-1-

منذ أقدم العصور دأب الإنسان على البحث عن أدوية لمعالجة الأمراض التي تنتابه، وليس أدل على ذلك من استعمال الفراعنة للتوابل والعطور والأعشاب في التحنيط، ومن كتب اليونانيين في الطب غير أنهم مزجوها بعلم الفلسفة فصارت صعبة. فلما جاء الإسلام زاد اهتمام العرب بالأدوية والكيمياء وعلوم النبات، واهتموا كثيرًا بالأعشاب للتداوي حتى صار الصيدلي يسمى عشّابًا ولهؤلاء رئيس يسمى شيخ العشابين. تشير الأبحاث إلى أن أول صيدلية في التاريخ الإسلامي بشكلها الكامل افتتحت في زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (المتوفى سنة 158 هجرية/775 ميلادية) الذي أنشأ بيمارستانًا (مستشفى) وإلى جانبه صيدلية. بعد ذلك انتشرت البيمارستانات والصيدليات في جميع مدن الدولة الإسلامية. من الجدير بالذكر أن هذا النظام انتقل

-2-

من الشرق إلى أوروبا في عهد الإمبراطور فريديك الثاني في أوائل القرن الثالث عشر. في تلك الفترة كان تعليم الطب في جامعات أوروبا يجري في اللغة العربية، وكانت مؤلفات أبي بكر الرازي صاحب كتاب الحاوي، والزهراوي صاحب كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، في ثلاثين مجلد، وهو أبو الجراحة الحديثة والبيروني صاحب كتاب الصيدنة في الطب وابن سينا صاحب كتاب القانون في الطب وابن البيطار صاحب كتاب الأدوية المفردة وغيرهم تُدرس في الجامعات الأوروبية، وما زالت مخطوطات كتبهم محفوظةً في أرشيفات الجامعات الأوروبية. في سنة 1258 م بدأت جامعة السوربون بفرنسا بتدريس الطب بالعربية وامتد ذلك لمدة 400 عام.

يسود الاعتقاد أن إسرائيل هي البادئة بإلزام خريجي كليات الطب بامتحان نهائي قبل استلام الرخصة أو الإجازة. وهذا غير صحيح إذ في عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله (221 هجرية) أجبر الصيادلة على اجتياز اختبار كهذا على يد رئيس الصيادلة، وفي عهد الخليفة المقتدر أُلزم الأطباء باختبار على يد رئيس الجراحين ورئيس الكحالين أو المحتسب. وقد استمر هذا النظام حتى في العهد العثماني. بينما ألزمت سلطات الانتداب الأطباء بالحصول على رخصة أو إجازة لمزاولة مهنة الطب. وقد نص قانون الأطباء الصادر في سنة 1928 على أن من يرغب باستصدار رخصة لمزاولة مهنة الطب أن يكون: أولا ذو خلق حسن، ثانيًا أن يكون قد تعلم 5 سنوات في مؤسسة

 

-3-

جامعية معترف بها، وأن يكون فلسطينيًا،  أو نال إذنًا بالبقاء في فلسطين، وأن يدفع جنيهين لقاء الحصول على الرخصة. على أن تجدد الرخصة كل عام. وقد رفضت سلطة الانتداب الاعتراف بخريجي الجامعة السورية، رغم أن هذه الجامعة كانت تستوفي الشروط اللازمة، وقد طالب الأطباء الفلسطينيون طوال السنين بالاعتراف بالشهادة الصادرة عن الجامعة السورية ولكن مدير الصحة العام رفض ذلك.

