ابنه، انبرى  يصطاد  أتان  حمار  الوحش.  وما  ان  اصطادها، علا البشر  الوجوه. قدم  الأب  للضيف طعاما  فأكل  وأكل  الجميع  حتى  شبعوا  وغمرهم فرح  عظيم.

قصيدة الحطيئة التي  أوجزتها  لك هي حكاية شعرية، فيها  كل  شروط  القصة  القصيرة ،

وهي تمثل لنا حكاية شعرية. إنَّها  قصة  أرضية  من  واقعنا  المادي المعاش. قصة معاشة حقا  أي  أنَّ  لها  اساسا  ماديا، قد  تكون  متخيلة  ولكنها  محتملة  الحدوث،  أي  أنها  معاشة  فعلا  ولا  يرفضها  العقل  والمنطق  والعقل. هذا  في  حين  تشكل  قصة  ابراهيم  وضعا  متخيلا،  هو  لا  شك  وليد  الواقع،  لكنه  واقع  متخيل ،  تغلب  عليه  الغيبيات  المتخيلة. فهو مسألة  ايمان .

يمكن  القول  إنَّ موتيفات  قصة  ابراهيم  الخليل وشخوصه  كالله  والملاك  موتيفات ما وراء أرضية – ميتافيزيقيات -، بينما  شخوص الحطيئة أرضية كالبدوي  وأولاده وحمار الوحش، إنَّها حسيّة  ويتقبلها  العقل.  قد  تختلف  الشخوص، ماهيتها  وطبيعتها، ولكن  المضمون، الفكرة والغاية،  يبقى  واحدا  ولا  يتبدَّل. وهو  ما  يوحد  بين  القصة  والقصيدة.

لاحظ:

في  القصة  يظهر  ملاك وفي  القصيدة يظهر  شبح  الضيف ،  وكلاهما  يظهران  بشكل  مباغت.

في  القصة  يبرز  عنصر  التضحية  - ألفداء – بأعز  ما  يملك  المرء:

الولد.

في  اللحظة  الحرجة،  حين  يكمل  ابراهيم  الخليل الاستعداد  اللازم  لذبح  ابنه،  ياتي  الفرج  على شكل  حيوان – الكبش -  يحمله  الملاك. وفي  اللحظة  الحرجة،  حين  يهم  الحطيئة  في  القصيدة بذبح  ابنه،  يظهر  الفرج  على  شكل  حيوان  أيضا , يفتدي  الأتان  ابنه  عمليا.

تلاحظ،  عناصر  القص  في  الحالتين  واحدة.

أحِبُّكَ عزيزي القارئ أن  تلا حظ  أيضا  جمالية  القصيدة، فالشاعر  ينطلق  من  ذاته،  يشخصن  الأحداثُ يُعطيها  بعدا  شخصيا، ينزلها  الى  الواقع  الأرضي،  ثم  يكسبها  صفة  شمولية، ويطلقها

الى  فضاء  أوسع  من  فضائه  الشخصي،  لتصبح تجربة  أعم  من  التجربة  الشخصية،  تجربة  انسانية،  تجربة  التمتع  بروح  الفداء،  أي الاستعداد  للتضحية بما هو أثمن وأعز  شيء  في  سبيل  ما هو  أعز  وأثمن.

القصيدة  المذكورة  لوحة  متحركة،  مليئة  بالمشاهد وتتسم  بمتانة  الألفاظ  وبالغنى  بالصور  والوصف  وبسرعة  تواتر  الأحداث وتعكس  بصدق  قصصا كان  معروفا  في شبه  الجزيرة  العربية.

وفيما  يلي  نص  القصيدة  المذكورة:

وطاوي  ثلاث  ، عاصب  البطن ، مرمل       

                            ببيداء  لم  يعرف  بها  ساكن  رسما

أخي  جفوة ،  فيه  من  الأنس  وحشة            

                            يرى البؤس فيها، من شراسته نعمى

تفرّد  في  شعب  عجوزا"  ازاءها                

                             ثلاثة    أشباح    تخالهم      بهما

حفاة ،  عراة  ما  اغتذوا  خبز  ملة               

                          ولا  عرفوا  للبرّ ، مذ  خلقوا  طعما

رأى  شبحا ، وسط  الظلام ، فراعه               

                          فلما   رأى   ضيفا   تصور  واهتما

فقال   ابْنُهُ  ،  لما   رآه     بحيرة                 

                         أيا   أبَتِ  اذبحني ! ويسّرْ  له  طعما

ولا  تعتذر بالعد م ، عل  الذي  طرا               

                          يظنُّ   لنا   مالا ،  فيوسعنا     ذمّا

فروّى  قليلا ،  ثمّ    أحْجَمَ   بُرْهَة                 

                           وإن   هو  لم  يذبح   فتاهُ  فقد  همّا

وقال : هيا  رباه ! ضيفٌ  ولا  قِرى                

                           بحقك  لا  تحْرِمْهُ  تلك  الليلة اللحما

فبينا  هم ، عنّت  على  البعد  عانة                  

                           قد انتظمت من  خلف مسحلها نظما

ظِماءٌ  تريدُ  الماءَ ، فانسابَ نحوَها                    

                             على  أنه  منها  الى  دمها  أظمى

فأمهلها   حتى   تروَّتْ  عطاشها                     

                             فأرسل   فيها   من  كنانته  سهما

فخرَّتْ نحوص ، ذات جحش ، فتيّة                    

                            قد اكتنزت لحما، وقد طبّقت شحما

فيا  بشرَهُ  إذ  جَرَّها   نحو   أهله                      

                           ويا بشرهم لما  رأوا كلمها   يدمى

فباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم                  

                         فلم يغرموا غرما ، وقد غنموا غنما

وبات أبوهم من   بشاشته  أبا                   

                        لضيفهم ،  والأم  من  بشرها    أمّا

*هذه المقالة سبق ونشرت في كتاب: " متتبعا خطى "، أعيد نشرها في كتابي الجديد " الشعر كما أفهمه ".

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;