رصد المؤرخون العرب تاريخ الأطباء، وألفوا فيه المؤلفات بحيث نشأ نوع أدبي خاص بتراجم الأطباء. من بين من ألفوا في هذا المضمار كان ابن أبي أصيبعة المتوفي سنة 1269 ميلادية في كتابه عيون الأنباء في طبقات الأطباء، وجمال الدين القفطي في كتابه الحكماء، وفي العصر الحديث سليم عبابنة من الأردن في كتابه أعلام الطب، وكتابه رواد الطب الحديث في الأردن، وكامل جميل العسلي في كتابه تاريخ الطب في القدس منذ أقدم الأزمنة حتى سنة 1918. ولم يؤلف كتاب في تراجم الأطباء في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني فجاء كتابنا ليسد الفراغ في المكتبة العربية ويكمل الصورة عن تاريخ فلسطين الحديث.

كتابنا "معجم الأطباء والصيادلة الفلسطينيين" مكون من ثلاثة أجزاء. الجزء الأول فيه ستة عشر فصلا نذكر منها: الطب العربي والطب الإفرنجي في فترة الحروب الصليبية حيث أوردنا فيه شواهد من كتب التاريخ على أن العرب في تلك الفترة فاقوا أطباء

-4-

الفرنجة الذين قطعوا رجل شخص ظهر فيها دمل، أو شقوا رأس امرأة أصيبت بالنشاف لإخراج الشيطان منها وغيرها من أمور الشعوذة. في هذا الجزء تطرقنا إلى الطب الشعبي والأوبئة في فلسطين. هذا الفصل يكتسب أهمية كبيرة لأن الناس في القرى بقوا

طوال فترة الانتداب يستعملون الطب الشعبي، لأن الأطباء العرب فتحوا عيادات لهم في المدن الرئيسية، باستثناء القليل منهم مثل الدكتور خليل أبو العافية الذي افتتح عيادات في القرى المجاورة للمجدل. هذا الغياب اضطر الأهالي إلى اللجوء للأطباء اليهود في المستعمرات اليهودية المجاورة، فكانوا عرضة للاستغلال. تطرقنا في هذا الجزء إلى دائرة الصحة في عهد الانتداب، وتوصلنا إلى أن حكومة الانتداب استغلت سلطتها لنهب مقدرات الشعب الفلسطيني وسعت لإنهاكه من جهة وتشجيع الهجرة اليهودية من جهة أخرى. فقد منحت اليهود حرية تكوين جهاز طبي مستقل بمساعدة نجمة داود الحمراء الأميركية، لقد أنشأ اليهود أكثر من 25 مستشفى خصوصيًا منها مستشفى بلنسون، واستوعبوا مئات الأطباء الذين هاجروا من أواسط أوروبا من ألمانيا بالتحديد. بينما كانت المستشفيات الحكومية تابعة لدائرة الصحة، وإليها توجه العرب للمداواة. في عام 1920-1921 بلغت المصروفات على دائرة الصحة 9.6% من مجمل مصروفات حكومة الانتداب، بينما انخفضت هذه المصروفات بالتدريج لتصبح في سنة1937 3.1% واستمرت هذه النسبة حتى نهاية عهد الانتداب. ملخص القول إن مجمل مدخولات حكومة الانتداب من الضرائب وغيرها كانت دائما أعلى من

-5-

المصروفات. لم تخسر حكومة الانتداب شيئًا من جيبها، بل بالعكس ربحت. ناهيك عن أن اليهود كان يحق لهم الحصول على المداواة في المستشفيات الحكومية مثلهم مثل العرب. كما عين أطباء يهود في المستشفيات الحكومية الخاصة بالعرب

وممرضات يهوديات في المستشفى الحكومي في يافا، وحيفا، وبيت صفافا. بينما لم نجد طبيبًا عربيًا واحدًا في مستشفيات وعيادات تل أبيب. لقد أثار ذلك حفيظة الأطباء العرب. كان اهتمام دائرة الصحة ينصب في منع انتشار الأوبئة مثل الكوليرا والملاريا والجدري والتيفوئيد. لقد تغيرت أحوال الناس وذلك بانتشار وسائط النقل والعمران. لكن دائرة الصحة لم تعر القرى البعيدة اهتمامًا فلم تفتح فيها عيادات إلا من ندر مثل ما جرى في قرية بديا القريبة من نابلس. في سنة 1933 جرت أحداث توجب الوقوف عندها: في تلك السنة جرى تهجير عرب الحوارث عن قراهم. هذا الموضوع أثار هيجانًا شعبيًا عامًا ونقدًا من الفلسطينيين. لقد كان لمنظر المشردين الوقع الكبير في النقوس، فهب المحسنون يتبرعون بالمال والغذاء، كما هب بعض الأطباء الفلسطينيين لتقديم المساعدة الطبية. في تلك السنة بدأت موجه طاغية من الهجرة اليهودية من ألمانيا إلى فلسطين. كان بين المهاجرين مئات من الأطباء الذين فروا بآلاتهم ومعداتهم من بلدهم نتيجة تطبيق قانون ننبيرغ الذي يقضي بعدم تشغيل اليهود في مرافق الدولة. هؤلاء جاءوا إلى فلسطين يطلبون الرزق. هم ليسوا فلسطينيين طبقًا لقانون الجنسية الصادر في شهر آب سنة 1925م، لكن حكومة الانتداب سمحت بمنحهم رخص لمزاولة مهنة

-6-

الطب. ثم سرعان ما أصبح عددهم مئات، وبلغ عدد المهاجرين اللمان 280.000. لقد نشأت عقب ذلك مشكلات: كان الطبيب الألماني مستعدًا للعمل بأجر زهيد. بعضهم عمل حتى في فرع العمار والبناء وفي الزراعة. اكتفى الطبيب اليهودي الألماني بأجر

بسيط، وراح ينادي في الشارع على من يرغب في حكيم. لقد خلق هذا الوضع مشكلة لدى الأطباء الفلسطينيين. إذ تدنت أجورهم إلى حد الفقر. لقد فضل الجمهور الطبيب الألماني على الطبيب العربي، ذلك لأن الطبيب الألماني كان متخصصًا في فرع واحد من الطب: مثلا طبيب أنف وأذن وحجرة، طبيب عيون، طبيب نسائي، طبيب مجبر، طبيب عظام... والخ. بينما كان معظم الأطباء العرب خريجي الجامعة الأميركية في بيروت والتي كانت تسمى حتى سنة 1920 الكلية السورية الإنجيلية. لقد تخرجوا ومعهم شهادة طبيب جراح، وهي شهادة طبيب عام غير متخصص في فرع محدد. حاول الأطباء العرب مجابهة الموقف بأن عرضوا على الطبيب اليهودي العمل معًا في عيادة واحدة، مثلما حدث مع الدكتور أنور الشقيري والدكتور برنر في عكا. بعضهم فتح عيادة في منطقة عربية مثل الدكتور ليهرز الذي فتح عيادة في بيسان. فلما استدت سواعدهم فتحوا عيادات خاصة أو عملوا في المستشفيات الخصوصية اليهودية التي بلغ عددها أكثر من خمسة وعشرين مستشفى، وراحوا يجبون أسعارًا باهظة. (حكاية امرأة زوجة سليم اللوزي في القدس- الدكتور مندل هداسا) إزاء ذلك دعا أطباء حيفا عام 1933 إلى مؤتمر اسموه مؤتمر الأطباء الوطنيين. حضر المؤتمر 35 طبيبًا

-7-

وبالإنابة 35 طبيبًا، وقد كان من بين المبادرين الدكتور كاستيرو الإيطالي والدكتور هوفمان الألماني، وقد طالب المؤتمر حكومة الانتداب العمل على وقف منح الرخص للأطباء اليهود المهاجرين الجدد، وتحسين ظروف الطبيب الفلسطيني، والاعتراف

بشهادة الطب الصادرة من الجامعة السورية، ومنع الأطباء العاملين في دائرة الصحة من فتح عيادات خاصة بعد الظهر وأيام العطل. وفي اعقاب ذلك أقيمت الجمعية الطبية في يافا. منذ تلك الفترة تجمد العمل الجماعي للأطباء العرب بسبب اندلاع الثورة الفلسطينية بين السنوات 1936-1939 ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية مباشرة. في سنة 1944 دعا الدكتور توفيق كنعان والدكتور محمود طاهر الدجاني إلى مؤتمر للأطباء العرب في القدس، وقد حضر المؤتمر أطباء من القدس وحيفا ويافا ونابلس وغزة. هذه المرة نجح الأطباء العرب في توحيد كلمتهم، حيث شكلوا جمعية تحافظ على حقوقهم أسموها الجمعية الطبية العربية الفلسطينية، وكذا فعل الصيادلة حيث شكلوا جمعية الصيادلة العرب. وقد قدم هؤلاء مطاليب لسلطة الانتداب بأن يوقف مدير الصحة العام منح الأطباء اليهود المهاجرين رخصًا لمزاولة المهنة، وإرسال عدد من الأطباء العرب للاستكمال في الجامعات الأوربية. في سنة 1947 أقيم الهلال الأحمر الفلسطيني، كما كرروا الطلب بالاعتراف بشهادة الطب الصادرة عن الجامعة السورية. كي أقرب لكم الصورة إليكم بعض الإحصائيات التي أجرتها حكومة الانتداب. في سنة 1925 بلغ عدد الأطباء الفلسطينيين 116 طبيبًا، وهم يشكلون 23% من مجموع

-8-

الأطباء في فلسطين، أما في سنة 1938 فبلغ عدد الأطباء المسيحيين 149، والمسلمين 72 معًا(221) بنسبة 10%، بينما بلغ عدد الأطباء اليهود 1975 بنسبة

88.6% من مجموع الأطباء المرخص لهم، والباقي انجليز. وفي كتابنا توجد احصائيات فريدة من نوعها لعدد الأطباء العرب في الأربعينات من القرن الماضي.

في الجزئين الثاني والثالث من كتابنا تجد تراجم للأطباء الفلسطينيين. مرتبة حسب الألفباء. بدءًا باسم العائلة ثم الاسم الشخصي. في كل ترجمة ذكرنا ما تجمع لدينا من معلومات عن الطبيب. سنة ولادته، الجامعة التي تخرج منها، رقم رخصة مزاولة مهنة الطب وذلك لأن هذا الرقم يساعدنا في تحديد الفترة الزمنية التي عاش فيها الطبيب. ثم أماكن عمله وتنقلاته، ونشاطاته المهنية والعلمية والأدبية، ومقالاته أو كتبه إذا وجدت، وقد ذيلنا كل ترجمة بالمصادر التي اعتمدنا عليها في كتابتها ليتسنى للقارئ العودة لها. بلغ عدد المترجم لهم 562 ما بين طبيب وصيدلي. منهم 510 من العرب، 17 من الأرمن والباقون ينتمون إلى جنسيات مختلفة لها علاقة مباشرة بالطب في فلسطين مثل مدير الصحة العام البريطاني الكولونيل جورج هيرون. كان بين الأطباء الفلسطينيين من تخصصوا في فرع الجراحة في الجامعات الأوروبية، نذكر منهم الدكتور نايف حمزة الذي تخرج من الجامعة الأميركية، واستكمل في بريطانيا وعمل في قسم الجراحة في المستشفى الحكومي في حيفا. ونال شهرة عالية لدرجة أن الناس أطلقوا على المستشفى المذكور اسم مستشفى الدكتور حمزة، والدكتور توفيق كنعان

-9-

وهو من الأطباء الرواد وتخصص في معالجة البرص والجذام واختير عام 1944 رئيسًا للجمعية الطبية العربية الفلسطينية، وكانت له هواية جمع التراث الشعبي المتعلق بالأولياء. وقد ترجمت بعض مؤلفاته من الألمانية إلى العربية. ولن ننسى الدكتور فؤاد إسماعيل الدجاني الذي استكمل في بريطانيا، وأسس في عام 1933 مستشفى خصوصيًا في حي النزهة بيافا. والمبنى ما زال قائمًا حتى يومنا هذا لكن تحول إلى ملجأ للعجزة. وهو المستشفى العربي الخصوصي الوحيد الذي كتب له النجاح في فلسطين، وذلك بفضل التبرعات التي جمعتها الجمعيات الخيرية مثل جمعية السيدات العربيات في يافا، وجمعية الشباب المسلم، وكان لهذا المستشفى أوقاف ترفده وتساعده. جرت محاولات لإنشاء مشافي خصوصية عربية، ولكن جميعها باءت بالفشل. فقد رفضت سلطات الانتداب منح رخصة لمشروع مستشفى السيدة أمينة في القدس، ومشروع مستشفى عائشة أبو خضرا وابنتها مكرم في غزة بحج واهية تتعلق بملكية الأراضي المنوي البناء عليها، ولما استوفيت الشروط اللازمة كان الانتداب قد شارف على الانتهاء. في عام 1929 قام الطبيب عثمان الصغير الملقب بالخمرة نسبة إلى ساحة الخمرة في حيفا (ساحة الحناطير) بتأسيس مستشفى خصوصي في حيفا في مبنى مستأجر، على أن يكون الدكتور هوفمان الألماني الجراح المتخصص. من الجدير بالذكر أن هوفمان هذا جاء إلى فلسطين في العهد العثماني وكان في حيفا حي

 

-10-

يسكنه ألمان وما يزال يسمى حي الألمانية. لكن المشروع فشل بسبب تذمر المرضى من الأجور الباهظة التي جباها منهم. وقد سحبت الرخصة واغلق المستشفى. عمل قسم من الأطباء الفلسطينيين في دائرة الصحة، وفي ساعات المساء وأيام العطل في عيادتهم. بينما القسم الآخر افتتح عيادة في إحدى المدن الرئيسية. في تلك المدن عاش فقراء ومساكين لا يملكون أجر المداواة وثمن الدواء. فقام الأطباء بتعيين يوم واحد لمعالجتهم بالمجان، وأحيانا اشتروا لهم الدواء، منهم الدكتور محمد توفيق حتحت الذي لقب بطبيب الفقراء والمساكين. وكان أبوه تاجرًا كبيرًا ومن أثرياء غزة.

عالج الأطباء الفلسطينيون مثل الدكتور فؤاد دعدس الذي عمل في طولكرم، والدكتور حمدي التاجي الفاروقي (يافا) والدكتور صدقي ملحس والدكتور أحمد الطاهر(نابلس)  والدكتور أديب خرطبيل وزوجته وديعة خرطبيل الناشطة النسوية التي اختيرت فيما بعد  رئيسة للاتحاد النسائي الفلسطيني، وغيرهم عالجوا جرحى الثورة الفلسطينية الكبرى في سنوات 1936-1939، وذلك رغم الرقابة الصارمة. أحدهم وهو الدكتور داود صالح الحسيني ابن يافا اجتمع بالقائد عبد الرحيم الحاج محمد في الجبال القريبة من طولكرم، ونقل بسيارته الخصوصية أسلحة وسلمها للقائد عارف عبد الرازق(الطيبة) وبذلك جازف بنفسه. في الحرب التي بدأت بعد قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947بين العرب واليهود ضمد الأطباء جراح المناضلين في يافا. لقد بذل الدكتور محمد زهدي الدجاني مدير مستشفى الدجاني وطاقم المستشفى من أطباء وممرضين جهودًا جبارة في سبيل

 

-11-

انقاذ حياة الكثيرين من المناضلين. كما بذل أطباء حيفا مثل الدكتور ميشال جبارة جهودًا كبيرة في إسعاف الجرحى حيث أقام في المدينة مستشفى للطوارئ.

سادت بين الأطباء روح المحبة والتكاتف، وقد تجلى ذلك في تقديم المعونة لزميل كما حدث سنة 1944 مع الدكتور بشارة عبود الذي أصيب بغنغرينا سكرية في رجله، وأشرف على الموت لولا أن سعى زملاؤه بالحصول على البنسلين الذي وصل فلسطين في تلك السنة، واكتشف في بداية الأربعينيات.

بعض الأطباء والصيادلة تركوا بعد تخرجهم من الجامعة الأميركية مهنة الطب، وتوجهوا إلى السياسة نذكر منهم الدكتور حسين فخري الخالدي الذي انتخب رئيسًا لبلدية القدس سنة 1934، والدكتور عزت طنوس الذي كان في الثلاثينيات رئيسًا للمكتب العربي في لندن وعاد إلى المكتب ذاته بعد الحرب العالمية الثانية، ليشرح معاناة أهل فلسطين ومطالبهم في الحرية والاستقلال. ومنهم الدكتور جورج حبش الذي أصبح منذ سنة 1967 رئيسًا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ولقب بالحكيم، وصديقه الدكتور وديع حداد. ثمة من توجه إلى سلك التعليم مثل الصيدلي سامح الخالدي الذي أصبح رئيسًا للكلية العربية في القدس ونائب المدير العام للمعارف العربية. ومنهم من توجه للعمل في الصحافة مثل الصيدلي نجيب نصار صاحب جريدة الكرمل، ونيقولا شحادة الذي عمل مع أخيه في تحرير صحيفة مرآة الشرق. وهناك من ترك الطب وتوجه لدراسة اللغة العربية وآدابها مثل محمد العدناني الذي عمل برأي الشاعر أحمد

-12-

شوقي وصار حجة في اللغة. ومنهم من بقي طبيبًا وأصدر مجلة سياسية ناقدة مثل الدكتور خليل عبد الهادي أبو العافية. المجلة كانت تسمى المطرقة. وعلى ذكر أبو

العافية نقول إنه سعى إلى فتح عيادات في القرى المحيطة بالمجدل وفي موسم النبي روبين. في المظاهرات التي عمت يافا وجرح فيها العشرات قام أبو العافية بوضع شارة الصليب الأحمر على ساعده وراح يداويهم في الميدان، وكان يركب فرسًا ويزور الجرحى في بيوتهم لاستكمال تطبيبهم.

أحب الأطباء العرب القراءة والمطالعة. لبعضهم كانت هوايات مارسوها مثل الدكتور حقي ماذين الذي كان بطلاً في الملاكمة وتدرب في فرنسا، وهو الذي درب بطل فلسطين في الملاكمة أديب الدسوقي. والدكتور داود صالح الحسيني الذي شارك في تأسيس النادي الرياضي الإسلامي في يافا عام 1928، ولعب في صفوف أول فريق لكرة القدم للنادي. وانتخب لاحقًا سكرتيرًا لهذا النادي، كما اشترك في تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني.

كان الأطباء من الرجال باستثناء الدكتورة سلوى حبيب خوري العتيق ابنة كفر ياسيف في الجليل التي كانت أول طبيبة فلسطينية (1937)، والدكتورة شارلوت سابا(1947) ابنة يافا التي كانت أول طبيبة فلسطينية تتخصص في الأمراض النسائية.

 

-13-

بلغ عدد الصيدليات العربية مائة وعشر صيدليات بالإضافة إلى مستودعين كبيرين للأدوية. وهذا العدد قليل بالنسبة لعدد سكان فلسطين. في فترة الانتداب قامت المصانع

اليهودية بصناعة الأدوية وتصديرها إلى الدول العربية. في سنة 1946 قام العرب بالدعوة إلى مقاطعة هذه الأدوية والمنتجات اليهودية كافة.

في عهد الانتداب كان الصيدلي يعد الدواء بنفسه وليس كما اليوم. لذا برزت أهمية مهنته. بعض الأدوية المهمة اكتشفت في بداية الأربعينيات من القرن الماضي مثل البنسلين. في فلسطين بقي الناس في القرى البعيدة عن المدن يستعملون الطب الشعبي في معالجة مرضاهم. ما طرأ على المجتمع الفلسطيني من تغييرات فرضته سُنة التقدم العلمي العالمي. في منطقة وادي عاره من أم الفحم ومصمص إلى عاره وعرعره وكفر قرع وبرطعة لم يكن هناك طبيب واحد. من بين من حاولوا اكمال دراستهم كان المرحوم محمود عبد القادر يونس أبو النظير. الذي دخل كلية الطب في جامعة القاهرة ونجح في السنة الأولى ولكنه لم يكمل تعليمه لأسباب لا نعرفها. اعتمد سكان وادي عاره في طبهم على الأطباء اليهود الذي يعيشون في المستعمرات اليهودية في كركور وبرديس حنا والخضيرة وعند الضرورة على مستشفى الدكتور حمزة الذي تحول اسمه إلى مستشفى رمبام. (نحن ما زلنا نحفظ أسماء أطباء يهود مثل الدكتور روزنبوم من كركور وأبو الدار الصفراء في الخضيرة. ورونبوم هذا عينه الحاكم العسكري في عاره طبيبًا ليخدم بضع ساعات وفي عهده انتشر مرض شلشل الأطفال. كان ذلك في سنة 1950

-14-

واستمر يوقع الضحايا حتى سنة 1955، وقد فتك هذا المرض بعشرات الأطفال وأصاب بالشلل العشرات. وكنت واحدًا منهم. لقد كتبت عن انتشار مرض البوليو في

منطقة وادي عاره مقالة بالعبرية نشرتها في مجلة עלי זית וחרב عام 2017. هذه القضية تشبه إلى حد كبير قضية أطفال اليمن الذين اختفوا وما زال التحقيق جاريًا

بشأنهم. صار من الواجب التحقيق بقضية الأطفال العرب الذين أصيبوا بالبوليو كذلك وربما ما حفزني إلى كتابة كتاب عن الأطباء كان بحثي عن جذور هذه القضية.

لقد بذلنا جهودًا جبارة في جمع المعلومات عن الأطباء والصيادلة. توجهنا إلى الأرشيفات، وقرأنا كتب المذكرات التي كتبها بعض الأطباء مثل مذكرات الدكتور إلياس سليم سروجي (من مروج الجليل مذكرات طبيب من الناصرة)، ورجعنا إلى كتب التراجم، وفتشنا في جميع الصحف والمجلات العربية والعبرية والإنكليزية الصادرة في عهد الانتداب بحثًا عن أي معلومة، وقابلنا عددًا من كبار السن.

نرجو أن نكون قد وفقنا في خدمة توثيق تاريخ فلسطين.

ـ عرعرة ـ المثلث الشِمالي

ربما يعجبك أيضا

عن إبراهيم مالك

عن إبراهيم مالك

ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد 1942، وُلِدَ في قرية " سمخ "الفلسطينية المُهَجَّرَة والمُدَمَّرة، أبوه من الجزائر وأمُّهُ من تونس . كثيرًا ما أكَّدَ أنه وليد ثقافتين عربيَّتين ـ إسلامِيَّتيْن، مَغْرِبيَّتيْن ـ شرقيَّتيْن وتأثر كثيرًا بفكر وشعر رموزهما كأبي بكر بن الطفيل وابي العلاء المعرّي ومحمد ابن العرب وعمر الخيام وابن الحلاّج، ووليد الثقافة الإنسانية مُتَعَدِّدَةِ البيئات.

,

اقرأ/ي المزيد..

اتصلوا بنا

;